تغيير حجم الخط ع ع ع

العدسة_ منذر العلي

كشف حساب تعهّد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بتقديمه خلال شهرين، يحوي ما قال إنها إنجازات تحققت على مدار أعوام فترته الرئاسية الأولى المنتهية العام المقبل.

وربط السيسي، في تصريحات على هامش ملتقى شباب العالم بشرم الشيخ، بين ما سيتضمنه كشف الحساب وبين ترشحه لفترة رئاسية ثانية؛ حيث أكَّد أنّ ردة فعل المصريين تجاه ما سيقدمه هي التي ستحدد قراره بالترشح من عدمه.

وقبل الخوض في تفاصيل ما سوف يحتويه كشف حساب السيسي من واقع حال مصر، لابدَّ من وقفة مع ردة فعل المصريين المتوقعة إزاء الكشف.

رد فعل المصريين

بدايةً لا يبدو السيسي آبهًا بردة فعل المصريين تجاه سياساته وقراراته الصعبة على مدار الأعوام الماضية، والدليل يظهر جليًا مع توجهات اقتصادية أفقرت المصريين وقرارات أثقلت كاهلهم، فضلًا عن قرارات أخرى سحقت الدولة أية نية للاحتجاج عليها مثل التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية.

فلو صدقنا بأنَّ السيسي ينتظر ردة فعل المصريين على كشف حسابه، لكان الأمر تغيّر من سنوات غابت فيها ردة الفعل على واقع ملموس يحياه المواطنون يوميًا.

العصا الأمنية الغليظة التي يلوح بها النظام دومًا، والخوف من المجهول، والخشية من دوامة العنف (مش أحسن منبقى زي سوريا والعراق)، تبدو في مجملها أبرز العوامل التي تدفع لترجيح أنَّ المصريين لن يكون لهم ردة فعل، كما أنَّ السيسي يدرك ذلك جيدًا فلا ينتظرها كما يقول.

كما يعتمد السيسي على نظرية “الصدمات” في التعامل مع الشعب، بحيثُ لا يكاد أن يفيق من صدمة رفع الدعم عن الوقود، إلا ويصطدم بزيادة أسعار المواد التموينية، وهكذا ليظل أسيرًا لصدمات متلاحقة لا يكاد فيها التقاط أنفاسه حتى وليس القيام برد الفعل.

ويضمن السيسي كذلك ولاء كافة أجهزة ومؤسسات الدولة لنظامه، من جيش وشرطة وقضاء وإعلام، الأمر الذي يمكنه من السيطرة على قناعات المواطنين وبالتالي التحكم في ردة الفعل المتوقعة إزاء أي قرار.

الاقتصاد.. للخلف در

إذا انتقلنا لكشف حساب السيسي المرتقب، فإننا سوف نصطدم بمجموعة من الحقائق بالأرقام التي لا تكذب ولا تتجمل.

الأزمة الاقتصادية التي سببتها مجموعة من القرارات التي تمس الحياة المعيشية للمواطن بشكل مباشر، تمثلت في زيادات متتالية على مدار سنوات لأسعار الوقود واستهلاك الكهرباء والمياه والمقررات التموينية، سبقت ولحقت تطبيق ضريبة القيمة المضافة وتعويم الجنيه، وهما القرارات اللذان انعكسا على موجة ارتفاعات غير مسبوق في أسعار جميع السلع والخدمات الأساسية.

وبحسب بيانات بنك كريدي سويس المتخصص في تقدير الثروات، فإنَّ مصر وُصفت بالدولة الأكثر تدميرًا للطبقى المتوسطة على مستوى العالم منذ بداية الألفية وحتى 2016.

وفي أبريل الماضي، كشفت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أنَّ معدل التضخم في البلاد سجل أعلى مستوى له منذ الحرب العالمية الثانية، مرتفعًا أكثر من 32%، وهو ما يعادل 3 أضعاف المعدل الذي كان عليه قبيل ثورة 25 يناير 2011.

وفي سبتمبر أعلن البنك المركزي ارتفاع حجم الدين الخارجي، بنهاية العام المالي المنتهي في يونيو 2017 بمقدار 23.2 مليار دولار بمعدل 41.6%، بعدأن زاد في نهاية يونيو 2016، بمقدار 7.7 مليار دولار بمعدل 16% ليصل إلى 55.8 مليار دولار.

أما الدين العام المحلي فقد وصل لأرقام قياسية، وفق بيانات البنك، حيث ارتفع مسجلًا 3.16 تريليون جنيه بنسبة 91.1% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية يونيو الماضي، بعد أن كان 2.61 تريليون جنيه بنهاية يونيو 2016.

