تغيير حجم الخط ع ع ع

العدسة – جلال إدريس

“يقللون من أزمة قطر ويؤكدون عدم شغل أنفسهم بها.. ثم تجدهم يركزون جهودهم ليل نهار من أجل محاربتها والعمل على إحكام الحصار عليها، والتصدي لها بكل ما أوتوا من قوة اقتصادية وسياسية وإعلامية”.

هذا هو ملخص المشهد السعودي والإماراتي “المتناقض” في التعامل مع الأزمة  القطرية؛ حيث بات المسؤولون في دول الحصار يرددون  ليل نهار أن أزمة قطر صغيرة، وأنها لا تشغلهم على الإطلاق، وكأنه علاج نفسي يحاولون من خلاله  إقناع أنفسهم وشعوبهم أن الأزمة صغيرة فعلا.

محمد بن سلمان ولي العهد السعودي – على سبيل المثال – كان آخر المسؤولين بدول الحصار الذين أدلوا بتصريحات تقلل من أهمية الأزمة القطرية، للحد أن وصف أزمة قطر بأنها “تافهة جدا” وذلك خلال زيارته للقاهرة الأسبوع الماضي.

“بن سلمان” لم يكتفِ بذلك بل وصل إلى حد القول إنه لا يشغل نفسه بأزمة قطر مطلقا، وإن أقل من رتبة وزير من يتولى الملف القطري، وأن أي وزير في الحكومة السعودية يستطيع حل الأزمة القطرية!”.

تصريحات “ولي العهد السعودي” سبقتها أيضا تصريحات مشابهة لوزير خارجية السعودية “عادل الجبير” الذي صرح في أكثر من مرة، أن قضية  قطر صغيرة جداً جداً جداً، وأنها لا تشغل بال المسؤولين السعوديين، وكذلك نظرائهم في دول الحصار، وعلى نفس المنوال صرح مسؤولون إماراتيون من بينهم “أنور قرقاش – وزير الدولة للشؤون الخارجية بالإمارات”.

المثير في الأمر أن كل التصريحات الصادرة عن دول الحصار  تتناقض تماما  مع كل تصرفاتهم على أرض الواقع؛ حيث إن كل أفعال “دول الحصار” بدءاً من تصدر موضوع قطر تصريحاتهم، ومانشيتات صحفهم، وإنفاق مئات الملايين من الدولارات على شيطنتها، وجولاتهم الخارجية والمكوكية لإحكام حصارها، يثبت أن قضية قطر لديهم مهمة جدا جدا وأنها من أكثر القضايا التي تشغلهم على الإطلاق.

“العدسة” ومن خلال التقرير التالي، ترصد عددا من المظاهر والشواهد التي تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن “قطر” هي الشغل الشاغل والقضية الأولى التي تسبب صداعا شديدا في رؤوس دول الحصار وفي مقدمتهم “السعودية والإمارات”:

تكثيف الحرب الإعلامية على قطر

الشاهد الأول الذي يكشف حجم وأهمية الأزمة “القطرية” بالنسبة للمسؤولين في السعودية ودول الحصار، هو الانشغال الكبير لوسائل الإعلام السعودية ليل نهار بالهجوم على قطر، والنيل منها، والتطاول على المسؤولين فيها، للحد الذي أصبح الهجوم على قطر في خبر أو خبرين جزءا من النشرات الأساسية اليومية لبعض القنوات السعودية والإماراتية، فضلا عن البرامج الحوارية.

أيضا الصحف الورقية السعودية والمعروف أن جميعها تتبع الدولة السعودية، وتديرها أجهزة أمنية يترأسها “بن سلمان” لا تكف ليل نهار عن مهاجمة “قطر” والنيل منها، كما لا تخلو مانشتاتها الرئيسية من ذكر اسم قطر، في عناوين هجومية، فضلا عن أخذ تصريحات من خبراء وسياسيين للتعليق على الأزمة وتطوراتها في أخبار فرعية.

