fbpx
Loading

صحيفة لوموند الفرنسية ليلى داخلي: الثورات العربية بعثت الامل

بواسطة: | 2021-01-19T00:43:12+02:00 الثلاثاء - 19 يناير 2021 - 12:43 ص|الأوسمة: |
تغيير حجم الخط ع ع ع

حسب المؤرخة ليلى داخلي، من الصعب تحليل هذه الثورات من حيث النجاح أو الفشل، وقد أظهرت هذه الثورات أنه من الممكن بناء أنظمة مضادة في البلدان التي يبدو أن الوضع السياسي فيها معقدا تمامًا.

قامت ليلى الداخلي بتنسيق وإخراج برنامج جمع وبحث حول الثورات العربية، وأدى هذا العمل إلى نشر كتاب “روح الانتفاضة” L’Esprit  de la révolte. Archives et actualité des révolutions arabes (Seuil, 2020, 320 p., 24 euros), وهو كتاب جماعي يوضح ويفسر “كيف” بدلاً من “لماذا”.

هل فشلت الثورات العربية؟ 

ليس السؤال هو الحكم على نجاح أو فشل انتفاضة شعبية، حيث لا عودة للوراء، حتى عندما تفاقم العنف والقمع بسبب رد الفعل العنيف بعد ثورات 2010-2011، فغالبًا ما تصاحب الحركات الثورية ثورات مضادة وحروب، مما يعقد تحليل الانتفاضة الشعبية بمجرد اعتبارها فاشلة أو ناجحة.

Affiche représentant Abdel Basset Sarout, footballeur syrien devenu en 2012 chef rebelle de la guerre civile, icône de la révolution.

إن الانتفاضة تثير المجتمع بالمعنى الحرفي للكلمة، وينتج عنها ردود فعل متسلسلة، يصعب التنبؤ بها، والتي لا تُنسب كلها إلى المنتفضين.

إذا سقطت بعض الأنظمة فقط، فما هو الإنجاز الرئيسي لهذه الثورات؟

الإنجاز الأول هو دخول النموذج الثوري في التاريخ الاجتماعي والسياسي لهذه الدول المستقلة، ففكرة الثورة ذاتها هي خلع الملابس التي كانت ترتديها من قبل، والتي كانت تربطها بالنضالات ضد الإمبريالية (الثورات الجزائرية والفلسطينية) أو بشخصيات كاريزمية مثل شخصية جمال عبد الناصر في مصر.

لقد أصبحت الثورة من رموز الانتفاضة الشعبية، وسمة من سمات “الشارع العربي”، فهي مساحة لتطوير أشكال سياسية جديدة موجهة للأنظمة الاستبدادية (في 2010-2011)، ولكن أيضًا إلى الدول الفاشلة التي يكتسحها الفساد (في لبنان والعراق، على سبيل المثال، في 2019).

وقد أزاحت الثورة عددًا من الحدود، وبالأخص حدود اللعبة السياسية، التي حولت المجتمعات إلى ساحة لعب واسعة، وإلى سلاسل متعاقبة من الاستعباد في المجالين العام والخاص، وتعتبر هذه الثورات جذرية لأنها تعكس سلسلة التبعية والإذلال والاستعباد هذه باسم الكرامة.

 

ألم يكن الافتقار إلى قيادة هذه الانتفاضات عائقا على المدى الطويل؟

لا يبدو لي أن القيادة هي القضية المركزية، فالسؤال المركزي هو قدرة القوى السياسية و / أو النقابية و / أو المجتمع المدني على دعم الحركات الشعبية، حيث لم يتم تدمير هذه البنية التحتية المناضلة بشكل كامل، وحيث كانت هذه القوى قادرة على تقديم الدعم ولعبت دورًا حاسمًا في الانتفاضة الشعبية.

خطّان في الانتفاضة الشعبية اللبنانية… بل ثلاثة | القدس العربي

وأعتقد أن هذا هو المعنى العميق لجائزة نوبل الممنوحة للرباعية التونسية [أربع منظمات نظمت مفاوضات بين الأحزاب السياسية بهدف ضمان الانتقال إلى نظام ديمقراطي] سنة 2015.

وقد كانت إجراءات دعم حقيقية وليست عمليات تسير في الخفاء، ويناقش كتابنا الأشكال العملية جدًا لهذا الدعم، مثل توفير الخيام أو المعدات للتظاهرات، ويتم هذا على العديد من المقاييس.

وفي البلدان التي قلصت فيها الديكتاتورية كل شيء إلى لا شيء، وجد الثوار أنفسهم بلا دعم وبدون وساطة، في مواجهة العنف المطلق للنظام أو أمراء الحرب.