مشروعات “الفنكوش”

ومن المؤكد أن السيسي سوف يعتمد في كشف حسابه المتوقع على مجموعة من المشروعات الضخمة التي يتباهى بها دومًا، ويحرص على ذكرها، إلا أنها في نهاية المطاف وبالأرقام الرسمية ليست سوى مشروعات وهمية.

وفق إحصاءات رسمية، وفي عام 2016 بأكمله، تراجعت إيرادات قناة السويس 3.3 % إلى 5 مليار دولار مقابل 5.175 مليار في 2015، رغم إنفاق أكثر من 8 مليارات جنيه على مشروع التفريعة الجديدة للقناة والحفل الأسطوري لافتتاحها، ووعود الفريق مهاب مميش رئيس هيئة القناة أن تصل أرباح القناة الجديدة إلى 100 مليار دولار سنويًا.

وكنموذج حديث على سبيل المثال لا الحصر، أظهرت البيانات الرسمية، انخفاض إيرادات مصر من القناة إلى 459.8 مليون دولار في أغسطس الماضي من 470.6 مليون في أغسطس السابق له (2016).

العاصمة الإدارية الجديدة “مفخرة” السيسي ونظامه، التي أكد أن ميزانية الدولة لا تتحمل إنشاءها تبدو في مقدمة ما يمكن أن يضمه كشف حساب الرئيس.

هذه العاصمة لم ير المصريون منها سوى الافتتاح الصاخب لفندق الماسة كابيتال التابع للقوات المسلحة بالتزامن مع ذكرى انتصارات حرب أكتوبر قبل شهر.

اللافت أن هذا الافتتاح حاول النظام به التغطية على “عورات” المشروع، ففي فبراير الماضي، انسحبت شركة صينية من المشروع بسبب تعذر التوصل إلى اتفاق مع الحكومة بشأن سعر بناء المنشآت الحكومية في العاصمة، لتلحق بشركة “كابيتال سيتي بارتنرز” الإماراتية.

ويظلّ المؤتمر الاقتصادي الذي انعقد في مارس 2015 بشرم الشيخ، شاهدًا على كشف إنتاج مؤكد أنه لن يسر السيسي، حيث أعلنت الحكومة رسميًا عن 37 مشروعًا بقيمة 40 مليار دولار، بينما روجت صحف السلطة إلى أنّ المؤتمر سيحقق مكاسب لمصر تقدر بـ 182 مليار دولار.

إلا أنَّ نفس الصحف عادت بعدها بنحو شهرين ونصف، للحديث عن 9 أسباب أدّت إلى فشل تنفيذ مشروعات المؤتمر الاقتصادي.

وعلى مدار أكثر من عامين احتفل الإعلام المصري بمشروع استصلاح المليون ونصف المليون فدان، لكن المفاجأة كانت في إعلان توقف المشروع أواخر 2016 لعدم توافر المياه الكافية له، رغم الدراسات المتعمقة من قبل الحكومة.

تقارير إعلامية، نقلت على لسان الدكتور سامح صقر رئيس قطاع المياه الجوفية في وزارة الري، بأنَّ المياه الجوفية المتاحة في مصر كلها لا تكفي إلا لزراعة 26 ‎%‎ فقط من إجمالي المشروع، أي ما يقرب من 390 ألف فدان، الأمر الذي انعكس على انسحاب بعض المستثمرين المشاركين في المشروع.

ملعب السياسة الخارجية

خارجيًا، فإنَّ كشف حساب السيسي قد يشمل بعض النقاط التي تُحسب له بينما سوف تتغافل عن نقاط أخرى تدهورت فيها مكانة مصر وتضاءل دورها التاريخي كثيرًا.

استعادة زمام الأمور في الملف الليبي سياسيًا وعسكريًا ومخابراتيًا، حتى ولو لم يتفق هذا مع تطلعات الليبيين أنفسهم أو ينحاز لطرف دون آخر، فإنه يُعد أحد النقاط التي يمكن أن يعتمد عليها السيسي.

عدا ليبيا، فإنَّ دور مصر الإقليمي والدولي تراجع كثيرًا في ظلّ سياسة خارجية هشة، أفرزت مجموعة من الأزمات الإقليمية الطاحنة.

