تغيير حجم الخط ع ع ع

 

وسط مظاهر بذخ غير عادية يقوم بها عبد الفتاح السيسي، انطلقت في 10 يناير/كانون الثاني 2022 بمدينة شرم الشيخ، فعاليات “منتدى شباب العالم” في نسخته الرابعة، بمشاركة 196 دولة.

ويأتي المنتدى قبل 15 يومًا من ذكرى “ثورة غضب” المصريين على فساد نظام حسني مبارك (1981-2011)، في خطوة استفزازية جديدة من السيسي لاقت انتقادات لاذعة.

غضب مصريون بشدة واستنكروا البذخ في استضافة شباب من حول العالم لتلميع صورة النظام، بينما في الواقع يقال للشباب: “مفيش بطاقة تموين لمن يتزوج”.

الإعلامي حافظ الميرازي انتقد بذخ عقد المؤتمر متسائلًا: “على حساب من؟ نفقات سفر وإقامة وضيافة 5 آلاف شاب وشابة من أكثر من 190 دولة، بفنادق ومطاعم شرم الشيخ لحضور منتدى شباب العالم 2022؟”.

واعتبر في تغريدة عبر حسابه على “تويتر” في 8 يناير/كانون الثاني 2022، ما يجرى “دعاية رائعة لو المال العام يسمح، وليس على حساب ميزانية دعم سلع غذائية كرغيف العيش لسنة 2022”.

كثيرون انتقدوا استضافة السيسي آلاف الشباب الأجنبي في فنادق خمسة نجوم، وإعطاءهم تذاكر طيران مجانية، ومصروفًا بالدولار، والأكل والشرب على حساب مصر، لـ”يحكي لهم ما عمله في شباب البلد”، وقوله لهم: “مفيش بطاقة تموين لمن يتزوج؟”

وسخروا من الدعاية الضخمة للمنتدى، الذي يعود هذا العام بعد تأجيل نسخة عام 2021، بسبب جائحة كورونا، وما يتردد عن “فتح آفاق حوار بين شباب مصر والعالم”، و”طرح أصحاب الحلم رؤيتهم”، “بينما لا يجد المصريون من يسمعهم لكن هناك من يعتقلهم”.

وتساءل شبان مصريون عبر مواقع التواصل بنوع من المرارة: “هو مؤتمر الشباب ده يعمل كام رغيف؟ يعمل كام بطاقة تموين يا فقرا قوى؟”.

وتزامن المؤتمر مع نشر “مشروع الديمقراطية للشرق الأوسط” (بوميد) تقريرًا للكاتب روبرت سبرينغبورغ بعنوان: “إذا كنت تريد معرفة حال مصر في عهد السيسي تتبع الشؤون المالية”، يرصد فيه مظاهر البذخ مقابل فقر الشعب.

التقرير الصادر في 7 يناير/كانون الثاني 2022 أكد أن “مصر في عهد السيسي أصبحت دولة متسولة، يعتمد اقتصادها أكثر من أي وقت مضى على الدعم الأجنبي، وخاصة القروض”.

ولفت إلى أن “السيسي يدير السياسة الاقتصادية كما لو كانت دولة غنية بالنفط، مثل السعودية أو دولة تجارية ناجحة مثل الصين، رغم أن مصر ليست كذلك”.

وشدد التقرير على أن “شهية النظام المالية هائلة، لكنها موجهة للكماليات التي تمتص الجزء الأكبر من إيرادات الدولة، وليست الضروريات الأساسية التي يحتاجها العدد الأكبر من السكان”. 

وقال سبرينغبورغ إن “السيسي، الذي وصل إلى السلطة عبر انقلاب عسكري، يعتمد على المشاريع الضخمة وشراء الأسلحة لتعزيز شرعيته”.

لكن لسد ثمن هذا الإسراف، تضغط حكومته على المصريين بتخفيض الدعم وزيادة الضرائب ورسوم الخدمات العامة. ويحدث ذلك في وقت يعاني فيه المصريون من ركود الأجور وارتفاع الأسعار وبطالة مرتفعة، حيث يعيش حوالي 30 مليون مواطن على دخل يقل عن 3.20 دولار في اليوم.

كما يضيق النظام أيضًا على القطاع الخاص، من خلال استحواذ الجيش على العديد من الشركات الخاصة المربحة.

وأكد تقرير “مشروع الديمقراطية للشرق الأوسط” أن “مصر السيسي تعتمد بشكل متزايد على الديون الأجنبية للحفاظ على الاقتصاد، لذا تضاعف إجمالي الدين القومي ليبلغ 370 مليار دولار، وهو ما يزيد أربع مرات عن عام 2010”.

ويستهلك سداد الدين المحلي والأجنبي أكثر من ثلث ميزانية مصر، أي أكثر من ضعف هذا المبلغ في عام 2009.

