تغيير حجم الخط ع ع ع

بين جدرانٍ تُشبهُ المقابرَ من زَاويةٍ داخِليةٍ لا يُبصرُها إلا الموْتى، كَمَرايا مُشقَّقة تعكس صورة الجثث المدفونة بين زواياها وأبعادها، مصدعةٍ كعظام سكانِّها المجبورين قَهراً على أن يتنفسُوا اللاهواء فيها وأن يشربوا الظمَأ من كأسها المُرة.
بين هؤلاء المقبورين أحياءً والمقتولين صَمْتاً والمَكتومين صَوْتاً؛ آلافٌ من الحكايات المضطَّربة في قَصَبةِ البركان الذي يسدُّون فُوّهتَه بشغَافِ قُلوبهم، ويُخمدون حِمَمَهُ بِبُرودٍ ينخر في جلودهم التي أماتتها حوادث الدهر ونوائب القهر.
هُنا حيث الجميع لا يرَى بعضُهم إلا بعضَا، في عالمٍ مُوازٍ لا يَعرف عنه الآخَرون إلا كما يعرف المُلحدُ عن الإيمان بالله أو مثلما يَسمع الأَصَمُّ من الضّجيج!.
هنا حيث يعيش المَكلومون في أقدارٍ تُشبِه أَسِرَّةَ الإنْعاش، ورفاقُ المَرَضِ كأَجْهزةٍ مثبَّتَةٍ عَلى كُل شبرٍ في الجسد المسكين الهامد، والإيمانُ بالقضاءِ هو الصدمة الكَهربية الّتي لابُدَّ منها بعد كل انهيارٍ وقبل كل احتضارٍ لتَرُدَّ إليه الحياةَ من جديد. كُل المسعفون وطواقم التمريض مُتواطئون، ولا طبيبَ للجرحَى جميعاً إلا الله!.

أتى إليَّ وفي يديه أوراقٌ وقلمٌ وقد بدوتُ لدُرَرٍه السَّوْداءِ صائغاً كأنه وجدَ ضالّته؛ فقصَدني يريدُ تشكيلَ معادنِه لتكُونَ مَحفوظةً في عِقْدٍ واحدٍ يجمعُها ويقوى على حملها الثقيل دون تَفَلُّتٍ للمعاني أو تَفَتُّتٍ للمبانِي.
لكن كانت تلك هي المرةَ الأُولَى الّتي أكره فيها الصياغةَ والكتابةَ والكلام!.
كنت أتَهرَّبُ منه كُلَّما دَنا، وأغيبُ عَنهُ كلما بَان وبَدا، وأخالف أوقات يقظته بنومي المتصنع؛ هَارباً من قَدَرٍ جمعني به في كابوس واحد، ويَظهرُ من وراء براءته شبحٌ يختزل المشهد في هيئته المؤلمة.
ولكن.. لا فرار من عذابٍ تستعذبُه فداءً للقلمِ الذي ائتُمِنْتَ عليه والسيفِ الذي وُرِّثْتَه؛ فأعتدلَ من نومَتي الكاذبة لأقولَ لَهُ: “لا بأس، احكِ لي يا أخِي” وفي مُخيّلتي صوتٌ ينشدُ باكِيَاً “أوجعيني يا جراحي أوجعيني”.
لم يُكَذِّبْ خَبَرَاً، ولم يستَغرِقْ لحظةً قبل أن تنطلق شَفَتاهُ في حركةٍ منتظمةٍ مرتبةٍ يتخلَلُها لسانُه في مشهدٍ محفوظٍ ومنسَّقٍ يُحاولُ فيه بقدرِ الإمكانِ أن لا يَخرُجَ عن دورِه التمثيليّ إلَى حقيقة نفسه التي بين جنبَيه، ومَا يدور فيها من اختلاجات.. لو ترك لها العَنانَ لأغرقني بطوفانٍ من البُكَاءِ لا مَنجَى مِنه.

