تغيير حجم الخط ع ع ع

 

لتبرير انقلابه العسكري، ألقى القائد العام للجيش الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، الذي يرأس مجلس السيادة في السودان، باللائمة على الحكومة المدنية السابقة في تدهور الأوضاع المعيشية.

تحت هذه الكلمات شرح الكاتب إيليوت براشيه في صحيفة “لوموند” الفرنسية، الوضع الاقتصادي المتدهور بشكل خطير في السودان، حيث يراجع الطلبة اختباراتهم تحت عمود الإنارة بالشارع.

وبينما ينام أخرون في محطة الوقود على أمل التزود بالوقود عند فتحها، يستيقظ مواطنون عند الفجر للتأكد من العثور على الخبز بالمخبز، حيث أثرت الأزمة الاقتصادية على الحياة اليومية منذ أكثر من عام.

وأوضح الكاتب أنه منذ منتصف سبتمبر/ أيلول الماضي، تدهور الوضع بشكل أكثر عندما توقف شريان الحياة الاقتصادي للبلاد عن العمل، لدراجة أن الركود الاقتصادي وصل إلى درجة أنه ساعد على تغذية الشعور بالمرارة بين السكان الذين كانوا يأملون في بداية جديدة بعد سقوط المستبد عمر البشير، الذي أطيح به في عام 2019.

وأشار إلى أنه في ظل هذه الثغرة، هرع العسكر لتبرير انقلابهم الذي قاموا به يوم الاثنين 25 أكتوبر/ تشرين أول الماضي، على الحكومة المدنية.

لكن بعد حل الحكومة التي كان من المفترض أن تتولى عملية الانتقال إلى الديمقراطية واعتقال الوزراء وكبار المسؤولين المدنيين، أعلن اللواء عبد الفتاح البرهان، الذي يتولى الآن القيادة، أن “القوى السياسية فشلت في تحقيق طموح الجماهير”.

كما أن نائبه في مجلس السيادة، اللواء محمد حمدان دقلو، المعروف باسم “حميدتي”، ردد نفس الخطاب، وألقى باللوم على حكومة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك في الأزمات المتعددة التي شهدتها البلاد.

ولفت إلى أنه بعد سقوط البشير، ورث الهيئة الانتقالية المكونة من المدنيين والعسكريين بلدًا مفلسًا، وفشلت مساعيها في وقف الانهيار الاقتصادي، وبينما مكنت تدابير التقشف، التي تم وضعها للوفاء بشروط صندوق النقد الدولي (IMF) ، البلاد من البدء في سداد ديونها (المقدرة بأكثر من 50 مليار يورو)، كان لها تأثير قوي على الأسر ذات الدخل المنخفض وبعبارة أخرى غالبية السكان.

وأدى الإلغاء التدريجي لدعم الدقيق والوقود وتعويم سعر صرف العملة المحلية في فبراير/ شباط (والذي توافق مع انخفاض حاد في قيمة الجنيه السوداني بنسبة 85٪) إلى ارتفاع الأسعار بشكل كبير، إذ تجاوز التضخم في يوليو/ تموز، 400٪ على أساس سنوي للسلع. 

وفي نفس الشهر، تم بيع أغنام عيد الأضحى بأربعة أضعاف سعر العام السابق، بسبب ارتفاع تكاليف النقل، بالإضافة إلى هذا، كان على السودانيين أن يعتادوا انقطاع التيار الكهربائي والنقص المزمن في البنزين أو الأدوية.

 

حواجز على طريق بورتسودان

وترى خلود خير، من مركز التفكير والعمل في الخرطوم “ISP”، أن الجيش السوداني يحاول إثبات أن البلاد بحاجة إلى رجال أقوياء لمواجهة هذه الأزمة الاقتصادية الخانقة.

من جهته يقول الخبير الاقتصادي السوداني حافظ إبراهيم إسماعيل “لقد شارك الجنرالات في جميع قرارات الحكومة، لكنهم تركوا المدنيين يتحملون المسئولية”.

كما أنه في مؤتمر باريس الذي عقد مايو/ أيار الماضي، وشهد عودة البلاد إلى الساحة الدولية ومهد الطريق لتخفيف الديون، تمت دعوة البرهان إلى جانب عبد الله للمؤتمر، وفي أعقاب الحدث، قال وزير المالية جبريل إبراهيم إن تحرير الاقتصاد يظل “السبيل الوحيد الممكن لإعادة السودان إلى المسار الصحيح”، لكن زعيم المتمردين السابق هذا وقف اليوم إلى جانب الانقلابيين.

