تغيير حجم الخط ع ع ع

تغير كبير في لهجة خطاب نادر يوجهه الجيش الجزائري للمتظاهرين، وسط احتجاجات عارمة تدخل أسبوعها الثالث، وفي أعقاب تعهدات قطعها الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة على نفسه في حال فوزه بولاية خامسة.

ورغم اللهجة المتوازنة في الخطاب، إلا أنه يتضمن تهديدا صريحا للشعب بالدخول في فوضى عارمة، إذا لم يحافظ على حالة الأمن والاستقرار في البلاد، في إشارة إلى عهد بوتفليقة، الذي انتهت فيه مواجهات العشرية السوداء الدامية.

بوتفليقة أو الفوضى

للمرة الثانية منذ اندلاع الاحتجاجات ضد الولاية الخامسة للرئيس بوتفليقة، خرج رئيس الأركان الفريق أحمد قايد صالح، للحديث بشأن الأزمة الحالية بالبلاد، حيث أكد أن الجيش “سيبقى ممسكا بمكسب إرساء الأمن والاستقرار بالبلاد”.

وفي كلمة أمام قيادات عسكرية بأكاديمية شرشال العسكرية غرب العاصمة، الثلاثاء، قال صالح: “الشعب الذي أفشل الإرهاب وأحبط مخططاته ومراميه هو نفسه مطالب اليوم في أي موقع كان أن يعرف كيف يتعامل مع ظروف وطنه”.

وأضاف: “ندرك أن هذا الأمن المستتب وهذا الاستقرار سيزداد تجدرا وترسيخا، وسيبقى الشعب الجزائري يعيش في ظل هذه النعمة، وسيبقى الجيش الوطني الشعبي ماسكا بزمام إرساء هذا المكسب الغالي الذي به استعاد الوطن طيبته”.

الاتهام غير المباشر للمتظاهرين حضر في كلمة الفريق صالح، حين قال: “لم يرض بعض الأطراف الذين يزعجهم بأن يروا الجزائر آمنة ومستقرة، بل يريدون العودة بها إلى سنوات الألم والجمر التي عايش خلالها الشعب كل أشكال المعاناة وقدم خلالها ثمنا غاليا”.

المقارنة بين الوضع الحالي في عهد بوتفليقة وتخويف الجزائريين من مآلات ما قد يحدث بسبب تطورات الموقف في الشارع، بمثابة تخيير للشعب بين القبول بالأمن والاستقرار بدلا من التفريط فيه.

خاطب صالح الجزائريين، قائلا: “هذا الشعب الأصيل والأبي الذي عاش تلك الظروف الصعبة وأدرك ويلاتها لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يفرط في نعمة الأمن وراحة البال”.

وتعد هذه التصريحات ثاني تعليق غير مباشر من قائد أركان الجيش الجزائري على الحراك الشعبي المتصاعد ضد ترشح بوتفليقة لولاية خامسة.

ففي 26 فبراير الماضي، حذر قايد صالح من “نداءات مشبوهة ظاهرها التغني بالديمقراطية وباطنها جر هؤلاء المغرر بهم إلى مسالك غير آمنة بل غير مؤمنة العواقب”.

وبعدها بساعات نشرت وزارة الدفاع بيانا ثانيا لكلمة المسؤول العسكري في نفس المناسبة جاء فيها: “تعهدت شخصيا كمسؤول في الجيش الوطني الشعبي أمام الله والشعب وفخامة رئيس الجمهورية، على توفير كافة الظروف الملائمة التي تسمح بإجراء الانتخابات الرئاسية، في كنف الهدوء والسكينة والأمن والاستقرار”.

تعهدات بوتفليقة

تطور موقف الجيش الجزائري وانتقاله من خانة الحياد تجاه الأحداث الجارية، إلى مربع الميل للرئيس، يأتي بعد يومين فقط من رسالة ترشح بوتفليقة لولاية خامسة، والتي تضمنت العديد من التعهدات قطعها على نفسه في حال الفوز.

وتعهد بوتفليقة بـ

– تنظيم ندوة وطنية شاملة جامعة ومستقلة لاعتماد إصلاحات سياسية ومؤسساتية واقتصادية واجتماعية.

– تنظيم انتخابات رئاسية مبكرة طبقا لأجندة تعتمدها الندوة الوطنية ولا يكون مرشحا فيها.

– إعداد دستور جديد يزّكيه الشعب الجزائري عن طريق الاستفتاء ويكرس ميلاد نظام جديد.

– وضع سياسات عمومية عاجلة كفيلة بإعادة التوزيع العادل للثروات وتعبئة وطنية ضد جميع الفساد.

– اتخاذ إجراءات فورية وفعالة ليصبح كل فرد من شبابنا فاعلا أساسيا ومستفيدا ذا أولوية في الحياة العامة.

– مراجعة قانون الانتخابات مع التركيز على إنشاء آلية مستقلة تتولى دون سواها تنظيم الانتخابات.

وعلى الرغم من واقعية هذا الطرح، وشمول التعهدات التي شملتها رسالة بوتفليقة، إلا أن الرد الشعبي كان سريا للغاية في رفضها، فبعد ساعات من إعلانها، قاطع الطلاب الجزائريون فصولهم الدراسية.

كما تظاهر المئات في أنحاء مختلفة بالبلاد، معلنين رفضهم القاطع لترشح بوتفليقة حتى ولو بضمانات وردت في رسالة ترشحه.

إلى أين تصل الأمور؟

يبدو أن السلطة الحاكمة في الجزائر مصرة على تصدر بوتفليقة المشهد، وفق ما تعهد به، ربما مخافة انسحابه في الوقت الحالي وعدم ضمان من سيكون خليفته وهل سيدين بالولاء للطبقة الحاكمة من جيش وأمن ورجال أعمال من عدمه.

على الجانب الآخر، يتضح أن جموع الجزائريين حددوا موقفهم، ورفضوا ما يرون أنها مجرد مناورة من قبل السلطة لكسب الوقت وامتصاص الغضب المتصاعد.

وبين هذا وذاك، يتأرجح موقف الجيش، فكثيرون يرون أنه يميل بقوة لترجيح كفة بوتفليقة، ليس حبا في الرجل أو تمسكا به بقدر ما هي خشية من مصير يعتبره مجهولا، وسط حالة غموض عن خليفته في الحكم.

تلك التخوفات عبر عنها رئيس الأركان قايد صالح، ويبدو أنها دفعته لمحاولة أخيرة لتهدئة الشارع، عبر رسالة تخويف وتهديد مبطنة من مآلات الاستمرار في الحراك الشعبي.

هي إذن مرحلة شد وجذب بين فريقين، يجمعهما شيء واحد وهو شبح الحرب الأهلية في تسعينيات القرن الماضي، أو ما يعرف بالعشرية السوداء، وهو النموذج الحاضر في أذهان الجزائريين بقوة.

ولعل سيطرة العناصر الشبابية على الحراك المتصاعد، تفسر هذه النقطة، فغالبيتهم لم يعش تلك الفترة العصيبة ويذق ويلاتها، لكنهم في الوقت ذاته يتوقون إلى الحرية والكرامة والعدالة، ومفاهيم أخرى أفرزتها ثورات الربيع العربي، ولم ترها تلك الأجيال واقعا.