تغيير حجم الخط ع ع ع

العدسة – معتز أشرف

“حثالة ” قنبلة حارقة، ألقاها الرئيس الأمريكي المثير للجدل “ترامب”، في وجه أبناء القارة السوداء وهايتي، فكان الرد قويا وعنيفا، وتجاوز الخطوط الدبلوماسية مع بلاد العم السام، حيث طالب سفراء 54 دولة أمريكا بالاعتذار والتراجع، إلا أن الضجة تفتح بلا شك ملف أمريكا المليء بالانتهاكات والبحث عن المصالح والابتزاز في القارة السمراء، والتي كانت تتطالب، بحسب المراقبين والغاضبين، بالسير على خطى فرنسا التي قدمت اعتذارا مبكرا، في نوفمبر الماضي، أو على الأقل السير على خطى الرئيس الأمريكي السابق “أوباما”، ولكن يبدو أن لـ”أمريكا ترامب” رأيا آخر قد يربك حسابات مؤسسات الدولة ببلاده.

الرئيس الفرنسي أعلنها صراحة، من منطلق مصالح فيما يبدو، في خطاب ألقاه بجامعة واجادوجو عاصمة بوركينا فاسو، المحطة الأولى في جولته الإفريقية، في نوفمبر الماضي، أن “جرائم الاستعمار الأوروبي في إفريقيا لا جدال فيها”، داعيا الأفارقة إلى إرساء “علاقة جديدة” مع الأوروبيين، مشيرا إلى أن ذلك يشكل “ماضيا يجب أن يمضي، كانت هناك أخطاء وجرائم وأشياء كبيرة”.

الرئيس الأمريكي باراك أوباما كان أوضح، في عام  2009، حيث كشف خلال زيارة لعدة دول إفريقية من بينها غانا، ما قد نفهم منه سر مبادرة الدبلوماسية الأمريكية بتصحيح ما يمكن تسميته بـ”رعونة ترامب “، كما يصفه كثيرون من المراقبين، حيث أكد “أوباما” الطمع الأمريكي في “البقرة السوداء”، وذلك في حديثه أمام البرلمان الغاني، في يوليو من العام 2009، حيث شدد على أهمية إفريقيا للأمن القومي الأمريكي والمصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية قائلا: ” نحن نتطلع نحو المستقبل، فمن الواضح أن إفريقيا هي أكثر أهمية من أي وقت مضى إلى الأمن والرخاء للمجتمع الدولي، وإلى الولايات المتحدة على وجه الخصوص، إقتصاديات إفريقيا هي من بين الأسرع نمواً في العالم، مع التغيرات التكنولوجية التي تجتاح القارة الإفريقية”.

 

غضب وتهدئة

زلة لسان إذنْ هي لـ “ترامب”، كشفت الوجه المستتر للولايات المتحدة الأمريكية، وهو السر الذي دفع الدبلوماسيين الأمريكيين لتدشين حملة علاقات عامة، لتأكيد “شرف” الخدمة في القارة السمراء، و”تمسك” الولايات المتحدة بـ”علاقتها” مع هذه الدول، وجعل الرئيس الأمريكي في موقف صعب، حتى حاول التراجع دون جدوى قائلا: “اللهجة التي استخدمتها في الاجتماع كانت قاسية لكنني لم أستخدم هذه الكلمات”، لكن السناتور الديمقراطي ديك دوربن، أكد أن “ترامب” استخدم كلمة “حثالة” مرات عدة للإشارة إلى بعض الدول، خلال اجتماع الخميس في البيت الأبيض، محوره ملف الهجرة.

ردود الأفعال في إفريقيا لازالت ساخنة، حيث أعلن الاتحاد الإفريقي أن هذه التصريحات “تتنافى تماما مع السلوكيات والممارسات المقبولة”، واعتبرت هايتي أن ذلك “يعكس رؤية سطحية وعنصرية مغلوطة تماما”، كما أثارت غضب الأمم المتحدة ودفعتها إلى وصف كلامه بأنه “عنصري”، إلا أن وزارة الخارجية الأمريكية أكدت الاحترام الكبير الذي تكنه واشنطن للأفارقة وجميع الدول.

 

قوة مستقبلية

القارة الإفريقية تتكون من 54 دولة، ويعيش فيها حوالي 800 جماعة عرقية ويصل فيها عدد اللهجات المحلية لحوالي 1000 لهجة ، وهى قارة تشتهر بالتنوع الثقافي والجغرافي والاجتماعي والاقتصادي، والقارة الإفريقية تتميز أيضاً بمعدلات مواليد عالية، ويعكس التقرير المشترك لبنك التنمية الأفريقي وتقرير لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لإفريقيا لعام 2010 ،  أن اقتصاد قارة إفريقيا ينمو بصورة جيدة، وبالأخص مصادر الطاقة، ما شكل تنافساً حاداً بين هذه القوى، وبالأخص (الولايات المتحدة والصين) على موارد القارة الإفريقية.

