تغيير حجم الخط ع ع ع

العدسة – منصور عطية

من المتعارف عليه أن كبار الكتاب ونجوم المنافذ الإعلامية في الدول العربية “لا ينطقون عن الهوى”، خاصة عندما تتناول أقلامهم قضايا حساسة يكثر الجدل بشأنها، بل تنطلق كلماتهم بتوجيهات عليا مصدرها أروقة الحكم باختلاف وتنوع الأنظمة.

وعندما يتحدث كاتب بحجم السعودي عبدالرحمن الراشد، اتفق أو اختلف عليه الجميع، عن قضية التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي فإن الأمر يخرج عن كونه مجرد مقال رأي، إلى تعبير صريح وواضح عن توجه رسمي يتباه ولي العهد محمد بن سلمان.

عدو قديم وعدو جديد!

خلال الأيام الماضية أُثيرت موجة واسعة من الجدل بشأن سماح السلطات السعودية لشركة الطيران الهندية “إير إنديا” بالمرور عبر أجواء المملكة إلى الغرب والتوقف في مطارات الاحتلال الإسرائيلي.

المدير العام السابق لشبكة العربية ورئيس تحرير جريدة الشرق الأوسط الدولية الأسبق “عبدالرحمن الراشد” أدلى بدلوه في الجدل المثار بمقال في الشرق الأوسط، روّج بشكل مباشر للتطبيع مع إسرائيل، خلف ستار المصالح والعلاقات الدولية.

وفي مقاله المعنون “نسمح أو لا نسمح لطيران الهند؟!”، كتب: “لا يوجد دافع قوي، ولا منطق سياسي يحول دون منح الإذن لكل طيران العالم بعبور الأجواء السعودية، باستثناء طيران ثلاث دول هي إسرائيل وقطر وإيران، هذه الدول يفترض أن يستمر منع طيرانها حتى يحين الوقت ويتم التصالح معها”.

لكنه عاد وقال في فقرة أخرى: “علاقاتنا ببقية دول العالم جيدة، ويفترض أن يسمح لطيرانها المدني بالمرور في أجواء السعودية بغض النظر عن وجهة سفرها، فإذا كانت الرحلات الهندية ذاهبة إلى أثينا أو نيويورك أو غيرها من وجهات السفر، ورغبت في التوقف في مطار إسرائيلي، فلماذا نعاقبها بالمنع؟”.

وكان لافتا في المقال، ربط “الراشد” بين حالة الرفض الواسعة لطلب شركة الطيران الهندية باعتبارها تطبيعا مستترا مع الاحتلال، وبين الأزمة الخليجية والحصار الذي تفرضه السعودية بجانب الإمارات على قطر.

الكاتب، قال إن رغبة شركة الطيران الهندية “وجدت مساحة واسعة في إعلام «العدو» الحالي، حيث اتهم السعودية بأنها سمحت للهنود بالمرور إلى «العدو» القديم إسرائيل”.

وعلى الرغم مما يفهمه الجميع ضمنًا، بمقصد “الراشد” في الدولة الموصوفة بالعدو الحالي، إلا أنه لم يترك شيئا للاجتهاد، فقال: “.. وفي كل الحالات الخلاف مع إسرائيل واضح جدًا، ولا يفترض من دولة مثل قطر تملك علاقات شبه كاملة مع إسرائيل أن تملي علينا، من خلال أجهزتها الدعائية، كيف ندير أجواءنا أو مياهنا”.

توجيهات “بن سلمان”

كما سبق التوضيح، فإن الشخصية المشهورة التي تكتب مقالا في قضية حساسة توقيتها خطير، تثير التكهنات بشأن أن ما يروج له عبر مقاله، ليس إلا توجيهات عليا من صاحب القرار.

وفي تلك الحالة تتوفر جميع الشواهد التي تجعل من المنطقي التسليم بأن كلمات “الراشد” -على قلتها وعدم عمقها- تمثل ترجمة حرفية لتعليمات ولي العهد السعودي، وتعبيرا موجزا عن توجهات الأمير الشاب الذي يستعد للقفز على عرش البلاد في أقرب فرصة.

ويعزز من هذه الفرضية الرائجة، ما يقال بشأن الخصوصية التي تحكم علاقة “بن سلمان” و”الراشد”، وما يتمتع به الأخير من نفوذ قوي وقرب شديد من دائرة صنع القرار داخل القصر الملكي في الرياض.

المغرد السعودي الشهير “العهد الجديد”، الذي يوصف بقربه من دوائر صنع القرار في المملكة، وصف في مجموعة تغريدات عبر حسابه على تويتر، الديوان الملكي في السعودية بأنه “أفسد مؤسسات الدولة”، وأنه بات ساحة للصراع، تتنافس خلاله أجنحة متعددة بهدف واحد هو الحصول على أكبر قدر من الأموال والنفوذ.

وقسّم المغرد الصراع النامي في الديوان الملكي إلى 3 أجنحة أو “خطوط”، قال إن الخط الثاني منها، والذي أسماه “التغريبي”، يضم كلا من: “عبدالرحمن الراشد”، و”تركي الدخيل” مدير قناة العربية وأحد المقربين من “بن سلمان”، و”تركي الحمد” الإعلامي الليبرالي والمعين قبل أيام مستشارا بالديوان الملكي.

ولعل ما يجعل الحديث بشأن تعبير “الراشد” عن التوجه الرسمي للدولة مستساغا -بعيدا عن شخصية “الراشد”- حدثٌ بارز خلال الأيام الماضية تمثل في إلقاء السلطات السعودية القبض على الناشطة “نهى البلوي”، بعد نشرها فيديو تنتقد فيه التوجه نحو التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي.