وبهذا المنطق فمن غير المعقول أن “تأخذ” القضية “القطرية” كل هذا الحيز الإعلامي “السعودي والإماراتي” ثم يعود المسؤولون بدول الحصار ويحاولون إقناع شعوبهم والعالم أن الأزمة لا تشغل بالهم.

أيضا فإن تغريدات اللجان الإلكترونية الإماراتية والسعودية، لا تكف عن مهاجمة “قطر” عبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة.

الأمر لم يتوقف عند هذا الحد لكن الحرب على قطر إعلاميا، انتقلت أيضا  للدراما التلفزيونية والأفلام الدعائية والأغاني وكلها تردد إشاعات واتهامات تتعلق بدعم قطر  للإرهاب تارة وبعلاقة قطر بإيران تارة أخرى، وبتدخل قطر في شؤون الدول مرة ثالثة.

جولات ولقاءات مسؤولي دول الحصار

إن كانت أزمة “قطر” هي أزمة “صغيرة” بحسب ما تدعي “دول الحصار” فلماذا إذا لا توقف الجولات والاجتماعات الخارجية لمسؤولي دول الحصار لبحث الأزمة القطرية.

فبحسب مراقبين فإن المسؤولين بدول الحصار، قاموا بجولات خارجية وزيارات مكوكية، لأكثر من 50 جولة، التقوا فيها بمسؤولين أوروبيين ومسؤولين عرب وأفارقة بهدف جمع موقف موحد داعم لحصار قطر.

“عادل الجبير وسامح شكري وعبد الله بن زايد ومسؤولين بالبحرين جميعهم من قادوا تلك الجولات والزيارات والاجتماعات، الأمر الذي يعكس ذلك ويوضح مدى الاهتمام الذي يولونه وبلادهم للأزمة  القطرية، وسعيهم الحثيث لتحريض العالم على دولة قطر.

فعلى سبيل المثال قام “عادل الجبير” في 2017/6/6، أي بعد يوم واحد من بدء حصار قطر، خلال زيارته في فرنسا بتبربر الحصار السعودي على “قطر” وفي اليوم التالي زار ألمانيا للهدف نفسه، ثم طار إلى الولايات المتحدة الأمريكية في الـ 13 من نفس الشهر، وعاد ليزور بريطانيا في الـ17 من شهر يونيو والتقى الجبير كبار المسؤولين في تلك الدول لإقناعهم بضرورة الاصطفاف مع الدول المحاصرة، ثم عاد وزار واشنطن مرة أخرى في 2017/6/27 للغرض ذاته.

وفي  2017/ 6/12 كشفت صحيفة لوموند الفرنسية في تحقيق مطول حول تقديم السعودية إغراءات مالية وابتزاز بالمساعدات والهبات وبعثات الحج والعمرة لبعض الدول الإفريقية، وعقب هذا التحقيق، وفي 2017/7/4 طار عادل الجبير إلى العاصمة الأثيوبية أديس أبابا للقاء زعماء الاتحاد الإفريقي في اجتماعهم السنوي لإقناعهم بضرورة الانضمام إلى الدول التي حاصرت قطر.

وفي 16 يناير 2018، زار الجبير بلجيكا للقاء مسؤولين في الاتحاد الأوروبي ثم فرنسا في 24 من ذات الشهر لحضور اجتماع رباعي ضم وزراء خارجية الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا والإمارات، وفي 25 من ذات الشهر كان الجبير في دافوس يتحدث عن قطر أيضاً وعن تكرار الاتهامات لها، وفي 26 و27 من الشهر نفسه حط الجبير في دولة موريشيوس والغرض من كل تلك الزيارات محاولة عزل قطر وتأليب العالم عليها.

كما أن وزراء خارجية دول الحصار التقوا أكثر من 7 مرات منذ فرض “الحصار” على قطر، كما يقوم كل منهم بعمل جولات خارجية لدعم الحصار، وتبريره دوليا.