جنوبًا، فإنَّ القاهرة تعاني الأمرّين مع قرب اكتمال سد النهضة الإثيوبي وتفعيل اتفاقية عنتيبي لتقاسم مياه النيل، بما يهدد حصتها التاريخية، على نحو لا تقابله القاهرة إلا بتصريحات نارية – كان أحدثها أمس الأربعاء- لا يمل فيها السيسي من ترديد عبارة أن مياه النيل مسألة حياة أو موت.

كما تعيش مصر أزمة غير مسبوقة تتعلق بالنزاع مع جارتها السودان على مثلث حلايب وشلاتين الحدودي.

من تلك الأزمة الحدودية تتفجر أخرى ربما تعد هي الأخطر في مسيرة السيسي حتى الآن، وهي التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، في اتفاقية ترسيم الحدود البحرية يونيو الماضي، تحديًا لأحكام القضاء المعززة بوثائق تثبت ملكية مصر للجزيرتين.

وتحولت القاهرة في الأزمات المحيطة بها إلى مجرد تابع، وليس أدلّ على ذلك من الأزمة الخليجية والثورة السورية وحرب اليمن.

حقوق الإنسان.. رئيس يتهرب وسلطة تنتهك!

حقوق الإنسان وكرامة المصريين، يعدّ إحدى الملفات الشائكة التي ينتظر أن يُرى كيف يتعامل معها السيسي في كشف حسابه.

الرئيس تهرّب مؤخرًا من الإجابة على تساؤل حول أوضاع حقوق الإنسان في مصر، ولجأ إلى القول بأن “مصر ليست أوروبا” والتطرق إلى قضايا أخرى ذات صلة، لكنها اعتبرت تهربًا.

إلا أنَّ هذا التهرب، الذي شهده مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون أكتوبر الماضي، أوقعه في أزمة أخرى على علاقة بكشف الحساب.

حيث اعترف السيسي نصًا، بأنَّ مصر ليس لديها تعليم أو إسكان أو صحة أو توظيف جيد، الأمر الذي ربما يقع معه في حيرة شديدة عندما ينبري في كتابة كشف حسابه المتعلق بتلك الجزئيات.

على الجانب الآخر، فإن انتهاكات قوات الجيش والشرطة لحقوق الإنسان باتت ظاهرة غير مستغربة في عهد السيسي، وتوثقها المنظمات الدولية قبل المحلية، إلا أنَّ السلطات تنفيها وتبرر بعض ما تسميه “التجاوزات” بالحرب على الإرهاب.

التنسيقية المصرية للحقوق والحريات، رصدت مقتل 2978 مواطنًا خارج إطار القانون، منذ الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد مرسي في يوليو 2013 وحتى يوليو 2016، وبحسب التقرير، فإن عام 2013 شهد مقتل 2466 (بينهم ضحايا فض اعتصامي رابعة العدوية ونهضة مصر)، وعام 2014 شهد مقتل 244، و2015 شهد مقتل 210، والنصف الأول من عام 2016 وصل عدد القتلى خارج إطار القانون 78 قتيلًا.

التنسيقية وثّقت أيضًا 2874 حالة اختفاء قسري لمواطنين خلال عام 2015، والنصف الأول من عام 2016.

ويبدو أن القاهرة ضاقت ذرعًا بالتقارير الحقوقية التي تتحدث عن انتهاكات، فعمدت إلى حجب موقع منظمة هيومان رايتس ووتش الأمريكية، في أعقاب التقرير الذي يوصف بالأقوى ضد السلطات منذ فترة.

التقرير قال نصًا إنّه “قد يرقى التعذيب الواسع النطاق والمنهجي من قبل قوات الأمن إلى جريمة ضد الإنسانية”.

الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، كشفت في تقريرها الصادر في سبتمبر 2016، أن عدد المسجونين السياسيين في السجون ومقار الاحتجاز وصل إلى نحو 60 ألفًا، فضلًا عن 49 ألفًا من الجنائيين، وأنَّ النظام شيّد منذ الإطاحة بمرسي 16 سجنًا جديدًا.

أما منظمة “هيومن رايتس مونيتور” فقالت: “بات التعذيب أسلوب مُمنهجًا وسياسة تتبعها السلطات المصرية، متمثلة في ذراعها الأمني (قوات الجيش، والشرطة المدنية)، باختلاف أطيافهم المجتمعية، بل وحتى باختلاف توجهاتهم، وهناك أشكال متعددة للتعذيب يتعرض لها المُعتقلون على يد أعضاء من جهاز أمن الدولة”.

التقرير الصادر في يوليو 2016 طالب بالتحقيق في مقتل ما يزيد عن 493 محتجزًا داخل السجون، نتيجة للتعذيب.