تغيير حجم الخط ع ع ع

ترجمة العدسة عن مقال للكاتب ديفيد هارست

 لم تنجح الحكومة المصرية حتى الآن في احتواء الأزمة الناتجة عن إغلاق قناة السويس بعد تعثر مرور إحدى السفن العالمية الثلاثاء الماضي، ليسلط هذا الفشل الذريع الضوء على التهديد الذي يشكله هذا النظام على التجارة الدولية واستقرار الاقتصاد العالمي.

 قبل ست سنوات تقريباً، تم افتتاح توسعة لقناة السويس بطول 35 كيلومتراً، امتلأت شوارع القاهرة بلافتات تعلن أن هذه القناة الجديدة “هدية مصر للعالم”، وصاحب مراسم الافتتاح جولة بحرية على متن يخت استقبل فيها عبد الفتاح السيسي عدد من الزعماء الأجانب، حيث كان يعتبر هذه التوسعة انتصاراً وطنياً ونقطة تحول بعد سنوات من عدم الاستقرار.

 التزمت الحكومة المصرية الصمت لمدة 26 ساعة متواصلة بعد إغلاق قناة السويس -بشكل غير رسمي- بسبب اصطدام سفينة حاويات طولها 400 متر بالضفة في أعقاب عاصفة ترابية يوم الثلاثاء، ما يشير إلى عدم قدرة النظام على التصرف السريع.

بدلاً من ذلك، أصدرت هيئة قناة السويس بياناً إعلامياً أعلنت فيه العبور الناجح لسفينة سياحية إيطالية أخرى.

 كان هناك تعتيم إعلامي واضح، ولم يبدأ الكذب بشكل جدي إلا يوم الأربعاء، حيث أشار أول بيان رسمي إلى أن الجهود “مستمرة لإعادة فتح القناة”، كما أرسلت هيئة الأوراق المالية والسلع رسالة ” تأكيد بأن الملاحة ستستمر كالمعتاد”، ولتعزيز ما جاء في هذه الرسالة، سمحت السلطة لقافلة من السفن بالدخول من الطرف الشمالي في بورسعيد في 24 مارس.

 طاحونة دعاية إيجابية

 حذرت الحكومة الصحفيين من تسليط الضوء على أي أنباء حول الحادث الذي يعتبر أخطر حادث حل بالقناة منذ الحرب العربية الإسرائيلية عام 1973.

لم يكن الصحفيون المصريون بحاجة إلى أي تنبيهات للانصياع إلى هذه الأوامر، فمن جهة هناك حملة قمع مستمرة ضد أي خط على غير هوى النظام، أما الصحفيين المؤيدين فقد قاموا بتشغيل مصنع دعاية إيجابية، احتفالاً ببيان هيئة الأوراق المالية والسلع وزعموا أن السفينة قد أعيد تعويمها، بل حاولوا إثبات ذلك من خلال الاستشهاد بصور الأقمار الصناعية، على الرغم من أن الصور نفسها لا تزال تُظهر السفينة ثابتة في مكانها.

 تم إخفاء حقيقة الأوضاع حتى عن الشاحنين الدوليين، ونقلت شركة الشحن التابعة لـ “وكالة الخليج مصر المحدودة” عن هيئة الأوراق المالية والسلع قولها إن سفينة الحاويات التي تقطعت بها السبل في القناة لأكثر من يوم أعيد تعويمها جزئياً وكانت تقف بجانب الضفة، مؤكدين أن الحركة ستستأنف قريباً.

 تم إرسال نفس القصة إلى Lloyd’s List، التي أبلغت عن استلام رسالة بريد إلكتروني من الشركة المصرية تم إرسالها إلى جمعية مالكي السفن الصينية: “ما زلنا ننتظر معلومات مؤكدة عن الوجهة… ستعود القوافل وحركة المرور إلى طبيعتها خلال وقت قصير جداً بمجرد سحب السفينة إلى موقع آخر.

 ورغم كافة تلك التأكيدات على احتواء الوضع، أعلنت هيئة الأوراق المالية والسلع -الخميس- بعد يومين من بدء الفوضى تعليق الملاحة رسمياً.

 إن الحكومة المصرية كاذبة متمرسة، إنها تكذب على شعبها كل يوم، وفي أوقات الأزمات تكذب أيضاً على المجتمع الدولي.

 عندما أسقطت طائرة ركاب روسية في عام 2015 بصاروخ تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بعد 23 دقيقة من رحلة من شرم الشيخ إلى سان بطرسبرغ، ألغت روسيا والمملكة المتحدة على الفور جميع الرحلات الجوية إلى المنتجع المطل على البحر الأحمر.

في تلك الآونة، أصدرت هيئة الطيران المدني المصرية تقريراً أولياً زعم أنه لا يوجد دليل على أن الطائرة قد أسقطت بسبب عمل إرهابي، وألقت باللائمة في تحطم الطائرة على عيب فني.

كان سبب عدم اعتراف الحكومة المصرية بالعمل الإرهابي واضحاً: شرم الشيخ جزء لا يتجزأ من صناعة السياحة في البلاد، استغرق الأمر أكثر من ثلاثة أشهر للاعتراف بأن الطائرة أُسقطت بصاروخ أطلقه تنظيم ولاية سيناء، التي بايعت تنظيم الدولة الإسلامية.