وبحسب دراسة نشرت في عام  2014 ، فإن السياسة الأمريكية الجديدة تجاه إفريقيا ، تتأسس على تعبير “ترامب” وتنطوي على احتقار واستعباد، وهو ما قد يكون المفاجأة للبعض، حيث أكد عاصم فتح الرحمن أحمد الحاج، الباحث والخبير الإستراتيجي في الشأن الإفريقي في دراسة بعنوان ” السياسة الأمريكية الجديدة تجاه إفريقيا.. الفرص والتحديات”، أن مجمل التحولات في الإستراتيجية الأمريكية تجاه القارة الإفريقية، هي جزء من إستراتيجية أمريكية سياسية وعسكرية شاملة، تعمل على وضع كل مقدرات القارة الإفريقية، من موارد طبيعية وبشرية، وبالأخص البترول، تحت تصرفها، أسوة بمناطق العالم الأخرى، عبر اتباع إستراتيجية تعمل على إقصاء القوة الأخرى المنافسة لها (الصين والاتحاد الأوروبى والهند والبرازيل)، وتطويع المجتمعات والدول الإفريقية بصورة تخدم النفوذ والمصالح الأمريكية على المدى الطويل والقصير.

وأوضح الخبير الإستراتيجي أنه منذ وصول اليمين المسيحي للحكم في عام 2000، وذيوع رؤية صمويل هيتنجتون وفرانسيس فوكاياما في صدام الحضارات ونهاية العالم، قامت الولايات المتحدة بعسكرة سياستها نحو إفريقيا، وعسكرة الشعوب والمجتمعات الإفريقية، وتطويع القانون الدولي وفق متطلبات الإستراتيجية الأمريكية، والترويج لمكافحة ما يسمى بالإرهاب، وخطر القاعدة، والإسلام فوبيا، وأصبحت وفق هذه الخطوط، تتحرك الإستراتيجية الأمريكية نحو إفريقيا، بهدف جعلها تحت الوصاية الأمريكية، والانطلاق لتنفيذ كامل إستراتيجيتها.

 

شراكة الابتزاز

إستراتيجية الأمن القومي الأمريكى، التي صدرت في مايو 2010، عززت من قيم الشراكة مع إفريقيا، بحسب التعبيرات الدبلوماسية، وارتكزت على “حلب القارة السمراء ” بكل ما تستطيع بلاد العم سام، حيث إن اقتصادات الدول الإفريقية تنمو بسرعة وتنتظر مستقبلا أفضل بكل الحسابات الرائجة، وفى 14 يونيو من عام 2012، وافق الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما على سياسة الولايات المتحدة تجاه إفريقيا، والتي ترتكز ضمن بنود كثيرة على السيطرة على القارة السمراء، وحماية الأمن القومي الأمريكي عبر حماية المصالح الأمريكية في إفريقيا (النفط ومصادر الطاقة) والتقليل من خطر تهديد الأمن الأمريكي في الداخل والخارج (عمليات مكافحة ما يسمى بالإرهاب).

 

 الاستعباد والمذابح

ويحفل التاريخ بجرائم الأمريكان الأوائل بعد إبادة معظم الهنود الحمر، حيث إنهم لن يتمكنوا من استصلاح وزراعة عشرات الملايين من الأفدنة في قارتهم الجديدة بدون جلب الملايين من الأيدي العاملة الرخيصة، وكان الزنوج الأفارقة هم الخيار الأسهل، وتتحدث كتب التاريخ عن جرائم وحشية تكالب فيها آباء “ترامب” الأوائل على إفريقيا، حيث تم ترحيل ما بين 15 إلى 40 مليوناً من الأفارقة وبيعهم كعبيد في أسواق أمريكا وأوروبا.

وتتحدث روايات غربية عن أنه من بين كل عشرة أفارقة كان يتم أسر واحد فقط واستعباده، بينما يلقى التسعة الآخرون مصرعهم إما برصاص الغزاة البيض، وإما جوعاً وعطشاً أو انتحارًا من على ظهر السفن التي كانوا يحشرون فيها كالماشية، وكثير منهم كان يلقى حتفه اختناقاً بسبب تكديس المئات منهم في أقبية السفن في مساحة عدة مترات بلا تهوية أو طعام أو مراحيض!.

انتهاكات أمريكا متعددة في إفريقيا، لكن أبرزها حديثا كان في الصومال، حيث كانت محطة شاهدة على جرائم حرب أمريكية بحق الشعب الصومالي، ففي عام 1992 أرادت الولايات المتحدة أن تؤمن لنفسها موطئ قدم في القرن الإفريقي البالغ الأهمية إستراتيجياً لها، تعللت بالفوضى التي حلت في الصومال برحيل سياد بري، وحشدت قوات التدخل السريع التي مارست القتل على الطريقة الأمريكية، فقتلت من الصوماليين باسم تهدئة الأوضاع وإطعام الجوعى في عملية (إعادة الأمل) ما لا يقل عن ألف صومالي، وهو ثمن لا بد من دفعه وأكثر منه؛ لأن الأمر يتعلق بالمصلحة الإستراتيجية الأمريكية الصهيونية.