تغيير حجم الخط ع ع ع

في مساحة مقتطعة من غرفة لا تتعدى 15 مترا، مكسوة بقماش الصوف وعلب البيض الفارغة، نجلس بمحاذاه الحائط أمام مكبرات الصوت، ونمسك السماعات على آذاننا، نكتم الأنفاس و ننتظر لحظة الانطلاق
بضع ثوان و نكون على الهواء مباشرة نغطي أخبار الانتخابات البرلمانية لعام 2010، بضع ثوان و ننطلق بمشروعنا الصغير ، إذاعة محلية تبث على الإنترنت تغطي أخبار الانتخابات البرلمانية، موسيقى السلام الجمهوري على وشك البدء، كانت هذه “دليسبس” الانطلاق، مشاعر ممتزجة بين الخوف والحماس، والمسؤولية
مهندس الصوت يعطي الإشارة: مستمعينا اهلا بكم..
ساعة متواصلة على الهواء تلقينا فيها اتصالات من بعض مرشحين قوائم المعارضين للحزب الوطني، ساعة كسرت حاجز الخوف من المواجهه وأذنت بإشارة النفاذ إلى عالم جديد يتسلل إلى فتاة في التاسعة عشرة من عمرها آنذاك ، ردود الأفعال كانت أكبر مني ، أكبر من توقعاتي و إدراكي للموقف.
في الفاصل الأول، أتلقى المكالمات الهاتفية من أصدقائي وأقاربي للتهنئة، كالعائد لتوه من فتح عكا. من بين المهنئين “هاتف” أطفأ بريقًا كان قاب قوسين أو أدنى من نفسي و قضى على زهوٍ لم أكد أبلغه: “ألو.. مبارك، ستتلقين بالطبع اتصالات للتهنئة على تجربتكم الناجحة، الكل ينتظر الطفلة الخارجة من شرنقتها، تحاور مرشحًا لمجلس الشعب هنا و تتلقى اتصالا من مسؤول تسأله عن توقعاته لسير العملية الانتخابية هناك، وهو لا يعرف عمرها بالطبع و لو عرف ما أجاب، طريقك طويل فإياك وأن تتملك الإطراءات منك ، سيكون السقوط مدويًا ، هذه المهنة ملعونة”.
كسحابة مبلدة بغيوم ولتوها أسقطت ما في جعبتها على زهر يطل بأوراقه من الطين فسواه بالأرض ، مرت التجربة بما لها وما عليها ، و الكلمة تتملك مني مع كل عمل جديد ، سيكون السقوط مدويًا.. هذه المهنة ملعونة!

2014
في اجتماع تحضيري لعمل إعلامي، يشارك أحد الزملاء بفكرة تتعارض مع فكرة طرحها آخر، احتد النقاش فقال الثاني في محض دفاعه عن وجهه نظره “انت مش عارف انت بتكلم مين”
حقيقة لم أكن أعرف أنا أيضًا “احنا بنكلم مين”، حتى جمهوره لم يكونوا ليعرفوا قبل 7 أشهر فقط من الاجتماع المذكور “هما بيكلموا مين” إلا أن ظرفًا سياسيًا صنع نجومًا يفتقرون الحدود الأخلاقية لمهنة امتهنوها بمحض صدفة فأعلت نفوسهم على مهنيتهم وحب ذاتهم على قضيتهم وحب الظهور على رسالتهم، و جمع المعجبين على ما خرجوا من أجله أصلًا.
شهور والتحقت بدورة تدريبية مع واحد من “نجوم الإعلام” في العالم العربي ، يسمع منا انتقادات على المادة التي جهزها لتكون موضوعًا للدورة ، يدون الملاحظات و يعدلها في المحاضرة التالية ويسألنا ما اذا كانت مقنعة أكثر بالنسبة لنا ، ربما لإن توابيت القواعد تكسرت مع أنماط الإعلام الجديد ، او لإن توابيتًا أكبر تكسرت في نفسه ونزعت عنه لباس الأستاذ المنزه عن الخطأ ناهيك عن التوجيه والملاحظات من متدربين ـ هنا تدرك لماذا يصبح الكبار كبارًا ، و لما يسقط الصغار على أول طريق الصعود و في أول اختبار لنفوسهم تحت أضواء الكاميرا
إن قُدر لك وامتهنت مهنة تجعلك تحت الأضواء ، و لم تجد صاحب “الهاتف” ، يبعث لك دليلًا في اتصال ، في أول اول الطريق ويقول لك احذر السقوط المدوي وزيف المهنة الملعونة، فدعنى أقول لك أن هذا الـ “منعرفش هو مين ” ينبغي ألا تكونه.

الآراء الواردة في التدوينة تعبر فقط عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر ” العدسة “.