تغيير حجم الخط ع ع ع

من الواضح أن مفاوضات سد النهضة، التي يقودها الاتحاد الأفريقي، بين مصر والسودان وإثيوبيا، وصلت إلى حائط مسدود، وسط تعنت إثيوبي واضح، وإصرار على ملء السد – الذي يهدد دولة المصب بالجفاف – دون شروط أو اتفاق حول الجدول الزمني وكيفية ملئه. والمتابع خلال الفترة الأخيرة يرى أن مصر على وجه الخصوص قد بدأت في تعميق علاقاتها بالسودان في أكثر من ملف، وبالطبع فإن أحد أهم الملفات التي تريد مصر تعاونًا مع السودان فيها هي قضية السد الإثيوبي.

 حيث إن اتحاد الموقف المصري والسوداني في المفاوضات الجارية، وفي الجولات القادمة أيضًا، سوف يُضعف الموقف الإثيوبي، ويُعرِّي أديس أبابا إذا استمرت في استراتيجيتها الرامية إلى كسب الوقت، والتملص من أي اتفاق ملزم لها. كذلك فإن من أهم أسباب اتجاه القاهرة نحو السودان في الوقت الحالي هي عزم إثيوبيا تنفيذ المرحلة الثانية من ملء سد النهضة قريبًا.

التقارب ضرورة الوقت..

فقد صرح وزير الموارد المائية والري الإثيوبي، سلشي بقلي، أوائل شهر فبراير/ شباط الماضي، أن أديس أبابا غير معنية بفشل التوصل إلى اتفاق، وأن تعطيل مفاوضات السد خلال الجولات السبع الماضية، التي كان يرعاها الاتحاد الأفريقي، ليست مسؤولية حكومته. كما كشف أن الأعمال الهندسية في بناء السد وصلت إلى 91 في المئة، وأن بلاده ستبدأ عملية الملء الثانية لبحيرة السد خلال الأشهر القليلة المقبلة. وحسبما هو معلن فإن موعد الملء الثاني هو في يوليو/تموز المقبل.

أزمة سد النهضة .. الدبلوماسية تتراجع بعد التعنت الإثيوبي والقاهرة والخرطوم  تهيئان الأجواء لمواجهة عسكرية

وبعد ذلك بساعات، عاد الوزير الإثيوبي مرة أخرى ليتهم مصر والسودان بتعطيل المفاوضات، حيث قال: “إن مشاكل خطيرة ظهرت في المفاوضات الثلاثية بسبب حملة تشويه للسد” لافتًا إلى أن مصر والسودان لم تتمكنا من التوصل إلى اتفاق، بسبب إثارة “آراء متناقضة” وأنهما يتخذان مسارًا يعطل المفاوضات التي تسعى بلاده إلى إنهائها بشكل مرض لجميع الأطراف”.

وأكد أيضًا أنه بناء سد النهضة يجري  بشكل سريع، وأنه من المتوقع أن يخزن 13.5 مليار متر مكعب من المياه في موسم الأمطار المقبل. ومن الواضح أن وثيقة “إعلان المبادئ”، التي وقعها قائد الانقلاب في مصر، عبد الفتاح السيسي، مع قادة السودان وإثيوبيا قبل 6 سنوات، هي الوثيقة القانونية الوحيدة التي تستغلها أديس أبابا ضد القاهرة والخرطوم. حيث شدد الوزير الإثيوبي خلال حديثه أن بلاده “ترفض أي اتفاق يحيد عن إعلان المبادئ”.

مصير مشترك..

وكما إن مصر تخشى أن يصيب الجفافُ نهرها الجاري منذ آلاف السنين، فإن لدى السودان مخاوفها أيضًا، وخصوصًا من الملء الثاني للسد. فرغم أن البعض ينظر إلى الفوائد التي يمكن أن يجنيها السودان من السد، حيث سيساعد على تنظيم جريان النيل الأزرق ويقلل مخاطر الفيضانات والطمي، كما يساعد على استثمار ملايين الأفدنة من الأراضي الزراعية السودانية فضلًا عن توفير طاقة كهربائية رخيصة.