 

هل تقصدون ليبيا وسوريا؟

أجل، فقد كانت الظروف أكثر صعوبة للثوار في هذين البلدين، لذلك من الأهم النظر إلى التجارب التي حدثت هناك: إعادة تكوين السياسة.

وهذا ما تناولناه في كتاب بعنوان “إنتاج جسم سياسي”، فقد كانت اللجان المحلية السورية مختبرات رائعة، ومن المهم عدم تغطيتها بالكامل بالعنف الذي اجتاحها.

سوريا وليبيا ….نقاط التشابه بين الملّفين | | Vedeng/الصدى

كيف انتقلت الأفكار من بلد إلى آخر ومن ثورة إلى أخرى؟

ليست هذه التداولات مثل كتيبات تعريفية للثورة تنتقل من يد إلى يد، فكل ثورة لها ترسيخ محلي قوي، وربما تكون هذه هي النقطة المشتركة الأكبر.

الثورات العربية لصاحبها باراك أوباما.. عدنان عبد الرزاق | زمان الوصل

لكنها تستخدم دوافع متشابهة من بلد إلى آخر، وقد تم تبنّي الشعارات واللافتات وتكييفها، بدءاً بعبارة “الشعب يريد …”، التي تكملها في كثير من الأحيان “سقوط النظام”، ولكن أيضًا بمطالب أخرى، والتي تحمل تجسيدًا جديدًا وتفسيرًا جديدًا لشخصية الشعب، المستوحاة من قصيدة للتونسي أبو القاسم الشابي، يعرفها الكثيرون في العالم العربي لأننا نتعلمها في المدرسة.

وفي هذه الحالة، يعتمد التبادل على العناصر المشتركة بالفعل، والتي تمر عبر اللغة والثقافة. فقد تم تفسير الشعارات التي أعقبت “اخرج!” التونسية بلهجات مختلفة، مصاحبة بإيماءات مختلفة -من” إرحل” السورية مع إيماءة وضع حذاء في اليد كما لو كنت تطرد كلبًا، أو إلى “يتناحاو كاع” باللهجة الجزائرية “(” فليذهبوا جميعا! “).

إن التعرف على هذه التداولات يعني فهم العالم المشترك الذي ترسمه الثورات، فهي تتحدث عن مجتمع التجربة الذي تمر به الشعوب العربية، وربما أبعد من ذلك.

علاوة على ذلك، تبني هذه التداولات جسورًا جديدة من خلال التجربة الثورية، فعندما تحدث اللبنانيون والسودانيون والعراقيون عن الثورة سنة 2019، أعادوا تنشيط ذخيرة سنة 2011.

 

يبدأ كتابكم من فرضية أن لحظة الثورة العربية لم تبدأ عام 2011 بل قبل ذلك: متى ذلك؟ هل انتهت؟

كباحثين في العلوم الاجتماعية، نلاحظ الظواهر ونحاول تتبع مساراتها التاريخية، ويمكن بالفعل ربط حركات سنة 2011 الثورية بحلقات سبقتها: فهناك أشكال معينة من النضال والخطاب الذي سمعناه في عام 2011 تحيي النضالات التي سبقتها.

ونحن لا نبحث عن أصل -أو سبب -ولكن نبحث في السلالات، التي تعتمد على التشكيلات وإعادة التشكيلات التي أعقبت استقلال الدول العربية.

لقد انهار ميثاق ما بعد الاستعمار، الذي كان قائمًا على فكرة التحرر وفكرة معينة عن دولة الحماية، ولقد تجمد الخطاب المناهض للإمبريالية وتحول إلى لغة رسمية جافة، وتحول في كثير من الأحيان إلى تنازلات مختلفة، لا سيما في مواجهة القضية الفلسطينية التي تبيعها الدول العربية.

Lisa Anderson's “Searching Where the Light Shines: Studying Democratization  in the Middle East” Response – Authoritarianism in the Middle East and  North Africa

لكن فكرة الدولة الحامية هي التي انهارت قبل كل شيء، وكان بإمكانها أن تتكيف مع شكل من أشكال الأبوية الاستبدادية، لكن الليبرالية الاقتصادية والطريقة التي استولت بها النخب التي استلهمتها السلطات على الثروة قوضت تدريجياً أسس هذا التكيف.

وهنا نحتاج إلى تركيز انتباهنا من أجل قياس هذا الانهيار الاجتماعي والسياسي الذي يحمل في داخله قدرة الشباب العربي على إبراز أنفسهم في المستقبل.

