تغيير حجم الخط ع ع ع

 

نشرت صحيفة “لوموند” الفرنسية تقريرا عن السباق المحموم بين الامارات والسعودية في سبيل تنمية اقتصاد ما بعد عصر النفط، مشيرة إلى تقدم أبو ظبي على الرياض في هذا السباق. 

وأشارت الصحفية إلى كتاب خبير الطاقة ماثيو سيمونز “ضو في الصحراء” والذي نشره عام 2005، وقال فيه إن السعودية بالغت في تقدير احتياطاتها من الذهب الأسود، متوقعًا تراجعها الوشيك.

وأوضحت أنه لم يتحقق هذا التنبؤ حتى الآن، وظلت المملكة، بعد خمسة عشر عامًا، ثاني أكبر منتج للذهب الأسود على هذا الكوكب، والمصدر الرئيسي له، والدولة الوحيدة القادرة على ضخ النفط الخام أو سحبه لموازنة السوق والتحكم في الأسعار.

وتساءلت إلى أي مدى سيستمر ذلك؟ فعلى الرغم من اقتراب الإنتاج من مستوى ما قبل جائحة “كوفيد -19″، والذي من المقرر أن ينمو أكثر خلال هذا العقد، فقد انتقل العالم بالفعل إلى حقبة ما بعد النفط.

وتابعت “فالحركة تتسارع، وبالنسبة للبلدان التي تعيش منه، التحدي الآن هو الاستعداد لهذا الانتقال واستثمار مواردها الثمينة قدر الإمكان، إن لم يكن بأسرع ما يمكن”.

وأوضحت أنه في بداية يوليو/ تموز، أظهرت الأزمة العلنية بين الرياض وأبو ظبي داخل منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) أن إدارة الريع النفطي يمكن أن يقسم دولتين، اللتان كانتا في السابق متقاربتان للغاية.

ومن خلال المطالبة بزيادة حصتهم داخل الكارتل بشكل حاد (من 3.2 إلى 3.8 مليون برميل يوميًا)، أشارت الإمارات إلى أنها تتوقع عائدًا عادلًا وسريعًا من أجل الاستثمارات الضخمة التي تهدف إلى إيصال إنتاجها اليومي إلى 5 ملايين برميل عام 2030، وهي مكاسب غير متوقعة تهدف لإنهاء الاعتماد على النفط وتمويل أنشطة جديدة.

 

رؤية 2030

فعلى مدى عشرين عامًا، تؤكد اليومية الفرنسية، أدى ارتفاع أسعار النفط الخام إلى إثراء الأنظمة البترودولارية بشكل كبير، غير أن هذه الفترة تقترب من نهايتها، فالآثار المدمرة للاحترار العالمي والتحول البيئي الذي بدأته البلدان المتقدمة يلقى باللائمة فيها على الوقود الأحفوري. 

وهذا الأمر جعل الدول المنتجة للنفط تشعر بقلق متزايد بشأن مستقبل منتجها، والآن باتت مقتنعة بأن توفير النفط “للأجيال القادمة” – وهي استراتيجية طالما دافعت عنها الرياض – لم تعد في محلها.

وفي ظل حكم ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الملقب بـ “MBS” ، بدأت المملكة العربية السعودية هذا التحول، وهي تعمل تدريجياً على تخفيف القيود الدينية والانفتاح بشكل أكبر كجزء من إستراتيجيتها “رؤية 2030″، التي تم إطلاقها قبل خمس سنوات. 

ووفقا لـ”لوموند” لا تزال المملكة تعتمد على الهيدروكربونات (42٪ من ناتجها المحلي الإجمالي) أكثر من جارتها الإماراتية (30٪)، وهي ملزمة بتمويل الاستقرار الاجتماعي والتنويع الاقتصادي.

كما أن البيروقراطية والتشدد لا تزال تمنع العديد من الشركات من إنشاء مقارها هناك، ففي عام 2020، جعلها البنك الدولي في المرتبة 62 بين الدول التي تروج “للاستثمارات”، متخلفة كثيرًا عن الإمارات (المرتبة 16).

على الجانب الآخر، تقول لوموند، الإماراتيون، الذين لديهم أيضًا استراتيجية خاصة بهم “رؤية 2030″، أدركوا قبل فترة طويلة من السعوديين الحاجة الملحة لتغيير نموذج الطاقة وتنويع اقتصادهم. 

في عام 2009، استضافت أبوظبي مقر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة وعهدت إلى كوريا الجنوبية ببناء أربعة مفاعلات نووية، لتصبح في عام 2020 أول دولة عربية تمتلك طاقة ذرية. 

كذلك استثماراتها في المشاريع المبتكرة، بما في ذلك غزو الفضاء، يشهد على طموح حقيقي: الجمع بين التمويل والتكنولوجيا والبيئة.

ومن أجل جذب المستثمرين ألغت أبو ظبي رسوم تسجيل الشركات، وذلك سيمكن الشركات من إنشاء مقار هناك والاستحواذ على رأس مالها بالكامل، وحتى الحصول على الجنسية الإماراتية لمن هم أكثر حظا. 

وفي منافسة مع هذه الإمارة، تمارس دبي إغراقًا ماليًا جامحًا، ومن المنطقي أن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وضعت الإمارات على قائمة الملاذات الضريبية، في حين أنها وافقت، مثل المملكة العربية السعودية، على الحد الأدنى للضرائب بنسبة 15 ٪ من الشركات التي حددتها مجموعة العشرين في يونيو/ تموز الماضي.

وبحسب الصحيفة هذه الجاذبية، التي تجسدها آلاف الفروع أو المقار الإقليمية للشركات متعددة الجنسيات الموجودة في دبي، مركز إعادة التصدير في الشرق الأوسط، انتهى بها الأمر إلى إثارة غضب السعوديين. 

ففي فبراير/ شباط، قررت السعودية إعطاء الشركات الكبرى مهلة حتى 2024 كي تقيم مقار لها على أراضي المملكة إذا ما أرادت الاستفادة من العقود مع مؤسسات الدولة.

من المؤكد أن النظامين الملكيين السنيين المتحالفين أو القريبين، لا سيما في الحرب ضد الإسلاميين أو أي نزعة ديمقراطية، يختلفون الآن حول القضايا الإقليمية: الرياض تواصل حربها في اليمن، مترددة في الاعتراف بإسرائيل وفرضت رفع الحظر عن قطر. 

أما في أبو ظبي، التي تضخمت عسكريًا، فيستفيد محمد بن زايد، رجل الإمارات القوي، سياسياً من تقدمه الاقتصادي ويعترف أقل فأقل بمكانة “الأخ الأكبر” جارته التي تهيمن على شبه الجزيرة العربية من عقود.

ورأت الصحيفة أنه بحكم وزنها الديموغرافي وثروتها، تظل المملكة العربية السعودية مع ذلك سوقًا مهمًا، متوقعة أن تشتد المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية بينها. 

ويقول أمجد أحمد من المجلس الأطلسي وهو مركز أبحاث مقره واشنطن إن ما يحدث “صحي وسيسرع الإصلاحات في كلا الاقتصادين”، مستبعدا التوترات الشديدة بينهما. 

وفي غضون ذلك، سيعزز معرض دبي العالمي، المقرر في أكتوبر/ تشرين أول 2021 إلى مارس/ آذار 2022، صورة الإمارات العربية المتحدة في العالم، في ظل غضب السعوديين الذين كثيرا ما تعثر مشاريعهم الفرعونية في مستنقع رمال الصحراء.

 

للاطلاع على النص الأصلي من المصدر اضغط هنا