إلا أنه عندما نفذت إثيوبيا خطة الملء الأولى بمقدار 4.5 مليار متر مكعب، بشكل مفاجئ في يوليو 2020 دون تنسيق البيانات مع السودان، تعطل عدد من محطات الضخ السودانية، مما تسبب في أزمة حادة في مياه الشرب بالعاصمة الخرطوم وعدد من المدن السودانية الأخرى.

وقد عبر عن ذلك وزير الري السوداني، ياسر عباس، حين حذر إثيوبيا في وقت سابق من خطورة المضي في تنفيذ خطة الملء الثاني لبحيرة السد في يوليو المقبل بمقدار 13.5 مليار متر مكعب، حيث أشار إلى أن ذلك سيضر بحياة ومعاش 20 مليون سوداني على ضفاف النيل ورافده.

الإستراتيجية المصرية-السودانية..

ويبدو أن الزيارة الأخيرة للسيسي إلى الخرطوم، ومباحثاته التي أجراها مع رئيس مجلس السيادة الانتقالي بالسودان، عبد الفتاح البرهان، قربت من وجهات النظر بين الطرفين حول الخطة الموحدة بينهما حول معضلة السد. كانت السودان قد اقترحت قبل أسابيع عقد وساطة رباعية تضم إلى جانب الاتحاد الأفريقي، الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.

وخلال الزيارة الأخيرة أكدت القاهرة على موافقتها على الاقتراح السوداني، ويبدو أن العاصمتين العربيتين يهدفان إلى استخدام هذه المفاوضات في إثبات التعنت الإثيوبي للدول والمنظمات الكبرى في العالم. 

وقد عبر عن ذلك كبير المفاوضين السودانيين، مصطفى حسين الزبير، رئيس الجهاز الفني بوزارة الري والموارد المائية، حين قال إنه حال رفضت إثيوبيا الوساطة الرباعية، فإنها “ستواجه حينها بضغوط من المجتمع الدولي وسيتم تعرية مواقفها أمام العالم ويمكن حينها للسودان تصعيد شكاوى دولية”.

وفي غضون ذلك، رفض المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية دينا مفتي تدويل الوساطة وتمسك بلاده باتفاق المبادئ. وفيما يبدو، فإن اتفاق المبادئ الذي وقعه السيسي قبل 6 سنوات كان سببًا في تدهور الأوضاع ووصولها إلى الوضع الراهن. حيث تتذرع أديس أبابا بالمادة العاشرة من الاتفاق، التي تنص على أنه إذا لم تنجح الأطراف “السودان ومصر وإثيوبيا” يمكن اللجوء للوساطة بموافقة الدول الثلاث.

لذلك يقول مراقبون إنه يجب على القاهرة أن تنسحب من اتفاق المبادئ حتى يتسنى لها المضي في استراتيجيتها مع السودان، وأن ترفع الأمر إلى القوى الدولية، التي بدورها ستضغط على إثيوبيا. لكن واقع الحال يقول عكس ذلك، فقد شن الإعلام المصري حملة موحدة مؤخرًا تتحدث عن أهمية أن تتمسك مصر باتفاق المبادئ، باعتبار أنه ورقة سياسية مهمة في يد مصر حاليًا، حسب قولهم.

لذلك يرى قانونيون أن مصر قد تلجأ إلى إعادة تفسير مواد “إعلان المبادئ” في إطار عدد من المبادئ العامة في القانون الدولي، مثل مبادئ القانون الدولي لاستعمال المجاري المائية الدولية في غير أغراض الملاحة، ومبادئ احترام الحقوق المكتسبة للدول، ومبدأ عدم التسبب في إحداث ضرر، ومبدأ الإخطار المسبق.

والأيام القليلة القادمة كفيلة بإثبات صحة هذا التوجه من عدمه، لكن في كل الأحوال، فإن مصر ستحاول بكل الوسائل أن تُبقي السودان في صفها في أي خطوات قادمة فيما يخص السد.

اقرأ أيضًا: سد النهضة الإثيوبي.. الأمم المتحدة تعلن تحركها لحل الأزمة