تغيير حجم الخط ع ع ع

بعد تصريحات وزير الخارجية التركي، مولود جاووش أوغلو، صباح اليوم الجمعة، بأنه لا يوجد شرط مسبق من قبل تركيا أو مصر في الفترة الحالية لتحسين العلاقات بين البلدين، وعودتها إلى طبيعتها، بعد تصريحات الوزير الجديدة، وبعد تصريحات المسؤولين الأتراك الإيجابية المستمرة بشأن العلاقات مع مصر، يتكرر السؤال حول مستقبل العلاقات بين البلدين في المستقبل المنظور.

ولمحاولة استشراف هذا المستقبل، فإنه لا بد من النظر إلى رد الفعل على تصريحات الأتراك من قبل الجانب المصري، كونه هو الطرف الآخر من معادلة تحسين العلاقات المصرية-التركية.

فعلى المستوى الرسمي، تقريبًا لا توجد تصريحات إيجابية تذكر من قبل المسؤولين المصريين تجاه تركيا. ومن الممكن القول كذلك بأن المسؤولين في الجانب المصري يتحاشون مؤخرًا الحديث بشكل سلبي فج عن تركيا. 

وبالتالي، من الممكن الخلاص إلى نتيجة مفادها أن مصر -على الصعيد الرسمي- تتجاهل نسبيًا التعليق على أنباء التقارب المصري – التركي، كما تتلاشى نسبيًا أيضًا الحديث عن تركيا بشكل إيجابي أو سلبي فج.

 

 

استعلاء فارغ للإعلام المصري..

 

لكن على صعيد آخر، يتزايد اهتمام الإعلام المصري المقرب من الأجهزة الأمنية بالتعاطي مع التصريحات التركية فيما يخص أنباء التقارب بين البلدين. ويلاحظ من متابعة الأذرع الإعلامية أن جلها لا يزال يتحدث بشكل سلبي، وسلبي فج، عن تركيا، وعن تصريحات المسؤولين الأتراك.

فالإعلام المصري يتحدث بنوع من العنجهية والاستعلاء ضد تركيا، ويتعاطى مع تصريحات المسؤولين الأتراك على أنها استجداءات تركية للنظام المصري، أو على أن تركيا تعلمت من خطئها، وها هي تعود لتعتذر وتصحح ما اقترفته من آثام تجاه مصر؛ هكذا يحاول الإعلام المصري تصدير صورة التصريحات الإيجابية التركية عن مصر.

بل والأكثر من ذلك، يحاول الإعلام تصدير صورة مفادها أن الحكومة المصرية تضع قدمًا على قدم، وتملي شروطها على الدولة التركية حال أرادت أن تتقارب مع مصر، فلا تقارب مع تركيا دون أن تقدم خطوات إيجابية -من وجهة نظر الإعلام- فعلية على الأرض تجاه النظام المصري، فلا بد من إغلاق القنوات الإعلامية المعارضة لنظام السيسي التي تبث من تركيا، كما يجب أن تسلم تركيا المعارضين السياسيين الهاربين من بطش السيسي وأجهزته الأمنية، ودون إنفاذ هذه الشروط، فمصر لن تتقارب مع تركيا. هذا هو جل محتوى الرسائل التي تصدر من الأذرع الإعلامية المصرية تجاه تركيا ومسؤوليها.

 

 

مساحات مشتركة لصالح الطرفين..

 

لكن في مقابل ذلك، تصريحات المسؤولين الأتراك لا تتطرق بأي شكل من الأشكال إلى هذه القضايا التي يثيرها الإعلام المصري، بل إن معظم التصريحات تحاول أخذ العلاقات بين البلدين بعيدًا عن هذه النقاط الخلافية الضيقة من وجهة النظر التركية، والانتقال إلى مساحات مشتركة أكثر اتساعًا تعود بالنفع على مصلحة البلدين.

فالمسؤولون الأتراك يتحدثون دائمًا عن ملف شرق المتوسط وثروات الطاقة الموجودة هناك، وكيف أن التعاون بين البلدين يعطي لمصر وتركيا قسطًا كبيرًا من حقوقهما في ثروات المتوسط، بينما تحالف مصر مع غير تركيا في ملف شرق المتوسط لا يصب في صالح مصر، حيث إن الرؤية الإسرائيلية أو اليونانية أو القبرصية للصلاحيات البحرية في شرق المتوسط مجحفة بحق المصريين، كما هي مجحفة كذلك بحق الأتراك.