تسخير اللوبي الإماراتي الحقوقي

الدليل الثالث على أن “الأزمة القطرية” هي واحدة من أهم وأبرز القضايا التي تشغل بال مسؤولي دول الحصار، هو ذلك التسخير شبه الكامل للوبي الإماراتي والسعودي ضد “قطر” سواء فيما يتعلق  بملف “حقوق الإنسان” أو ملف ” مونديال قطر 22″ أو ملف حقوق العمال في قطر.

وبشكل مثير للجدل لا يتوقف  “االلوبي الإماراتي” عن ألاعيبه الحقوقية المفضوحة ضد “قطر” وذلك عن طريق الإعلان عن تشكيل “جبهات أو مبادرات” وهمية، في عدد من الدول الأوروبية، تستغلها دائما في إصدار بيانات موجهة  “ضد قطر”  دون أن يكون لها أي وجود حقيقي على أرض الواقع.

آخر تلك المبادرات الوهمية على الإطلاق، هي ما أعلنت عنه ما تعرف بـ “مؤسسة ماعت للسلام والتنمية وحقوق الإنسان، التحالف الدولي للسلام والتنمية”، حيث أعلنت عن تدشين مبادرة تحت شعار “اتحدوا من أجل السلام”، تحت مزاعم فضح الدول الراعية للإرهاب كقطر وتركيا، لكن سرعان ما تبين “عبثية التحالف” وأنه مشكل من قبل منظمات لا تعرف شيئا عن قطر أو غيرها، وأن أغلبها تم الزج بأسمائها كذبا وزورا.

ومع تتبع دقيق لهذا التحالف، تبين وهمية المبادرة من الأساس، فضلا عن وهمية التحالف الذي انبثق عن المبادرة، ووهمية بعض المؤسسات المشاركة فيه كالمنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا وأووربا، وهي المنظمة غير الموجدة أصلا، وإنما أختلق اسمها فقط للتشويه على المنظمة الشهيرة والمعروفة باسم “المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطنيا”، وهو الأمر الذي كشفته العدسة بالتفصيل في تقرير سابق.

كما تبين أنه تم الزج بأسماء لمنظمات وهمية غير موجودة على أرض الواقع، وكذلك الزج بأسماء منظمات حقيقية، لكن دون أن يتم أخذ موافقتها على دعم تلك المبادرة، كالجمعية الكويتية لحقوق الإنسان ومؤسسة الحياة الأردنية، وأخيرا فقد هاجمت الفيدرالية العربية لحقوق الإنسان الزج باسمها في حملات تحريضية ممولة من الإمارات.

وفي إطار تشويه صورة قطر، ينظم اللوبي الإماراتي وأذرعه الحقوقية ندوات ومحاضرات واجتماعات تكلف ملايين الدولارات جميعها تهدف لإقناع العالم بأهمية “حصار قطر” الأمر الذي يعني أن الأزمة القطرية شغل دول الحصار الشاغل وليست قضية هامشية.

شراء الإدارة الأمريكية

السعودية والإمارات لم يتركا بابا للمزيد من الخناق على قطر، إلا وطرقته، ثم تدعي أن قضيتها صغيرة وتافهة.

أحد تلك الأبواب هو قيام دول الحصار تسخير اللوبي الإماراتي في أمريكا، لجذب موقف الإدارة الأمريكية إلى جانب موقف دول الحصار، وذلك بحسب ما كشفته التحقيقات الأخيرة التي تجريها الاستخبارات الأمريكية.

وعلى وجه الخصوص،  فقد اشترى اللوبي الإماراتي “كان جاريد كوشنر صهر ترمب والقريب من اللوبي الصهيوني -والذي كان يواجه مصاعب مالية-  عن طريق عرضة للإغراء الإماراتي عقب رفض قطر إنقاذه ماليا.