ونوهت اليومية الفرنسية إلى بدأ مئات المحتجين من قبيلة البجا مواجهات مع الحكومة من خلال إغلاق الطرق المؤدية إلى بورتسودان ومحطات الاستيراد والتصدير، وتراكمت مئات الحاويات، مما أدى إلى شل قطاعات حيوية من الاقتصاد وتسبب في خسائر يومية تقدر بأكثر من 55 مليون يورو في غضون أيام، وطالب المتظاهرون بقيادة الزعيم القبلي محمد الأمين ترك باستقالة الحكومة، متهمين الخرطوم بعدم إعطاء منطقتهم التمثيل الذي تستحقه.

ويرى حافظ إبراهيم إسماعيل أنه “إذا كانت للبجا مطالب مشروعة، فإن حصار بورتسودان تم بالتنسيق مع الجيش لإغراق حكومة حمدوك”، ولإثبات صحة هذا التحليل، يشير إلى إعلان محمد الأمين، في أعقاب الانقلاب، دعمه للجنرال البرهان وتحدث عن إعادة فتح وشيك لبورتسودان وأزيلت الحواجز على طريق البحر الأحمر.

ويضيف إبراهيم “بعد نفاذ الخبز في بداية أكتوبر/ تشرين أول، انخفض سعر هذه السلعة الحيوية فجأة، كما انخفض سعر السكر، وهو حسب الخبير الاقتصادي تلاعب من قبل الموالين للنظام السابق، بالتواطؤ مع الجيش أي لديهم الوسائل لتخزين المواد الغذائية لتضخيم الأسعار”.

ويفسر ذلك بأنهم يمتلكون الشركات بشكل مباشر، أو أن لديهم سيولة كافية لشراء البضائع بكميات كبيرة وإخراجها للسوق.

لكن من وجهة نظره “غالبية السودانيين لم ينخدعوا”، ففي ضوء الاحتجاجات الحاشدة التي خرجت يوم 21 و25 أكتوبر/ تشرين أول، يؤكد أنه ليس هناك شك في أن جزءًا كبيرًا من السكان مستمرون في دعم الحكومة المدنية لموجودة اليوم خلف القضبان. 

 

سيطرة الجيش على الشركات 

وتؤكد “لوموند” أن وجود الجيش في جميع القطاعات الاقتصادية هو أحد الخلافات الرئيسية مع المدنيين، “ففي عهد البشير، كان الجيش قادرًا على الوصول إلى مناصب متميزة في العديد من القطاعات”، بحسب رافائيل شيفريلون غيبرت، الباحثة في معهد أبحاث التنمية (IRD) .

كما يسيطر الجيش على العديد من المؤسسات شبه العامة ويدير العسكر أو عائلاتهم مؤسسات أخرى خاصة، وجميعهم يتهربون من إشراف وزارة المالية ويتم إعفاؤهم من الضرائب التي يمكن أن تساعد مع ذلك في تجديد خزائن الدولة.

وتساءلت اليومية الفرنسية، بينما طالبت الأمم المتحدة يوم الخميس بـ “إعادة تشكيل حكومة انتقالية يقودها مدنيون”، هل يمكن أن تكون المساعدات المالية سلاح في يد المجتمع الدولي؟، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة قد أعلنت بالفعل تعليق مساعدات قيمتها 700 مليون دولار (600 مليون يورو)، فيما علق الاتحاد الأفريقي عضوية السودان وأوقف البنك الدولي المساعدات.

وفيما يسعى البرهان وحميدتي إلى الحصول على دعم الرعاة الإقليميين مثل المملكة العربية السعودية أو مصر أو الإمارات العربية المتحدة، فإن دعم هذه الدول خجول أكثر مما يُعتقد.

ويقول حافظ إبراهيم إسماعيل: “إن الضغط الدولي المتزايد يمكن أن يحاصر الجيش”، الذي يرى أن استيلاءه على الحكم سيكون له تكلفة اقتصادية وخيمة.

وخلصت الصحيفة إلى أنه المفاوضات التي بدأت منذ الاثنين الماضي، داخليًا ومع الدبلوماسيين، تشير إلى أن العسكر يبحثون عن مخرج، ومع ذلك، لا يوجد ما يستبعد أن يستخدم الجيش القوة بشكل مكثف لقمع “مسيرة المليون” المقررة السبت احتجاجًا على الانقلاب.

 

للاطلاع على النص الأصلي من المصدر اضغط هنا