تغيير حجم الخط ع ع ع

 

مُنكمشة على نفسها، منزوية في أقصى غرفة العناية المركزة بمستشفى الحسينية في محافظة الشرقية، جلست الممرضة الشابة آية علي محمد، القرفصاء مُستسلمة أمام الأعداد غير المسبوقة من الحالات الطارئة التي وفدت على المستشفى الواقع في مناطق الأقاليم غير المكتظة بالسكان، ليترك الخيال الكارثي مفتوحا أمام تصور الحال في العاصمة التي يمر بها يوميا نحو 22 مليون إنسان.
السيسي يكذب على المصريين حول أزمة كورونا مجددًا

وضع كورونا في مصر كارثي، هكذا أدرك المصريون فجأة بعد انتشار صورة الممرضة، وصور أخرى لعشرات سيارات الإسعاف المتراصة فجأة أمام المساجد لصلوات الجنازات، وأصوات الميكروفونات التي تؤكد أن أغلب تلك الوفيات جاءت نتيجة لـ”أزمة صدرية” مفاجئة وغير معروفة الأعراض، بما يوحي ضمنيا أنه من المرجح جدا أن تكون مصابة بكوفيد 19.

أدرك الجميع تلك الكارثة، عدا عبد الفتاح السيسي الذي يؤكد في كل مناسبة أن مصر “معندهاش مشكلة خالص” مع فيروس كورونا، متحديا بذلك واقعا يعايشه ملايين المصريين يوميا، وتصريحات صحية دولية تؤكد انفجار الأوضاع في مصر، وتقارير منظمة الصحة التي تنشر بالأرقام حصيلة مفجعة للأعداد في مصر.

السيسي لم يتوقف فقط عن إنكار الواقع المؤسف لانتشار فيروس كورونا في البلاد، بل راح يؤكد انفراد التجربة المصرية في معالجة أجواء الوباء، مؤكدا في أكثر من مناسبة أن العالم كله منبهر بما أحدثته “التجربة المصرية” من إبهار في التعامل مع هذا الظرف الاستثنائي!

“العالم مندهش”

في تصريحات جديدة له بخصوص فيروس كورونا، قال السيسي، خلال ما قيل إنه افتتاح أحد المشروعات السمكية شرق البلاد أمس السبت، إن مصر من الدول التي ينظر إليها العالم باندهاش؛ لتعامُلها مع أزمة الفيروس، وأضاف: “لا تندهشوا، كلها جنود الله سبحانه وتعالى، وربنا لا يسلط علينا جنوده”، في إشارة إلى الفيروس.
السيسي: لم أكذب في حياتي ولم أكن طامعًا في الرئاسة في 2013 - أخباركل يوم

تصريحات السيسي، عن كورونا تتشابه مع تصريحات سابقة في مؤتمر مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يوم السابع من ديسمبر الماضي، قال فيها إن مصر لديها معدلات جيدة بخصوص إصابات كورونا، ووجَّه حديثه للسياح بالقول: “بأقول للسياح في شرم الشيخ والمنتجعات المصرية: ما تقلقوش”، على حد قوله.

وأشار السيسي في المؤتمر ذاته مع ماكرون، إلى أن الدولة المصرية تشهد معدلات معقولة جداً في الإصابات بفيروس كورونا قياساً بالعالم، سواء في الموجة الأولى أو الثانية، “وفي المقاصد السياحية مثل شرم الشيخ والغردقة، الإصابات منعدمة في ما يخص فيروس كورونا”.

الواقع مؤسف

وعلى الرغم من تصريحات السيسي بخصوص كورونا، فإن مستشفيات مصر كثيراً ما تشهد بين الفترة والأخرى، شكاوى كثيرة، بسبب نقص الأكسجين في عنابر الحجز الصحي لمرضى كورونا، وكان آخرها ما حدث في مستشفى الحسينية بمحافظة الشرقية شمال مصر، حيث تعرض المستشفى لنقص كبير في أنابيب الأكسجين؛ ما تسبب في وفاة 4 مرضى بكورونا، وأثار بلبلة كبيرة في الشارع المصري.

وفي الوقت نفسه، ورغم الأعداد غير المنطقية التي تعلن عنها مصر كعدد إصابات مواطنيها اليومي بكورونا، فإن الأيام القليلة الماضية شهدت ارتفاع أعداد الإصابات وفقاً لبيانات الحكومة، من المئات لتقفز إلى ما فوق الألف للمرة الأولى منذ شهور.
مستشفى الحسينية: التحقيق مع مصور فيديو العناية المركزة في مصر ومدير مستشفى  استغاث بالأهالي لتوفير الأكسجين - BBC News عربي

حيث أعلنت مصر تسجيل 1022 إصابة جديدة بفيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، خلال آخر 24 ساعة. وأفادت وزارة الصحة المصرية، في بيان على صفحتها الرسمية بموقع “فيسبوك”، بتسجيل 59 حالة وفاة و1022 إصابة بالفيروس، فضلاً عن 760 متعافياً. كما أوضحت الوزارة أن إجمالي الإصابات ارتفع إلى 153 ألفاً و741، بينها 8 آلاف و421 وفاة، و121 ألفاً و72 حالة تعافٍ.

التجاهل أسلوب نظام

تصريحات السيسي لم تتوقف عند تعامل الدولة المصرية مع كورونا، لكنه أشار أيضاً في المؤتمر نفسه إلى أن الدولة تسعى إلى تطوير 1500 قرية على مستوى البلاد، وأضاف أن “تطوير القرى لا يتوقف على هيئة المجتمعات العمرانية أو وزارة الكهرباء فقط، ونحتاج حشد كل الطاقة وليس فقط المجتمع المدني أو الحكومة ولكن نحتاج المواطنين أيضاً”.

كما أشار إلى أن “القرى التي سوف نعمل فيها سيكون لها شكل تاني خالص.. توفير الصرف الصحي بشكل كامل.. وشبكة طرق كاملة.. وبقدر الإمكان ووفق متطلبات الناس.. المحاور والطرق الرئيسية داخل القرى أو التي ترتبط ببعضها، سوف يتم رصفها بشكل كامل.. وتطوير مياه الشرب.. كل المنشآت الحكومية.. مع كافة الخدمات الأخرى”، مؤكدًا أن الريف سيتغير شكله خلال 3 سنوات بشكل كبير، حيث ستصبح مصر دولة ثانية تماماً، على حد قوله.

وبشكل عام، لم يعد خافيا على المتابع للشأن المصري أن السيسي لم يُخرج من لسانه تصريحا صادقا مع المصريين حول الأوضاع التي يواجهونها بالفعل، حتى عندما دعاهم إلى أنهم “ميسمعوش كلام حد غيره”، وأنه “فيلسوف العالم”، لأنه “أنا عمري ما كذبت، حتى في السياسة.. أبدًا”.