وشدد على أن “العواقب ستكون مدمرة، وقد تشهد مصر نموذجًا أسوأ من الانهيار الاقتصادي في لبنان”.

وينصح الكاتب سبرينغبورغ أصدقاء مصر أن يجبروها على خطوات تصحيحية “قبل حدوث الانهيار، بدلًا من الاستمرار في انغماسهم في دعم نظام السيسي المرشح للانهيار”.

ويعترف البنك المركزي المصري بتزايد الديون ويؤكد أن القاهرة تخطط لخفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى أقل من 90 بالمئة في العام المالي 2023/2022، مع خطة لخفضها إلى 82.5 بالمئة بنهاية يونيو/حزيران 2025. وقال في بيانات متفرقة، إنه يخطط أن تنخفض فاتورة خدمة الدين إلى 30 بالمئة من إجمالي الإنفاق الحكومي في العام المالي المقبل، مقارنة بـ31.5 بالمئة في العام المالي الجاري.

تثار كل عام مسألة تكاليف مؤتمرات الشباب التي يحرص السيسي على عقدها ليخطب فيها، مقابل عدم وجود عائد من ورائها سوى البروباغندا السياسية. وفي كل مرة يندلع “نقاش إلكتروني” بين مؤيدين ومعارضين حول هذا البذخ ومن يتحمله؟

وتكرر نفس النقاش هذا العام على مواقع التواصل مجددًا، في ظل غياب الأحزاب واعتقال وسجن النشطاء والمؤثرين، وأثارت نفقات المؤتمر غضبًا على مواقع التواصل بسبب البذخ والترفيه، رغم سرية التكاليف.

حرصت المواقع الخاصة بالمؤتمر، والتي أعلنت عن استضافته، في بند التمويل على تأكيد أن “التغطية المالية ممولة بالكامل من مصر”، وأنه مؤمن تمامًا من قبل قوات الأمن وكاميرات مراقبة تغطي شرم الشيخ بالكامل.

ووصل البذخ للإعلان عن “روبوت” يوزع الأطعمة والمشروبات على الحضور، وتوزيع “لاب توب” على الحاضرين، وتصميم كل أبواب المؤتمر الخاصة بقاعات وجلسات ووسائل الانتقال بالمنتدى بحيث تكون “ذاتية التعقيم”.

وأيضا توفير فريق طبي ضخم ومزود بإمكانيات متخصصة لفحص ومتابعة أي حالة يتم الشك في إصابتها بأي أعراض، في وقت تتزايد فيه أرقام إصابات كورونا وتؤكد تقارير أن حكومة النظام “لا تعلن الحقيقة”. 

ونقل موقع “مدى مصر” في 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2020 عن مصدر دبلوماسي، تفسيره لغز انخفاض إصابات كورونا في مصر، إنه بسبب “رغبة السلطات الحفاظ على صورة وضع آمن لاجتذاب المزيد من الاستثمارات والسياحة”.

وردت لجان السيسي الإعلامية، وضمنهم الكويتية رغدة السعيد، عارضة أسماء شركات تكفلت بنفقات المؤتمر، زاعمة أن “الدولة لا تتحمل أي مصاريف”، وهو نفس ما يقال كل عام.

وأكدت صحف مصرية أن قائمة الرعاة الرسميين للمنتدى تشمل نخبة كبيرة من المؤسسات المحلية والعالمية المتنوعة بين المنظمات الدولية، والشركات الاستثمارية والبنوك والوزارات والجامعات.

وأضافت أن الرعاة يتكفلون بتغطية ميزانية جميع أحداث وفعاليات المنتدى بالكامل، لعدم المساس بالموازنة العامة للدولة المصرية، حيث تأتي مصروفات المنتدى كافة من خارج الموازنة العامة ولا تحملها أية أعباء. 

كما أنها أشارت إلى تبرع إدارة المنتدى بمبلغ 50 مليون جنيه مصري (ثلاثة ملايين دولار) “من فائض ميزانيتها هذا العام” لدعم وتمويل مختلف المبادرات التنموية.

ما أثار سخرية المصريين والحقوقيين أيضًا، هو أن إدارة المنتدى تنظم نموذج محاكاة مجلس حقوق الإنسان الدولي التابع لمنظمة الأمم المتحدة، طالب خمسة آلاف شاب المشاركة فيه، رغم أن هذا المجلس يصدر تقارير تنتقد حقوق الإنسان في مصر.

ويروج المنتدى لحقوق الإنسان، وفق المفهوم الرسمي للنظام المصري، الذي يستبعد الحريات ويتحدث عن “الفنون والثقافة” أو بناء الطرق، كجزء من التنمية وحق من حقوق الإنسان، كما تشير أوراق المؤتمر.

وأيضًا ضمن موضوعات المناقشة طرح مبادرة حياة كريمة كمثال مصري لمبادرة تنموية، قيل إنها “حصلت على العديد من الإشادات العالمية”، رغم أن المصريين لا يعرفون عنها شيئًا.

