تغيير حجم الخط ع ع ع

 

تدير دولة الإمارات العربية المتحدة جسرًا جويًا ضخمًا لتسليح النظام الإثيوبي يرتكب جرائم حرب جماعية في تيغراي. تلك المغامرة اللاإنسانية تسبب مشكلة استراتيجية لإسرائيل.

منحت اتفاقيات إبراهيم لإسرائيل نفوذًا جديدًا في العالم العربي. حيث أصبح لإسرائيل حلفاء جدد، ولا سيما الإمارات العربية المتحدة. من الضروري الآن فحص ما قد يفعله هؤلاء الحلفاء، خاصة عندما يتعارضون مع مصالح الكيان الصهيوني.

 يدق علماء الإبادة الجماعية ناقوس الخطر بشأن إثيوبيا، حيث تقوم الإمارات بتسليح الحكومة. تشجع الأسلحة التي قدمتها الإمارات رئيس الوزراء آبي أحمد على بذل قصارى جهده من أجل حل عسكري، الأمر الذي يخاطر بالعنف الجماعي المستهدف عرقيًا.

 لقد اندلعت الحرب في إثيوبيا العام الماضي، حيث حرضت الحكومة الإثيوبية وحلفاؤها -إريتريا ودولة أمهرة الإقليمية- ضد منطقة تيغراي. تتقاسم جميع الأطراف المسؤولية عن الحرب، وبمجرد أن بدأت، اختارت الحكومة الإثيوبية القتال بوحشية ضد المدنيين التيغرايين.

يتلقى “Alex de Waal”، كاتب صحفي إسرائيلي، مكالمات يومية من التيغراي، ويقول إن كل متصل فقد فردًا من عائلته، غالبًا في واحدة من ٢٦٠ مذبحة موثقة. وأضاف أنه لا يسأل فقط عن البنات والأخوات والأمهات اللاتي تعرضن للاغتصاب، بل إنه يسمع أيضًا عن وفيات بسبب المرض، عن أناس لا يستطيعون الحصول على الدواء لأن المستشفيات تعرضت للنهب، ويسمع عن أطفال وأمهاتهم يموتون من الجوع بسبب قلة الطعام.

هذه المعاناة غير مرئية، فالصحفيون محظور عليهم السفر إلى تيغراي. سمح لعدد قليل من عمال الإغاثة بالعمل في ظل قانون صمت صارم.

في مواجهة الإبادة الوشيكة، احتشد التيغراي وقاتلوا، وفي يونيو الماضي هزموا الجيش الإثيوبي وأعادوا السيطرة على منطقتهم. ثم فرضت الحكومة حصارًا للتجويع، حيث لم يُسمح إلا لحوالي ١٠ بالمائة من المساعدات الطارئة المطلوبة بالدخول.

يواجه شعب تيغراي اليوم تهديدًا أكبر، حيث قام آبي أحمد بحشد أنصاره حول حملة عداء عرقي صارخ، إنهم يصورون التيغرايين على أنهم “سرطان” و”ضباع” و”جرذان”. كما أنه تم تصوير أحد مؤيدي الرئيس آبي البارزين على شريط فيديو وهو يقول إنه يجب تدميرهم “بأقصى درجات القسوة”.

يتم حشد المليشيات المحلية والحراس في الخطوط الأمامية، كما أمروا بتسيير دوريات في أحيائهم البعيدة عن خط المواجهة، وذلك لتحييد “الأعداء” من التيغرايين. يُعتقد أنه ما لا يقل عن ٤٠ ألف مدني من التيغرايين محتجزون في معسكرات الاعتقال ومراكز الشرطة في العاصمة الإثيوبية وما حولها.

كل من يتحدث عن السلام يُطارد. طُلب من المغني Tariku Gankisi، أن يقوم بأداء في تجمع حاشد، لكنه انحرف عن النص قائلًا للجمهور إن “هذا ليس وقت الغناء، فليس هناك ما يمكن الغناء عنه”، ودعا للسلام، ثم تم إغلاق ميكروفونه وهاجمته وسائل الإعلام الرسمية في محاولة لإجباره على التذلل والاعتذار.

كما تم استهداف رجال بارزين في مجتمع صنع السلام والأكاديميين ورجال الأعمال للتشهير عبر الإنترنت والتخويف في الحياة الواقعية من أجل الدفاع عن السلام أو التواصل مع المعارضة.

بين التيغرايين، انتشر شعور بأن إثيوبيا لم تعد تريدهم، وبالتالي لم يعودوا يريدون أن يكونوا جزءًا من إثيوبيا.

الجهود الدولية للتفاوض على حل سياسي لا تحظى بأي زخم، وقد قوبلت جهود الاتحاد الأفريقي وكينيا والولايات المتحدة بالرفض. يقول أهل تيغراي إنهم لا يستطيعون الوثوق بآبي أحمد، وبدوره، يعد آبي بأنه سوف يسحق تيغراي.

