تغيير حجم الخط ع ع ع

 

بُعيد عزل الرئيس السوداني السابق، عمر البشير، بدأت محاكمته في بعض القضايا، التي تُعد قضية انقلاب 1989 من أبرزها. ففي 21 يوليو/ تموز 2020، بدأت أولى جلسات محاكمة البشير مع آخرين من نظام حكمه، باتهامات ينفونها بينها تدبير “انقلاب”، و”تقويض النظام الدستوري”. وتقدم محامون سودانيون في مايو/ أيار 2019، بعريضة قانونية إلى النائب العام بالخرطوم، ضد البشير ومساعديه، بنفس التهمة، وفي الشهر ذاته، فتحت النيابة تحقيقًا في البلاغ.

حيث إنه في 30 يونيو 1989، نفذ البشير “انقلابًا” عسكريًا على حكومة رئيس الوزراء الصادق المهدي، وتولى منصب رئيس مجلس قيادة ما عُرف بـ”ثورة الإنقاذ الوطني”، وخلال العام ذاته أصبح رئيسًا للسودان. وبعد تغير النظام – عقب عزل الجيش للبشير من الرئاسة في 11 أبريل/ نيسان 2019، بعد 3 عقود في الحكم، تحت وطأة احتجاجات شعبية منددة بتردي الوضع الاقتصادي- بدأت الحكومة الجديدة في محاسبة البشير مع بعض أركان حكمه.

ومن ضمن مَن يُحاكمون بهذه التهمة بجانب البشير، قيادات من حزب المؤتمر الشعبي، الذي يرجع تأسيسه إلى المفكر والسياسي الراحل حسن الترابي، منهم علي الحاج، وإبراهيم السنوسي، وعمر عبد المعروف، إضافة إلى قيادات النظام السابق، علي عثمان، ونافع علي نافع، وعوض الجاز، وأحمد محمد علي الفششوية.

استقالة قاضي المحاكمة

وعادة ما تشهد جلسات محاكمة البشير حالة من الجدل داخل أروقة المحاكم، وشد وجذب بين هيئة الدفاع عن البشير وهيئة الاتهام. وترتب على ذلك مؤخرًا، طلب القاضي، أحمد علي أحمد، رئيس محكمة “انقلاب 1989″، إعفاءه من متابعة القضية، ورفع الجلسة إلى 10 أغسطس/ آب المقبل إلى حين البت في طلبه. وفي حيثيات قراره ذكر القاضي المتنحي، أنه قرر رفع الجلسة لمدة أسبوعين لمنح رئيس القضاء المكلف عبد العزيز فتح الرحمن، وقتًا كافيًا للبت في طلب تنحيته من منصبه، فإن لم يستجب فسيعاود في الجلسة القادمة بعد أسبوعين مواصلة مهام عمله، وفقًا لما نقلته عنه وكالة الأنباء السودانية الرسمية.

وهذه ليست المرة الأولى التي يتنحى فيها قاضي محاكمة البشير، ففي 22 ديسمبر/ كانون الأول 2020، أعلن قاضي محاكمة البشير في قضية انقلاب 1989، عصام الدين محمد إبراهيم، تنحيه عن القضية لظروف صحية. الأمر الذي لاقى قبولًا لدى قطاعات من الإسلاميين السودانيين، حيث كتب حينها القيادي الإسلامي أمين حسن عمر، في تدوينة عبر صفحته على فيسبوك: “نجا الرجل بنفسه من كل قيل.. فالقضية لن تنتطح عنزان كونها قضية سياسية بامتياز”. مضيفًا: “كيف لمن شيَّد بنيان وثيقته (الدستورية) التي يحاكم بها على انقلاب على نظام حكم مُنتخب معترف به دوليًا وإقليميًا وعربيًا وإفريقيًا (في إشارة إلى قوى الحرية والتغيير “الائتلاف الحاكم”)، أن يحاكم أشخاصًا آخرين على التآمر على الدستور؟”

ولذلك، فإن القضية التي تعد الأهم في السودان حاليًا تواجه مأزقًا حقيقيًا ومنحى يصعب توقع مآلاته، بسبب التنحي المستمر للقضاة عن الاستمرار في العمل بهذه القضية.