 درسان قاسيان

 من المتوقع أن يتم حل أزمة قناة السويس، لكن بالرغم من ذلك، فقد علمت هذه الحادثة للعالم درسين قاسيين: مدى أهمية القناة ومصر للشحن الدولي، ومدى كارثية الوضع وعدم كفاءة الحكومة المصرية لتحمل هذه المسؤولية.

 وبعبارة أخرى، فإن عدم كفاءة دكتاتورية السيسي ليست مجرد مسألة ذات اهتمام دولي بقضايا حقوق الإنسان وسيادة القانون وحسب، بل إن عدم كفاءة السيسي تهدد ممراً مائياً دولياً رئيسياً.

 الجدير بالذكر أن هذه الأزمة ستعزز أساليب دول الخليج المنتجة للنفط والغاز في استكشاف طرق أخرى لتجاوز القناة عن طريق نقل منتجاتها عبر إسرائيل.

لقد أدت صفقة التطبيع الإماراتي مع إسرائيل إلى موجة مد وجزر من العقود والمشاريع، كل هذه التغيرات تشكل تهديداً وجودياً لاحتكار مصر لهذه الحركة، سواء من خلال خط أنابيب مهمل منذ فترة طويلة بناه شاه إيران، أو كابل إنترنت جديد أو خط سكة حديد، أو حتى قناة عبر صحراء النقب – لا يمكن إعطاء حافز أكبر لإيجاد طرق لعدم الاعتماد على قناة السويس ومصر أكثر من رد الفعل المصري -السلبي- على حادثة بهذا الحجم.

 حكم السيسي الكارثي

 على المدى الطويل، هناك الآن خطراً واضحاً يهدد حكم السيسي، بالإضافة إلى كل القضايا الأخرى التي ورط فيها بلاده – دعم الجانب الخطأ في ليبيا، ومطاردة بشعة للإخوان المسلمين في الداخل والخارج – كان لدى السيسي حقًا أمران وجوديان يدعوان للقلق، ومن خلال تحليل فترة حكمه يمكن الجزم بأنه فشل في كليهما.

 الأول: قناة السويس، والثاني: هو الحفاظ على منسوب مياه النيل.

ضحك السيسي وسخر من رئيسه، الرئيس المصري السابق محمد مرسي، لإثارة مخاوف بشأن السد الذي كانت إثيوبيا تبنيه في عام 2012، ورتب لتسريب اجتماع خاص لإحراج الرئيس الذي تم الانقلاب عليه.

 كان هدف قيادة الجيش المصري هو أن القضية خطيرة للغاية بحيث يتعذر على مجرد رئيس من جماعة الإخوان المسلمين التعامل معها، لذلك تركوا القضية جانباً، ثم ضاعف السيسي خطأه بالتوقيع في اتفاقية مع إثيوبيا والسودان في عام 2015.

 كذلك، بدلاً من تركيز موارده الضئيلة على المسألتين المهمتين حقًا لمستقبل بلاده، أمضى السيسي كل وقته مهووسا بتحسين صورته من خلال تعيين جماعات ضغط دولية تعمل لحساب الحكومة المصرية.

 بحسب “ساسة بوست” دفعت حكومة السيسي 250 ألف دولار شهريًا لمجموعة غلوفر بارك للضغط على كبار أعضاء الكونغرس الذين عارضوا سياسات حكمه، مثل السناتور ليندسي غراهام والراحل جون ماكين، أفادت بعض المصادر لـ “ساسة بوست” أن غلوفر بارك أمضى عامين في العمل على غراهام حتى عكس منصبه، وبين عامي 2013 و 2019، دفع السيسي لهذه الشركة وحدها 13.25 مليون دولار – وهو سعر باهظ في سوق اللوبي في واشنطن.

 تبييض سجلات النظام

 ما هي المخاوف المسيطرة على مصر بعد تولي الإدارة الأمريكية الجديدة؟ تبييض صورة السيسي واستهداف اليمين الأمريكي وأنصار إسرائيل والتركيز على “الحقوق الدينية”، بعبارة أخرى، كل ما أنفقه السيسي كان يتعلق بتحسين صورته، لم يكن لأي منها أي علاقة بما يهم بلاده حقًا، لكن هذه هي أولويات السيسي الذي لم يتفوه بكلمة واحدة عن أزمة قناة السويس.

 أصبح من المألوف الآن أن نسمع أن مصر دولة فاشلة – دولة تخذل مواطنيها، دولة ذات موارد مستنفدة، واقتصاد ضعيف ينهبها الجيش المصري، مع مستويات متزايدة من الفقر تؤثر على عشرات الملايين من الناس.

 ومع ذلك لم يعترف المجتمع الدولي بعد أن السيسي لا يمثل خطراً على شعبه وبلده فحسب، بل على التجارة الدولية والاستقرار العالمي أيضاً، لكن ربما ستفعل سفينة كبيرة محشورة في مساحة ضيقة ذلك من أجلهم.

 للاطلاع على النص الأصلي من المصدر اضغط هنا

 اقرأ أيضًا: مهرجان “الكوميكس”: سفينة قناة السويس العالقة تثير موجة سخرية كبيرة على تويتر