وكشفت تقارير إعلامية أنه بالرسائل المغرضة وشراء الخبرات وتطوير العلاقات التجارية والعلاقات الشخصية، استطاعت الإمارات أن تهيمن ليس على حوار واشنطن حول شؤون الشرق الأوسط فحسب، بل وأهم من ذلك الصياغة المباشرة للنهج الأولي لإدارة ترامب تجاه حصار قطر عندما أصبح كوشنر كبير مستشاري ترامب للمنطقة.

وتسببت العلاقات الشخصية لكوشنر بابن زايد واللوبي الإماراتي وقربه من (أيباك) في جعل صهر الرئيس موافقا على خطة حصار قطر. ويبدو أن كوشنر نجح في تقويض اعتراضات وزيري الخارجية ريكس تيلرسون والدفاع جيمس ماتيس ضد الحصار.

محاولات سحب مونديال قطر 22

مونديال قطر 22، هو أحد أبرز النقاط التي تؤكد أن الأزمة القطرية ليست صغيرة أو تافهة بالنسبة لمسؤولي دول الحصار كما يدعون، إذ إن دول الحصار لا تتوقف عن مساعيها لسحب المونديال من قطر وتبذل في سبيل ذلك الغالي والنفيس، ما يؤكد أن القضية تشغلهم وتؤرق بالهم.

ووفقا لتقرير سابق  نشره مع “إنترسبت” الاستخباراتي الأمريكي، فإن الموقع حصل على “وثائق خطيرة” حول سعي دولة الإمارات العربية لسحب تنظيم بطولة كأس العالم من قطر، المقررة استضافتها في عام 2022.

واستند الموقع إلى وثائق، يقول إنه حصل عليها من البريد الإلكتروني لسفير أبوظبي في واشنطن يوسف العتيبة، أظهرت “مزيداً من الأدلة على سعي أبوظبي لسحب تنظيم كأس العالم من قطر، باستخدام ملايين الدولارات، وفتح عدة جبهات (لم يذكرها) ضد ملف قطر”.

وأوضحت الوثائق أن سعي الإمارات يتمثل في خطة أعدّها بنك “هافيلاند” الخاص في لوكسمبروج، والذي تملكه عائلة الممول البريطاني المثير للجدل ديفيد رولاند.

ووفقاً للوثائق، فإن الخطة تستند إلى تخفيض قيمة السندات في قطر؛ ومن ثم زيادة تكاليف التأمين عليها، ما يؤثر سلباً على العملية النقدية في البلاد.

وبعيدا عن الوثائق فإن ضاحي خلفان نائب رئيس الشرطة والأمن العام في دبي، قد كشف عن ذلك صراحة حين قال عبر تدوينة له على موقع تويتر للتواصل الاجتماعي “إذا ذهب المونديال عن قطر، ستحل أزمة قطر”.

ثم أن التصريحات التي جاءت بعد ذلك على لسان وزير الدولة للشؤون الخارجية في الإمارات “أنور قرقاش”، تؤكد انشغال المسؤولين الاماراتيين بالمونديل، حيث قال “إن استضافة قطر لكأس العالم لكرة القدم عام 2022 تتوقف على ما إذا كانت الدوحة ستتخلى عن سياساتها “الداعمة للإرهاب والتطرف” على حد زعمه.

كل هذا المجهود الدعائي للتحريض ضد قطر، يكشف صراحة أن أزمة “قطر” ليست صغيرة أو تافهة كما يدعى مسؤولو “دول الحصار”، لكنها قضية مهمة وذات ثقل، وأصبحت قضية حياة أو موت بالنسبة لدول الحصار، يقاتلون ضدها ويتشبثون بحصارها، بصورة تكشف عن حقد دفين وأعمى، وتعيد للأذهان محاولات “سعودية إماراتية” سابقة للانقلاب على قطر، على غرار ما حدث عام 1996.