مخالفات في المحاكمة

ومن قبل، تقدمت هيئة الاتهام بمذكرة إلى رئيس القضاء المكلف، تتعلق بإجراءات المحكمة، وما يحدث فيها من مخالفات، وبالتحديد في 27 يونيو/ حزيران الماضي. حيث احتوت مذكرة الاتهام كل تفاصيل المحاكمة، ورأت أن الصمت عما يحدث، أو المشاركة فيه، يرقى إلى درجة خيانة الشعب السوداني، الذي تمثله في هذه المحكمة، لذلك قررت الهيئة عدم حضور الجلسات إلى حين الفصل في طلبهم.

ومن جانبها، ترى هيئة الاتهام أن تنحي القاضي مؤخرًا جاء بناء على طلب قُدم له. حيث ذكر عضو هيئة الاتهام، والمتحدث باسمها معز حضرة، إن أحمد، قدم طلبًا لرئيس القضاء المكلف للتنحي عن القضية. وأضاف: “سبق أن خاطبنا رئيس القضاء فيما يتعلق بوجود مخالفات قانونية وإجرائية في المحكمة”. وأردف: “المحكمة ستستمر بقاض جديد حال قبول طلب تنحي القاضي الحالي، والسجن المؤبد سيكون مصير الرئيس المخلوع”.

وحول مستقبل المحاكمة في ظل حالة عدم الاستقرار التي تشهدها، قال عضو هيئة الاتهام المحامي طارق كانديك: “ستظل هذه المحاكمة تحت ولاية القضاء السوداني الذي حتمًا سيكلف قاضيًا جديدًا لمباشرة هذه الإجراءات رغم ما يكتنفها من مناوشات سياسية”. مضيفًا: “ستظل هذه المحاكمة مفتاحية لمحاكمة رموز النظام السابق على أول جريمة تم ارتكابها وهي تقويض النظام الشرعي في 1989”. وأردف كانديك: “أنا مطمئن بأن السلطة القضائية ستتعامل مع هذه المحاكمة بالمسؤولية اللاّزمة لجعلها تمضي إلى نهاياتها”.

محاكمة مشوهة وغير عادلة

لكن في المقابل، يرى رئيس هيئة الدفاع عن المتهمين في القضية، كمال عمر، أن القاضي انسحب إثر “ضغوط” تعرض لها من هيئة الاتهام. حيث قال: إن القاضي “طلب تنحيته بسبب طلب قدمته هيئة الاتهام في مواجهته طالبته فيه بالتنحي عن القضية”. وأوضح أن القاضي “اعتبر طلب تنحيته من قبل هيئة الاتهام طعنًا في حيادية القضاء وأنه سيتنحى عن البلاغ”. كما اعتبر أن القاضي “تعرض لضغوط من قبل محامي الحرية والتغيير، ولذلك نحن لن نقبل بأي قاضي خلفا للقاضي المذكور”. مؤكدًا أن “الأمر يمس حيادية القضاء”، ومشيرًا إلى أن “الحرية والتغيير يجري مشاورات بشأن ترشيحات لمنصب رئيس القضاء”.

ويرى محامي البشير أن “المحاكمة لا بد من تأجيلها حتى يكتمل البناء الديمقراطي، وتأتي حكومة ديمقراطية منتخبة تحاسب على كل الانقلابات العسكرية منذ الاستقلال في 1956”. ومؤخرًا يعتبر المحامي أن “مستقبل المحكمة في ظل التنحي المتكرر للقضاة، والمشاكسة بين هيئتي الاتهام والدفاع وتدخل خلية سياسية في مسألة الترشيح لرئاسة القضاء سيؤدي إلى محاكمة مشوهة تفتقر إلى عناصر المحاكمة العادلة”.

ولا يزال البشير حتى الآن في سجن “كوبر” المركزي شمالي الخرطوم، وسط مطالبات بتسلميه إلى المحكمة الجنائية الدولية بسبب قضية دارفور.