وهدف المبادرة المعلن هو التخفيف عن كاهل المواطنين بالمجتمعات الأكثر احتياجا في الريف والمناطق العشوائية، بينما في الحقيقة يشكو المصريون من زيادة تحميل الحكومة أعباء على كاهلهم، برفع الأسعار والخدمات وإلغاء الدعم.

ويطرح المنتدى أزمة ندرة المياه وطرق حلها، ودور الشباب في مواجهة هذا النوع من الأزمات، فيما تعاني مصر من أزمة مياه طاحنة بسبب سوء إدارة نظام السيسي لأزمة سد النهضة.

وتم اختيار محور المنتدى ليكون حول كورونا والعالم ما بعد الجائحة، ودور الرعاية الصحية حول العالم، ومستقبل الطاقة والتغيرات المناخية، خاصة أن مصر تعتزم احتضان قمة “المناخ الـ27″، وفقا لـ”الموقع الرسمي للمنتدى”.

ومن المفارقات دعوة كبار السن من قادة الدول للحضور والمشاركة في مؤتمر شباب العالم، بينهم الرئيس الفلسطيني محمود عباس، بينما جرى تجاهل أوائل الخريجين الذين دشنوا هاشتاج “#نحن_أوائل_عاطلين”، يطالبون من خلاله  المؤتمر بالنظر إليهم.

وعلى غير المعتاد، تم إشراك “مرصد الأزهر لمكافحة التطرف” للمرة الأولى في منتدى شباب العالم بغرض الحديث عن “التطرف”، وعرض 30 كتابًا حول جهود المرصد في هذا المجال.

رغم أن فكرة “منتدى شباب العالم”، هي من بنات أفكار السيسي، استكمالًا لفكرة مؤتمرات الشباب المحلية، تزعم هيئة الاستعلامات التابعة للرئاسة أنه “منصة تفاعلية أنشأها مجموعة من الشباب الواعدين لإيصال رسالة سلام وازدهار وانسجام إلى العالم”.

ومثلما هناك إصرار على استضافة أنصار السيسي فقط دون باقي شباب مصر الذين يشكلون غالبية المعتقلين الـ60 ألف في السجون، ما يعني أنها مؤتمرات “بلا قيمة سياسية فعلية”، كما يجرى استضافة شباب بالتبادل من دول مؤيدة.

وتقول هيئة استعلامات النظام السيسي إن المنتدى “يُشرك الشباب من جميع أنحاء العالم، ويسمح لهم بالتعبير عن آرائهم والخروج بتوصيات ومبادرات، بحضور قادة العالم وصناع القرار البارزين والمثقفين والشخصيات المؤثرة”.

لكن شبان حضروا مؤتمرات سابقة أكدوا أنه “من يتم دعوتهم من الدول المختلفة، هم ممن لهم صلة بالترويج لنظام الحكم المصري في الخارج، أو ترشحهم أنظمتهم بالتبادل مع مصر ليشاركوا في المناقشات ويثنوا على نظام السيسي”. وأشاروا إلى أن “من يتحدثون عن حقوق الإنسان في مصر أو يناقشون قضايا تتعلق بنظام الحكم يجرى استبعادهم”.

الشاب السوري المقيم في أميركا، ريمي حسون، من المدعوين للمنتدى، كتب قائلًا إنها “فرصة كان يحلم بها لزيارة مصر والنزول في أفخم فنادقها مجانًا، لكنه أعلن أنه يكره السيسي، ويطالب بإطلاق سراح المعتقلين”، فهاجمته لجان السيسي وتوعدته، فعدل عن قبول الدعوة.

ولا يوجد منتج مفيد للمصريين من وراء عقد هذه المنتديات، سوى ما يعلن من عدد الجلسات وساعات العمل وحلقات النقاش والموائد المستديرة وورش العمل.

وفي المنتدى الأول خلال نوفمبر/تشرين الثاني 2017، في شرم الشيخ قيل إن الحصاد 222 متحدثًا من 64 دولة من ذوي الخبرة في مختلف المجالات، عبر 46 جلسة وأكثر من 70 ساعة عمل. 

وفي المنتدى الثاني بشرم الشيخ من 3 إلى 6 نوفمبر/تشرين الثاني 2018، جرى التأكيد على “دوره كمنصة للشباب للتعبير عن آرائهم حول التحديات العالمية التي تواجه عالمنا اليوم من منظور الشباب”، دون فائدة فعلية للمصريين.

وتكرر الأمر في المنتدى الثالث من 14 إلى 17 ديسمبر/كانون الأول 2019، بمناقشة قضايا ضخمة، مثل الثورة الصناعية الرابعة والأمن الغذائي، والاتحاد من أجل المتوسط ​​والتحديات البيئية والذكاء الاصطناعي، “دون أي مردود إيجابي” يعود على شباب مصر.