تغيير حجم الخط ع ع ع

العدسة – منصور عطية

نُذُرُ مواجهةٍ عسكرية مباشرة محتملة بين القوات الأمريكية والروسية في سوريا، فجرها حادث إحباط قوات التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، هجوما لقوات موالية للنظام السوري المدعوم من موسكو.

فهل يمكن أن ترقى تلك المواجهة بالوكالة إلى تصعيد قد يشهد مواجهة مباشرة، أم أن الأمر لا يعدو كونه مجرد مناكفات سياسية وصراع على النفوذ والمصالح؟.

صراع النفوذ

وزير الدفاع الأمريكي “جيمس ماتيس” قال إن قوات التحالف الدولي أحبطت هجوما لقوات موالية للنظام السوري في دير الزور (شرق سوريا)، كان يستهدف موقعا تابعا لقوات سوريا الديمقراطية تنتشر فيه قوات أمريكية.

وأضاف: “لسبب ما، فإن قوات موالية للنظام السوري توجهت نحو مواقع لقوات سوريا الديمقراطية، حيث ينتشر جنود من القوات الخاصة الأمريكية”، لافتا إلى أن القوات الموالية لدمشق بدأت القصف “بالمدفعية وقامت دبابات بالاقتراب”.

وأشار “ماتيس” إلى أنه تم تدمير مدفعية القوات الموالية للنظام واثنتين من دباباتها، وأوضح أن القيادة الأمريكية اتصلت بنظيرتها الروسية على الأرض، تجنبا لأي تصعيد.

وقال إنه لا يعرف من هم المهاجمون، مضيفًا: “نعرف أنها كانت قوات مؤيدة للنظام، لكن لا أستطيع أن أقول ما إذا كانوا إيرانيين أو من الروس، أو مرتزقة”.

وفي وقت سابق أكد مسؤول أمريكي، مقتل 100 مقاتل من الموالين للنظام السوري، خلال إحباط هجوم كان يستهدف مناطق خاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية في دير الزور.

في المقابل، وصفت الخارجية السورية في رسالة للأمم المتحدة، القصف الذي نفذه التحالف الدولي بأنه جريمة حرب، ودعت إلى إدانته وحل التحالف، وقال السفير الروسي لدى الأمم المتحدة “فاسيلي نيبنزيا” إنه قدم احتجاجا بشأن هذا الموضوع، خلال جلسة مغلقة لمجلس الأمن الدولي.

وأضاف أنه قال للأمريكيين إن وجودهم في سوريا “غير قانوني”، وأن “أحدا لم يدعهم إلى هناك”.

رسالة أمريكية للجميع

للوهلة الأولى، فإن قراءة الموقف الأمريكي بالتصدي، تنطوي على رسالة شديدة اللهجة من واشنطن إلى موسكو في المقام الأول، مفادها بكل صرامة ووضوح، أن هذه المنطقة منطقة نفوذ أمريكي، والولايات المتحدة لن تسمح لأحد بالتقدم تجاه منطقة شرق الفرات ومحاولة السيطرة عليها.

الرسالة ربما ليست قاصرة على القوات الروسية أو الموالين لها، أو للقوات التابعة للنظام السوري وتلك المتحالفة معه، بل أيضا لتركيا التي تهدد مرارًا وتكرارًا، خاصة بالتزامن مع عملية عفرين إلى الشمال من سوريا بالتقدم نحو “منبج” شرق البلاد، حيث تتمركز قوات أمريكية.

آخر إرهاصات هذا الموقف التركي، عبر عنها الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي طالب الولايات المتحدة بالرحيل من المدينة، وقال في اجتماع لحزب العدالة والتنمية الحاكم، الثلاثاء الماضي، إن الولايات المتحدة “لها حسابات ضد تركيا وإيران، وربما روسيا، في سوريا”، حيث ترسل إمدادات عسكرية لمنطقة تحت سيطرة قوات يهيمن عليها الأكراد.

وربما يكون الحرص الأمريكي على منطقة النفوذ تلك، وهو ما عبر عنه جنرالات بالجيش، أنها تمثل نحو 30% من مساحة سوريا، فضلا عن كونها أغنى مناطق البلاد زراعيا، ويتواجد بها أكبر حقول النفط والغاز بسوريا.

وبالتالي، من مصلحة واشنطن في مفاوضات جنيف، أن يكون لها حلفاء يسيطرون على الأراضي السورية الغنية، كذلك من مصلحتها الإبقاء على تلك المنطقة خاضعة لسيطرتها استعدادا لما بعد مرحلة إعادة الإعمار، حتى تتمتع بأكبر قدر من السيطرة والاستفادة.

مناكفة أم مواجهة؟

ولعل التساؤل الأبرز في التعاطي مع الأزمة الحالية، هو هل يمكن اعتبار الحادث مقدمة لمواجهات عسكرية مباشرة أوسع، أم أنه مجرد مناكفات لا أكثر؟.

اللافت عند التعرض لمحاولة الإجابة على هذا التساؤل، أن القوات الأمريكية كانت قادرة على عدم التعامل مع الهجوم، والاكتفاء بما تقدمه من دعم بالعتاد الحديث لقوات سوريا الديمقراطية لتدافع بنفسها، وهي لديها القدرة على صد الهجوم.

على الجانب الآخر، فإن مجرد أن تسمح روسيا لحلفائها بهذا الهجوم، رغم التواصل المسبق مع أمريكا والعلم الكامل بما يجري على الأرض، يعني هذا رغبة روسية في مناكفة أمريكا، ردًّا على اتهامات موسكو لواشنطن بارتكاب المزيد من تلك المناكفات.

بلا شك، فإن الروس منزعجون بشدة من إسقاط المعارضة المسلحة، متمثلة في جبهة تحرير الشام لإحدى مقاتلاتها من طراز سوخوي، فوق إدلب شمال غرب سوريا بصاروخ حديث لم تكن المعارضة تمتلكه من قبل، وسط شكوك بضلوع واشنطن في تزويد المعارضة بهذه الصواريخ.

ولعل عدم التصعيد العسكري المباشر بين البلدين رغم استمرار الصراع في سوريا طيلة السنوات الماضية، يشير إلى رغبة الطرفين في الوصول لحل سلمي لكن على قاعدة النفوذ والسيطرة، وامتلاك أكثر أوراق اللعب التي تمكن كل منهما من فرض رؤيته.

ولعل أمريكا لا تريد المواجهة، والدليل على ذلك هو الحديث عن تنسيق مع القيادة العسكرية الروسية قبل وأثناء وبعد صد الهجوم، لكن ترغب -كما سبق التوضيح- في أن يكون لها صوت مسموع، وتأثير لا محدود على مجريات الأمور، وصولا إلى الحل السلمي.

وربما تريد أمريكا أيضا الإطاحة برئيس النظام السوري بشار الأسد لاحقا وليس الآن، وهو ما اتضح من خلال مشروع الدستور الذي اقتُرح في جنيف قبل أسابيع، وتضمن استحداث منصب رئيس وزراء يتمتع بصلاحيات واسعة تُسحب من الرئيس.

ويمكن القول إن الهدف الأساسي لروسيا الوصول إلى حل سلمي من خلال التفاوض، واستخدام ما تحقق عسكريا لصياغة هذا الحل، بما يتماشى مع المصالح الروسية.

وحتى يحدث ذلك، فالأمور على المستوى السياسي والدبلوماسي في حالة شلل بعد أن فشل مؤتمر سوتشي بمساندة أمريكية لانسحاب وفد المعارضة، وكذلك عدم نجاح أمريكا في تحقيق تقدم عبر مفاوضات جنيف.