” .. اصطَحبونِي ككلبٍ ضالٍّ يجُرُّهُ أطفالٌ مُشَرَّدون أوْ إنْ شئتَ قُل: كطفلٍ مُشرَّدٍ تُجُرُّه كلابٌ ضالّة. أبرَحوني ضرباً حتى أَدخَلوني سيارةً لهم، جَرّدوني فيها من كُل ملابِسِي الّتي كَبلوا قدميَّ ويديَّ بخِرقاتٍ منها، عصَبوا عيني وكمّمُوا شدقي بسِروالي الداخليّ؛ حتي أصبحتُ في أرضِيةِ السّيارة بَين أقدَامِهم كيَومِ ولدتْني أمي، تتقاذفني لَكماتُهم مثل فُولةٍ تتقلب بين الجمراتِ فيِ كلِّ اتجاه. ”
– كَان بين كل جملةٍ يحكيها وعبارةِ يُلقيها، نظرةُ وهنٍ صادقةٍ تتخللُ مسرحَ الحكاية مُتَسَللةً من بين كلِّ المَشاهدِ المُصْطَنَعَةِ، تَحكِي ما لا يُحْكَى وتُبدي ما لا يُظهِر وتُفسِّرُ ما لا يُفسَّر. سُرعانَ ما يُخفيها في مُحاولةٍ لضبط الإيقاعِ مُجدَّدَاً، وأنا أُراقبُ في صمتٍ تامٍّ.

” … كسروا ذراعِي وعلّقوني منْه خمسةَ أيامٍ مُتواصِلة، صَعقوني في أَعضائِي التّناسُلية حتى تَفَجَّر الدّمُ منها، صَلبوني عارياً على باب مكْتب التّحقيق، رَكلوني بَأقدامِهم عدد ما رَكل لاعبو الكُرةِ الكُرَةَ مُنذُ أَنْ نشأت اللُّعبة، سبُّوني بأقذَعِ الشَّتائِمِ وكانت هَيّنةً عَليَّ إلا عِندمَا سَبَّني أَحدُهم بأُمّي.. حينها لم أُطِقْ السكوتَ؛ فرددتُ عليه بمثلها.
فكانَ المشهدُ التالي لموقفي أفظعَ من أن أحكيَه؛ معذرةً.. كَان لا يعرفُ الله وكنتُ بين يَدَيْهِ عَارِيَاً!.”

– حِينَها قَرأتُ كلَّ شيءٍ في نظراته الواجمةِ الساهمةِ في صمتٍ خيَّم على كِلينا لثوانٍ مَرَّتْ كأنها الدهر كله!.

” كان العَسَاكرُ يُجبروننا على السّجودِ لقَادَتِهم ولَعْقِ بياداتهم وَلَثْم أقدامِهم، ولا يَجرؤ أحدُنا على أن يَتبَاطَأَ في تنفيذ الأوامر، هُناك عَرَفتُ أن الصَّعق بالكهرباء هو أقسَى ألمٍ يتجرعُه إنسانٌ على وجه الأرض، وكان أن يَبُولَ المُّحققُ عَلَى وَجْهِ الضّحيةِ أقذرَ دَقيقةٍ مِن المُمكن أن يعيشَها أو يموتَها العاجزُ في آنٍ واحدٍ.”
“تم كَيّي بالنَّارِ مُباشرةً في قدَمي وظَهري وبَطني حَتَّى تَسَاقَطَتْ قِطَعٌ من الجلد وبرز اللحم، ولا علاج ولا طبيب ولا مستشفى؛ فقد كان المكانُ “سلخانةً” وكنا ذبائحَ يُقدمها الجنودُ قرابينَ لاسترضاء آلِهتهم!.
على سبيل ذكر الآلهة.. “لا إله إلا الله” كانت جُرماً يَستحقُ الحَبس الانفراديَّ “وابقى هات الله يخرجك منُّه!” حسب قولهم. ”

“لم يكن مسمُوحاً بالحَمامِ إلا مَرة واحدةً كلَّ أُسبوعٍ، وبقيّةُ الأيّام عليك أن ترجع طِفلاً لا يبالي بأن يبولَ على نفسِه. كان الاستحمامُ كَرهاً بشكلٍ جماعيٍّ إذ يأتُون بنا جَميعاً مَعصُوبين ومكبَّلينَ وعُرَاةً في فضاءِ السّجن ثم يتم إغراقنا بالمياهِ المخلُوطة بالكلورِ من خِلال خرطومِ إطفاءِ الحَرائقِ شديد الدفعْ. المأسَاةُ لم تكن في طريقة الاستحمِام، وإنَّما في أنَّ هذا كَان يحدث في الثانية بعد منتصف الليلِ من لياليِ ديسمبر!”
“كان من عاداتهِم اليومية أن يخرجونَا جَلداً بـ”الكرابيج” والهراوات والآلات الحادة ثم يأمروننا بالانبطاحِ على بُطوننا العاريةِ وبدفنِ وجوهنا في الترابِ، ثم يَبدؤون بالتراقُصِ فوق ظُهورنا وضحكاتُهم تمتَزجُ بصرخَاتِنا، وللجَلاد في اختلاطِ الضّجيجِ لَذَّتان: قَهْقَهَتُهُ.. وصُرَاخُنا!.”