وغرّد الناشطون عبر وسوم “#نهى_البلوي” و”#الحرية_لنهى_البلوي” و”#الحرية_لمعتقلي_الرأي” للحديث عن القضية، وكتبت هاجر، يوم الثلاثاء الموافق 23 يناير: “تم استدعاء رفيقة الدرب في سبيل الحرية والحقوق والدفاع عن حرية التعبير ومناصرة معتقلي الرأي الصديقة العظيمة #نهى_البلوي ولم تخرج حتى الآن”.

فلو كان التطبيع مجرما أو مرفوضا بشكل رسمي، وفق ما تعبر عنه المواقف المعلنة للمسؤولين، أليس الأحرى بالسعودية أن تعتقل “الراشد” وغيره من الصحفيين والكتاب المروجين للتطبيع، وتطلق سراح “البلوي”، أو تغلق موقع “إيلاف” الذي يطبع بكل وقاحة ويروج لقادة عسكريين إسرائيليين؟.

“الراشد” ليس المروج الأول

مقال “الراشد” جاء بعد أقل من أسبوعين على زيارة طلاب سعوديين مبتعثين في أمريكا للمتحف التذكاري للهولوكوست، في ذكرى المحرقة النازية لليهود، وهي الزيارة التي وثقتها الكاميرات وتم تداول الفيديو الخاص بها على نطاق واسع.

المثير أن “محمد عبدالكريم العيسى” أمين عام رابطة العالم الإسلامي، ووزير العدل السعودي السابق بعث برسالة تضامنية إلى مديرة المتحف التذكاري للهولوكوست “سارة بلومفيلد”، وصف فيها المحرقة بأنها “جريمة نازية هزت البشرية في العمق وأسفرت عن فظائع يعجز أي إنسان منصف ومحب للعدل والسلام أن يتجاهلها أو يستهين بها”.

على الفور تلقفت إسرائيل الرسالة بترحيب شديد، وقال الناطق باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية في تصريحات صحفية، إن بلاده “تعرب عن تقديرها العميق لمثل هذه التصريحات، من جانب فضيلة الشيخ محمد بن عبدالكريم العيسى”.

في السياق ذاته، احتفت صحيفة “هآرتس” العبرية بتعاطف وزير العدل السعودي السابق، واعتبرت أن هذا الموقف هو “ثمرة للحرب الشرسة التي يقودها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ضد التيار الديني”.

موقف “العيسى” سبقته شواهد أخرى على ترويجه للتطبيع على نفس المنوال الذي يتبعه “الراشد”، من بينها الحوار الذي أجرته صحيفة “معاريف” العبرية مع “العيسى” في نوفمبر الماضي، حيث وصف ضمنيا المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي بالإرهاب.

الصحيفة التي وصفت “العيسى” بأنه مقرب من ولي العهد السعودي، نقلت استعداده للاجتماع بكبير حاخامات اليهود في فرنسا والحوار معه في هذه المسائل، كما أنه منفتح للحوار مع كافة الأديان، بما فيها اليهودية، مؤكدا أن السعودية تقود “الإسلام المعتدل المسالم”، وهو ما يتماهى مع التصريح الذي أطلقه “بن سلمان” في أكتوبر الماضي، للتعبير عن قيادته للبلاد بقوله إن السعودية “ستعود إلى الإسلام المعتدل الوسطي المنفتح على العالم”.

محطة أخرى أكثر خطورة تثبت بلا شك أن التوجه الرسمي السعودي ينطلق إلى التطبيع مع إسرائيل، فبعد نحو 10 أيام من القرار الأمريكي باعتبار القدس عاصمة للاحتلال أطلق وزير الخارجية السعودي تصريحات جاءت وسط عاصفة هجومية غير مسبوقة على المستويين العربي والإسلامي شعبيًّا ورسميًّا ضد القرار، لكن الوزير تطوع للدفاع عنه بقوله: إن “إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جادة بشأن إحلال السلام بين الإسرائيليين والعرب”.

وبرغم نفيه وجود أي علاقات للمملكة مع إسرائيل، رغم أنها تشاركها القلق من نفوذ إيران بالمنطقة، إلا أن وزير الخارجية السعودي أكد أن لدى بلاده “خارطة طريق” لإقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل بعد اتفاق سلام مع الفلسطينيين.

وعلى مدار الأشهر الماضية، بدا من خلال عدة وقائع رصدها وحللها (العدسة)، أن السعودية تهرول حثيثة وبخطوات متسارعة نحو التطبيع الكامل مع الاحتلال الإسرائيلي.

وبعيدًا عن الشواهد غير الرسمية وتلك التي يكون أبطالها أشخاصًا ليسوا في منظومة الحكم أو يتمتعون بحيثية كبيرة، أكد مسؤول إسرائيلي (رفض الكشف عن اسمه) لوكالة الصحافة الفرنسية أن المسؤول السعودي الذي زار إسرائيل سرًّا في شهر سبتمبر الماضي، هو ولي العهد محمد بن سلمان.

وفي نوفمبر نشرت مجلة “فوين بوليسي” الأمريكية تقريرا، وصفت فيه ولي العهد السعودي بأنه “رجل إسرائيل في السعودية”، وقالت: إن “بن سلمان” عنصر “يمكن الاعتماد عليه في مشروع أمريكي إسرائيلي طويل الأمد لخلق شرق أوسط جديد”.