تغيير حجم الخط ع ع ع

قبل أيام، عرضت قناة ناشيونال جوغرافيك وثائقيا طويلا حول اتساع الكون ومساحة الفضاء، بدا واضحا أن الكون يكبر كل يوم في مخيلتنا، وأن الأرض التي كانت يوما مركز الكون في كتابات أرسطو وأفلاطون، قد أضحت اليوم حبة رمل في صحراء سواء قاتلة الاتساع لا يُعرف أولها عن آخرها.

لكن على طول الفيلم المعروض، كان سؤالا واحدا يدور بخلدي، ما الذي يحتاجه الإنسان الواحد من كل هذا الكون الواسع العظيم؟ ما فائدة هذا الاتساع الضخم إذا ضاقت على الإنسان روحه وغدا يبحث عن شبر أرض يقيم فيه؟

منذ انهيار المنظومة الاجتماعية في بلاد الشرق الأوسط إثر التدخلات العسكرية في الحياة السياسية، تحولت المنطقة العربية فجأة إلى طارد نهم للاجئين والباحثين عن موطئ قدم يعيشيون فيه، كانت المحصلة أنك إذا ما زرت أي بلد ستجد لا محالة بعضا من أهل المنطقة العربية الفارين بأنفسهم من آتون الحرب والقهر والظلم والتغييب الذي يخيم على المنطقة بأكلمها.

هذه مفارقة عجيبة، لا مكان آمن في بلاد العرب.. تزامنية تبعث على التأمل المهيب، فكأنها حالة سعار عامة أصابت المنطقة كلها، لم تعد في المنطقة العربية بقعة هادئة من العراق إلى المغرب، خليجيا وقاريا ومغاربيا وعروبيا، كل البقاع غدت فجأة طاردة لأهلها غير راغبة فيهم، وصار أكبر أحلام أهلها الفرار من أرضها إلى.. إلى أي مكان.

في رحلة البحث عن وطن، تصطدم بعرب فارين في مناطق لا يسعك تخيلها، كوبا، لاوس، نيبال، لاتفيا.. بلاد ومناطق ما كان يدور بخلد أحد أن يجنح إليها العرب يوما ليؤسسوا فيها حياة جديدة، لكن الرياح تأتي بما لا تشتهى السفن، وها هم هناك الآن.

يعيش هؤلاء المهجرون الفارون في صمت شديد، يحمدون الله على أن أمن لهم يوما من دون خوف، غارقين في التكيف مع المجتمعات الجديدة، مقاومين نوبات الحنين والاشتياق، وفراق الأهل والأحباب، قانعين بأنهم محظوظون رغم كل شيء، مقرين بأن الملايين في الشرق الأوسط يتمنون لو أنهم مكانهم الآن.

أستغرب حقا من خاضوا تلك الرحلات، لا سيما أصحاب الضربة الأولى الذين شقوا غبار الاغتراب والتيه في بلاد أخرى غير المشهورة باللجوء والهجرة، أستشعر أن في قلب كل واحد منهم حكاية عجيبة قطعها حتى وصل إلى ذلك المكان، ومعاناة كبيرة وأدها حتى بنى حساته تلك في موقعها الجديد البعيد.

الحياة ظالمة بعض الشيء، أفكر دائما في الأحيال اللاحقة من أبناء المهاجرين وأحفادهم، التي سينشأ واحدهم مثلا في ساوباولوا ليجد نفسه برازيليا يحمل جنسيتها، لكنه لن يقدّر كيف كانت معاناة والديه ليؤمنوا له هذه الوثيقة الحمراء، وليخلعوا عنه دنس الخضراء التي عانوا بسببها.. هل سيقدر الأبناء تلك الرحلة؟ هل سيعظموا تلك المعاناة؟ هل سيحكيها أحد يوما ما؟ لست أدرى!

الآراء الواردة في التدوينة تعبر فقط عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر ” العدسة “.