تغيير حجم الخط ع ع ع

 

أحمد حسين

مع مطلع كل عام جديد، تتجدد الأزمة، رغم أنها هدأت في السنوات الأخيرة على وقع إنجازات تحققت، إلا أنها تعيد الأذهان إلى أحداث دموية، شهدتها فصول المواجهة بين الأمازيغ وحكومات دول المغرب العربي.

مساء السبت، احتشد مئات الأمازيغ في العاصمة المغربية الرباط للاحتفال ببدء العام الأمازيغي الجديد (2969)، مجددين دعواتهم للسلطات إلى جعل الاحتفال عطلة وطنية كرأس السنتين الميلادية والهجرية.

أصول الأمازيغ؟

هم من أوائل الشعوب التي توطنت في شمال أفريقيا، يرجع تاريخهم إلى عصر الإمبراطورية الرومانية، حيث انتشروا من المغرب غربًا إلى مصر شرقًا، ومن البحر الأبيض المتوسط شمالًا حتى نهر النيجر جنوبًا.

تواجدت أغلبيتهم بدول المغرب والجزائر وتونس، فضلًا عن مصر (واحة سيوة)، وكذلك ليبيا وموريتانيا والنيجر وبوركينا فاسو.

وباتوا يشكلون ما يقرب من 40% إلى 45% من السكان في المغرب، ومن 20% إلى 25% في الجزائر، ومن 8% إلى 9% في ليبيا، ومن 1% إلى 5% في تونس، فيما يتراوح مجموع عددهم في العالم العربي بين 15 و20 مليون نسمة، من أصل 55 مليون أمازيغي حول العالم.

(جانب من احتفالات أمازيغ المغرب مساء السبت الماضي)

عادة ما يُطلق عليهم اسم البربر، وهو مشتق من كلمة (باربادوس) أي الأغراب، وهو اسم أطلقه الرومان على كل من هو غير روماني، وتطور فيما بعد ليشمل الأجانب بصورة عامة، لكنهم يرفضون هذه التسمية، ويرون فيها انتقاصًا منهم وتعاليًا عليهم.

لعب الأمازيغ في دول المغرب العربي دورًا بارزًا في مقاومة الاستعمار الأجنبي، لكن بعد الاستقلال ووصول الأنظمة القومية العربية إلى السلطة، جرى تهميشهم، ومحو خصوصيتهم الثقافية.

كما تم على مدار عقود الحد من فرصهم التعليمية والوظيفية، واستمرت معاناتهم من التمييز داخل الدولة، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ امتد إلى عمليات عنف ومواجهات دامية في كثير من الأحيان.

مواجهات دامية

ومنذ حصول دول المغرب العربي على استقلالها من المحتل منذ خمسنيات القرن الماضي، وقعت الكثير من الصدامات المسلحة بين الأمازيغ وحكومات تلك الدول.

أبرزها ما حدث بالمغرب عام 1959، حينما قاد الملك الحسن الثاني الجيش المغربي إلى الريف لإخضاع الأمازيغ الريفيين الذين نهضوا ضد تهميشهم، حيث تم قتل الآلاف من الأمازيغ، وعُرفت هذه الفترة بـ “سنوات الرصاص”.

تكرر الأمر ذاته في منطقة الأمازيغ بالجزائر (القبائل) أوائل الألفية الثالثة، حيث قُتل 126 شخصًا أثناء الاحتجاجات الأمازيغية فيما عُرف بـ “الربيع الأسود”، ولم تكن الأوضاع أفضل في ليبيا وتونس، وإن لم تشهد القدر ذاته من إراقة الدماء.

(المواجهات الدموية تراجعت لكن التهميش استمر)

واحتجاجا على التهميش وما قالوا إنها محاولات لطمس هويتهم وخصوصيتهم الثقافية، اندلعت الاحتجاجات الأمازيغية في وجه السلطات الحاكمة، كان أبرزها في الجزائر الربيع الأمازيغي في 1980 (حيث أدى منع محاضرة عن الشعر الأمازيغي القديم لمولود معمري إلى حدوث مظاهرات واجهتها سلطة الجزائر بالعنف والقمع) والربيع الأسود في 2001 والذي مثَّل ذروة المواجهة بين الأمازيغ (القبائل) والدولة.

للسيطرة على هذه الحركة استخدمت الدولة إلى جانب العنف استراتيجيات عديدة ومتنوعة؛ فلجأت إلى اللعب على الانقسامات الداخلية داخل الحركة الأمازيغية من جهة، والاستجابة لجزء من مطالبها من جهة أخرى، حيث أقر الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عام 2002 تعديلًا دستوريًّا يقضي بالاعتراف باللغة الأمازيغية كلغة وطنية.

أما المغرب فكانت الحركة الأمازيغية بها سلمية إلى حد كبير، حيث أعلنت منذ الاستقلال عام 1956 رفضها لسياسات التعريب، وقررت أن تواجه الدولة وأن تعيد النظر في مفهومها للهوية والثقافة الأمازيغية.

وبدأت في السبعينيات الضغط تدريجيًّا على الدولة من أجل الاعتراف باللغة الأمازيغية كلغة دستورية إلى جانب العربية، وذهب البعض إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث طالبوا باستبدال لغتهم الخاصة باللغة العربية في جميع الشؤون الرسمية، بما في ذلك استخدام لغتهم في المدارس وفي وسائل الإعلام.

وبحكم ترابط الحركات الأمازيغية مع بعضها البعض، سرعان ما انتقلت شرارة الربيع من الجزائر إلى المغرب، لتؤجج مطالب الأمازيغ بإنصافهم، ويستمر نضال الأمازيغ عشرات السنوات إلى أن تمكنوا في 2001 من انتزاع اعتراف الملك محمد السادس بأن اللغة الأمازيغية مسؤولية الدولة وينبغي الاعتراف بها.

وتلا هذا الاعتراف عدد من التطورات، أبرزها إدماج الأمازيغية في المنظومة التعليمية، وتخصيص نشرة إخبارية بالأمازيغية، وإلغاء مصطلح اللهجات وحل محلها مصطلح اللغة الأمازيغية، وبدأ الحديث عن إمكان دسترة الأمازيغية.

تم كذلك السماح لعدد من الجرائد الأمازيغية بالظهور، وعملت القنوات التلفزيونية والإذاعية منذ 2010 على تقديم برامج وثائقية وأفلام تستهدف التعريف بالثقافة الأمازيغية.

كما عمد العاهل المغربي إلى إنشاء معهد ملكي للثقافة الأمازيغية، يُعنى برد الاعتبار للأمازيغية في الجامعات والمدارس والإعلام، وجعل ميزانيته جزءًا من الميزانية العامة للقصر الملكي.

(انتصارات متتالية حققها أمازيغ الجزائر يصبو إليها جيرانهم في المغرب)

واستغلت الأمازيغ الحراك الشعبي في 2011 حتى أقر الملك محمد السادس إصلاحات أساسية هدفت إلى إخماد هذا الحراك، فتحولت الأمازيغية إلى لغة رسمية إلى جانب العربية.

وبعد أن اعترفت الجزائر بالأمازيغية لغة وطنية في 2002، تم الاعتراف بها بصفتها اللغة الرسمية الثانية بعد العربية في تعديل دستوري اعُتمد عام 2016، كما أقُرت رأس السنة الأمازيغية (الـ 12 من يناير) عيدًا وطنيًّا.