ولسياسات الهجرة – الأوروبية أو الخليجية – دور في هذه القصة، بالإضافة إلى سياسات التكيف الهيكلي التي فرضها صندوق النقد الدولي منذ نهاية السبعينيات، وبالطبع سيطرة الحكام وحلفائهم على الثروة والسلطة.

الشباب العربي: اللامبالاة والإحباط والتغيير

ولا يكفي القول بأن الفوارق قد اتسعت، فقد خلقت هذه الأنظمة مجتمعات منقسمة على مستويات متعددة، حيث يتم تحديد الأوضاع الاجتماعية من خلال إمكانية الحصول على العمل، البضائع، الصحة، التعليم الجيد، عبور الحدود، واختيار الفرد لشريكه…

أما ما إذا كانت لحظة الثورة العربية قد انتهت، فلن أخاطر بالتنبؤات، لكن انتفاضات 2019 [في الجزائر والعراق ولبنان والسودان] أظهرت أن الرغبة في الثورة لا تزال قوية، حيث لا تزال أسباب الثورة قائمة.

 

هل ترون أن هذه الثورة العربية مستمرة بهدوء في دول حيث تم قمعها بقسوة مثل مصر أو البحرين؟ أم في المملكات النفطية الخليجية حيث لم يحدث ذلك؟

لقد حدثت الثورات العربية في مناطق أكثر بكثير من البلدان التي أدت فيها إلى ثورات ضخمة، أو حتى إلى إسقاط الحكام أو النظام.

فقد تم بناء مجتمع ثوري، مع الرغبة في التغيير الجذري الذي يخص المغارب والأردن وفلسطين … حيث انتفضت الدول التي لم تتأثر بـ “الموجة الأولى”.

 

قلبي أردني ودقاته فلسطينية .. وسم يتصدر صفحات التواصل الاجتماعي | رؤيا  الإخباري

وقد نمت ذخيرة الاحتجاجات في العديد من المناطق، ولا سيما في منطقة الخليج، والتي كان يُعتقد أنها أصبحت سهلة الانقياد بسبب ثروتها ومكانتها في الجغرافيا السياسية العالمية.

وتم قمع الثورة البحرينية، خاصة بمساعدة السعوديين، بالقوة والقمع الجماعي، لكن لم يتم حل أي من الأسئلة التي طرحتها. ولقد شرعت مصر، على غرار النموذج السعودي، في سياسة قمعية مماثلة.

من المفهوم أن الأنظمة تعلمت دروسا عام 2011: لا تستسلم، أبقِ العشيرة في السلطة بأي ثمن، حتى لو كان يجب “حرق البلاد”، مثل ما فعلته عشيرة الأسد في سوريا.

لقد فهموا أيضًا أن حركات التحرر يمكن أن تفقد مصداقيتها بسهولة في الرأي الدولي إذا أُجبرت على ارتكاب أعمال عنف، أو إذا قوبلت بالحركات الجهادية.

أسباب الثورة هي دائمًا – تقريبًا – موجودة بالكامل، وقد تغيرت الظروف التي جعلت الثورة ممكنة، لكن ذخيرتها الفنية متاحة ويتم إحياؤها بانتظام، بشكل هادئ أو واضح.

وفي تونس، حيث لم يؤد تغيير النظام إلى تغيير اجتماعي حقيقي أو تحول في الممارسات، تعددت الاحتجاجات والحركات التي تطالب بالتراث الثوري الذي يجمع الشباب من الفئات الهشة كما في الجنوب، أو أصوات المجتمع المدني من أجل التطبيق الكامل للدستور الجديد.

 

ماذا علمت الثورات العربية بقية العالم؟

أظهرت الثورات العربية أن كل شيء يمكن اختراعه “على الفور” وأنه من الممكن بناء السياسة حتى من نقطة الصفر وفي حالات الجمود الكامل، وهذا هو الأمل الذي أضاءته.

 

Opinion: Is the Middle East seeing a new Arab Spring? | Opinion | DW |  08.11.2019

وقد كان الأفق الثوري حتى ذلك الحين محصوراً بالأحلام والأهداف البعيدة لبعض الأحزاب الماركسية المنهكة، وحتى المهزومة، والآن يُعاد تفسيره في شكل مفرد وشائع ومتعدد الأصوات.

ترجمة العدسة عن صحيفة لوموند الفرنسية. للاطلاع على المقال الأصلي (اضغط هنا)

اقرأ أيضاً: بعد عشر سنوات من الربيع العربي، فوضى وأمل


اترك تعليق