لقد شجعت آبي الأسلحة التي حصل عليها في فورة شراء الأسلحة العالمية. وتشمل إمداداته المشتبه بهم المعتادون مثل الصين وروسيا وأوكرانيا ودول أوروبا الشرقية التي تصنع الأسلحة الصغيرة، وكذلك إيران. وكان أهم مورد له الإمارات العربية المتحدة، التي تدير جسرًا جويًا هائلًا للمعدات الفتاكة، بما في ذلك الطائرات بدون طيار.

الإمارات وافد جديد إلى منطقة القرن الأفريقي، ترى فرصًا للاستثمار في الزراعة والموانئ، وتريد أن تجعل إثيوبيا جزءًا من محيطها الأمني ​​في غرب المحيط الهندي. كانت أبوظبي راعية لاتفاقية السلام بين إثيوبيا وإريتريا في عام ٢٠١٨، والتي نالت جائزة نوبل للسلام لآبي أحمد.

لجنة نوبل لم تمنح الرئيس الإريتري أسياس أفورقي نصيبًا في الجائزة، لأنه طاغية شمولي يدير بلاده كإقطاعية شخصية.  لم يمانع أسياس، فلقد حصل على ما يريد، وهو اتفاق أمني ضد تيغراي، الذي كان قادته يديرون إثيوبيا طوال ربع القرن الماضي وخاضوا حربًا ضده.

يبدو أنه عندما استضاف ولي العهد محمد بن زايد أسياس وآبي، وعدهما بالدعم المالي والعسكري المستمر. إنه يفي بالتأكيد بهذا الوعد لآبي، على الرغم من أنه بذلك يتحدى سياسة الولايات المتحدة في محاولة تهدئة الحرب الإثيوبية لصالح سلام تفاوضي.

لقد أعادت الإمارات النظر مؤخرًا في دعمها لوكلائها وحملاتها الجوية في حربي ليبيا واليمن، ولكن ليس قبل أن يلحق الضرر الذي لا يمكن إصلاحه بهذين البلدين. ولا ينبغي عليها أن تعيد تعلم هذا الدرس على حساب إثيوبيا، مع وجود ١١٠ مليون شخص، يتميزون بتنوع عرقي وديني كبير، فإن انهيار البلاد سيكون بمثابة فاجعة كارثية.

ويبدو أن إسرائيل قلقة إزاء هذا الأمر، فهي تمتلك علاقات مع إثيوبيا تعود إلى زمن الإمبراطور هيلا سيلاسي، وهذه العلاقات لها علاقة عميقة بالمجتمع اليهودي التاريخي في البلاد، بيتا إسرائيل، كما أن لها مصلحة أمنية في دولة ذات موقع استراتيجي في الطرف الجنوبي لساحة البحر الأحمر، فالدول الأغلبية المجاورة مسلمة.

على مر السنين، أبرم الكيان الصهيوني صفقات لتأمين مصالحها الإستراتيجية، ولجعل إثيوبيا تسمح لليهود بالهجرة. قبل ثلاثين عامًا، وخلال الأشهر الأخيرة من عمر النظام العسكري الشيوعي، ورد أن إسرائيل زودت سلاح الجو الإثيوبي بالذخيرة مقابل تسريع عملية سولومون التي نقلت جوًا ٣٩٠٠٠ إثيوبيًا إلى إسرائيل. في الآونة الأخيرة، حيث أصبحت ساحة البحر الأحمر مسرحًا للمنافسات الاستراتيجية والاضطرابات، تراقب إسرائيل عن كثب التهديدات المحتملة في المنطقة، بما في ذلك الجماعات المسلحة.

ومع اتفاقيات إبراهيم، أصبحت إسرائيل شريكًا في مغامرة بن زايد. في واشنطن العاصمة والعواصم الأوروبية، يعمل الدبلوماسيون الإسرائيليون والإماراتيون يداً بيد، حيث قوم الحلفاء ببناء هيكل أمني جديد للمنطقة، والذي يمنح الإماراتيين أيضًا تصريحًا مجانيًا عندما يصبحون مارقين.

قد تنقذ الأسلحة الإماراتية حكومة آبي أحمد، لكن كما رأينا من ليبيا واليمن، قد يأتي إنقاذ الحكومة على حساب خسارة دولة فاعلة، ويمكن أن يؤدي ذلك إلى زعزعة استقرار القرن الأفريقي لجيل كامل.

والأسوأ من ذلك، عن قصد أو بغير قصد، إن الإمارات تقوم بتحريض النظام الإثيوبي على ارتكاب فظائع جماعية تتصاعد يومًا بعد يوم، فصفارات الإنذار بالإبادة الجماعية تدوي بصوت عالٍ.

لقد اتخذ الكيان الصهيوني موقفًا ضد الإبادة الجماعية في رواندا ودارفور من قبل، ومن المنتظر أن يتصرف الآن عندما يواجه التيغراي هذا الاحتمال، ويجبر حليفه الجديد في أبو ظبي على التوقف الآن. فهل تخضع الإمارات لإسرائيل كعادتها؟