“ظللتُ سبعةَ أشْهُرٍ في زِنزانةٍ انْفراديةٍ لا أعْرِفُ عن العالَمِ سِوى المِتر الواحدِ الذي أعيشُ فيه مَعزُولاً عن كل شَيء، تُرمَى إليَّ قطعةٌ جافَّةٌ من خُبزٍ عَفِنٍ كُلَّ صَباح لتزيدَ جُوعي جُوعاً، وتؤخَذُ العُلبة التي أقضي فيها حاجَتي كل ثلاثة أيامٍ لتعودَ فارغَة، ولا مُؤنِسَ لي إلا آياتٌ من القرآنِ أحفظُها عَن ظهر قلبٍ لم تستَطِعْ سِياطُهم أن تقتلعَها من صَدري كَما استَطَاعَت أن تقتلعَ جِلدِي من ظَهرِي.
كِان التفكيرُ في طَيفِ أُمّي قاتِلاً، أمّي التي فَقَدَتْ ابنَها شَهيداً مُنذُ عَامَين وهَاهي لا تعلمُ عن الآخر أيَّ شَيْءٍ منذ أشهر. كان البُكاءُ قاسِياً جِداً كعادةِ كل شيءٍ في هذَا المكانِ، كَما كَان الموتُ أقربُ إلى نَاظِري من يَدِي التي تَغرقُ في ظَلامِ الزّنزانَة الدّامِسِ…”

“.. هاهم أَخْرَجُونِي من الانفرادي لأجدَ نَفسي في غُرفةٍ واسعةٍ بها ستمائة وخمسون شَخصاً مختفٍ قسرياً، منهُم من تَصلُ مُدةُ وُجودِهم في هذا المكاَن ِإلى ثلاثِ سَنواتٍ! ثلاثِ سنواتٍ لا يعرفُ عنهم أهلُهم شيئا، ثلاثِ سنواتٍ وأمهاتُهم تنتظرُ عَودَتهم كلَّ لَيلة إلى أن تَسْقط مَغشيّا عَليها فِي فِناءِ مَنزلٍ كَان المَفقودُ هو الوَحيدُ الذي يؤنسُ فيهِ وَحشتَها! ثلاثِ سَنواتٍ والصغارُ كل يومٍ بينَ من يسألُ “أين أبي؟” ومَن كان رضيعا فكبُر متسائلاً: ” ما معنى أبي؟!”؛ لِذا لم يَكُن غَريباً أنَّ مِن بَينهِم مَن فَقَدَ عَقْله وباتَ مُعاقاً ذِهنياً؛ هُم من أعَاقوه!”

شَابٌّ في الخَامِسَةِ والعِشرِينَ مِنْ عُمْرِهِ، بَشوشُ الوَجْهِ خَفيفُ اللحْيةِ بَاسِم الثّغرِ، تظهرُ رُقَعٌ من جلدِ رأسِه بَعدما تساقط الشَّعرُ من آثار التّعذيب أثناءَ اخْتفائِه بِمقبرة العزولي الحربي، وعَلَى جِسمِه آثَارُ كَيٍّ بارزَةٍ تستَطيعُ من خلالِها رُؤيةَ اللّحْم؛ كَانَ رَفيقِي فِي السِّجْن، وحكى لي ذلك في نوفمبر 2016.

هُنا القاهِرةُ لَفظاً، المَقهُورةُ مَعنَىً، حَيثُ عُيونُ المَكلُومينَ تَروِي ألفَ قِصَّةٍ لَمْ تَحْكِهَا الأَلْسنةُ التَي تَتَصَنَّعُ المُثَابَرةُ. هُنا حَيْثُ الصمتُ وَحْدَهُ هو اللُّغَةُ التي لا تجيد الكَذِبَ.
هُنَا القَاهِرةُ.. وهُنَا المَقهُورُونَ!

الآراء الواردة في التدوينة تعبر فقط عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر “العدسة“.