ويتحدثون كذلك عن تعاون مع مصر في القضية الليبية، والمسؤولون الأتراك يتحدثون في هذا الإطار عن حل سياسي للأزمة الليبية يقود إلى استقرار سياسي واقتصادي وأمني في البلد التي تشترك مع مصر في حدود يبلغ طولها نحو 1000 كم، وهو ما يعني أن الوضع في ليبيا يؤثر بشكل بالغ في عمق الأمن القومي والاستراتيجي المصري. وهنا يتحدث الأتراك عن تعاون مصري لتهدئة الأوضاع، مما يخدم الرؤية التركية، ولا يتعارض كذلك بأي حال من الأحوال مع المصلحة القومية المصرية.

ومؤخرًا، بدأ الحديث من قبل الأتراك عن تعاون مع مصر بشأن القضية الفلسطينية، بما يتماشى مع الاهتمام المصري الكبير حديثًا بالقضية الفلسطينية، خصوصًا عقب التطبيع الإماراتي مع دولة الاحتلال، والمحاولات المصرية للحفاظ على دورها الاستراتيجي في الشأن الفلسطيني، وهنا أيضًا يحاول الأتراك مداعبة المصالح المصرية بما لا يخالف كذلك الرؤى التركية، فالأتراك يتمتعون بعلاقات وطيدة مع كافة الأطراف الفاعلة في المشهد الفلسطيني، وهم بإمكانهم أن يكونوا شركاء مع مصر في التحرك على المستوى الوطني الفلسطيني.

 

 

تحركات مصر لا تضر تركيا..

 

وحين النظر إلى بعض التحركات المصرية على أرض الواقع، سيكون من الجلي أن مصر تحاول جاهدة ألا تضر بالمصالح التركية العليا، ومن أوضح البراهين على ذلك هي التحركات المصرية في البحر المتوسط، فرغم أن مصر وقعت اتفاقًا لترسيم الحدود البحرية مع اليونان وقبرص الجنوبية، خصوم تركيا في المتوسط، إلا أنها في ذات الوقت أعطت إشارات واضحة إلى أنقرة بأنها لم تنتهك حدودها البحرية، كما أنها لم تسلم بسيادة اليونان على جزر خلافية بينها وبين تركيا.

أضف إلى ذلك، مصر حين تمارس أنشطتها التنقيبية في شرق المتوسط، لا تخالف الرؤية التركية بشأن الحدود البحرية، وهو ما حدا بوزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، في السادس من مارس/ آذار الجاري، إلى أن يثمن احترام الجانب المصري للجرف القاري التركي خلال أنشطتها للتنقيب شرقي المتوسط، مؤكدًا أن ذلك تطور هام في العلاقات بين الجانبين.

وفي ذات التصريحات، أكد أكار أن قرار مصر باحترام الصلاحية البحرية التركية بالمتوسط يصب كذلك في مصلحة الشعب المصري وحقوقه، معربًا عن اعتقاده بإمكانية إبرام اتفاق أو مذكرة تفاهم مع مصر في الفترة القادمة، بما يتماشى مع الاتفاقية البحرية المبرمة بين تركيا وليبيا.

إذن، فالتحركات المصرية على الأرض لا تعاكس بشكل كبير الرؤى أو المصالح التركية ذات الأهمية العليا بالنسبة للأتراك، والأتراك في ذات السياق مستمرون في التصريحات الإيجابية لصالح عودة العلاقات بين البلدين بما يخدم المصالح الاستراتيجية للطرفين، مع محاولة لتجنيب النقاط الخلافية وتهميشها وإبعادها عن طاولة المفاوضات.

 

 

هل تنزل كلمة الإعلام المصري على الأرض؟

 

هذه الزوايا التي استُعرضت عاليه، تذكر بشكل كبير بما حدث في المصالحة المصرية القطرية، تصريحات قطرية مستمرة عن تقارب أو مصالحة  مرتقبة، تجاهل مصري على المستوى الرسمي، نفي إعلامي مصري لأنباء المصالحة، ولهجة استعلائية يتحدث بها الإعلاميون، لا تصالح مع قطر دون تنفيذ الشروط، لكن في النهاية، تصالح النظام المصري مع قطر دون أن تنفذ قطر الشروط الـ 13 التي أمليت عليها من قبل دول محور الشر العربي.

وها هو السيناريو يتكرر مرة أخرى، تصريحات إيجابية مستمرة من المسؤولين الأتراك، تجاهل مصري رسمي، إعلام يجعجع ويتحدث بعنجهية واستعلاء، تحركات مصرية على الأرض لا تتقاطع سلبًا مع الرؤى والمصالح التركية بشكل كبير.

وهنا يطرح السؤال نفسه.. هل تنزل كلمة الإعلام المصري على الأرض في العلاقات التركية المصرية كما نزلت في المصالحة مع قطر؟