تغيير حجم الخط ع ع ع

شهدت العلاقات التركية مع بعض دول الخليج العربي توترًا متزايدًا خلال الفترة الماضية، فرغم أن سياسة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اختلفت عن سابقيه فيما يخص إعادة تركيا إلى محيطها العربي والإسلامي، إلا أنه يمكن القول إن الثورات العربية مثلت حجر عثرة أمام استمرار تحسن علاقات أنقرة ببعض العواصم العربية، وخاصة الخليجية.

الاختلاف حول الثورات العربية..

اختلفت الرؤية التركية عن نظيرتها الإماراتية والسعودية -على وجه التحديد – فيما يخص كيفية التعاطي مع ثورات الربيع العربي في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن. ففي حين أيدت تركيا تطلعات الشعوب نحو الحرية والكرامة والتنمية، تعاملت بعض العواصم العربية معها على أنها خطر محدق، وأنها تهديد قد يصل بهم إلى خسارة سلطانهم ونفوذهم، إذا نجحت الثورات في إقامة دول ديمقراطية متطورة. 

حيث كانت ستمثل هذه الدول نموذجًا -إذا تمكن الثوار من الحكم فيها- ينظر إليه باقي شعوب المنطقة بالإعجاب، ويتطلعون إلى نقل التجربة إلى بلدانهم. ومن هذه النقطة، بدأ الخلاف التركي مع بعض الحكام العرب، وعلى رأسهم محمد بن زايد، ولي عهد أبو ظبي والحاكم الفعلي للإمارات.

Image result for محمد بن زايد

أسباب أخرى للخلاف..

ومع تقدم الثورات المضادة في بعض بلدان الربيع العربي، وبالأخص في مصر، بعد الانقلاب العسكري على الرئيس الراحل محمد مرسي، أصبحت الدولة التركية هي الملاذ الذي لجأ إليه كثير من المعارضين المصريين، هربًا من بطش النظام الانقلابي. وبذلك أصبحت هذه نقطة أخرى عمقت الخلاف بين تركيا من جهة، وبعض العواصم الخليجية من جهة أخرى كالإمارات والسعودية.

الاختلاف في التعامل مع الثورات العربية لم يكن هو العامل الوحيد الذي سبب صدعًا في العلاقة بين تركيا وبعض دول الخليج، بل إن هناك عوامل أخرى عمقت هذا الصدع، قد يكون أهمها هو التدخل التركي في ليبيا، والدعم التركي الكامل لقطر بعد فرض الحصار عليها في 2017، هذا بالإضافة إلى قضية قتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده بمدينة إسطنبول التركية.

ففي ليبيا، انخرطت تركيا في الصراع لتدعم الحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا، أمام الجنرال الانقلابي خليفة حفتر الذي كان على مشارف العاصمة الليبية، طرابلس، آنذاك. ومن خلال الدعم التركي، تمكنت حكومة الوفاق من دحر قوات حفتر من كامل الغرب الليبي، الأمر الذي فتح الباب بعد ذلك إلى فتح الحوار بشكل جدي حول حل سياسي سلمي. وبذلك فشل مشروع حفتر الذي استثمرت فيه دول عربية ودولية عدة، كالإمارات، والسعودية، ومصر، وفرنسا. 

حصار الرباعي العربي لدولة قطر..

وربما كانت القشة التي قصمت ظهر البعير، هي وقوف تركيا بكامل قوتها مع قطر حين تكالب عليها محيطها، وقررت السعودية والإمارات والبحرين ومصر، محاصرتها برًا وبحرًا وجوًا. فعلى وجه السرعة، أرسلت تركيا قواتها إلى قطر، في تنفيذ للاتفاقية العسكرية المشتركة بين الجانبين ، الأمر الذي ساهم في ردع أي تهديد عسكري للدوحة من دول الحصار. كما فتحت أنقرة خطًا جويًا لنقل كل احتياجات الدوحة الغذائية، بعد أن غدر بها محيطها الخليجي في شهر رمضان. 

ويمكن القول إن تركيا لم تكن لترغب في حدوث مثل هذا الحصار بأي حال، رغم أنه ساهم في تقوية علاقتها بقطر. لكنها اضطرت لدعم الدوحة حينها، وبذلك ازدادت علاقتها مع العواصم الخليجية الأخرى سوءًا.

سياسة اضطرارية.. 

الناظر في الأسباب السابقة التي عمقت الخلاف بين تركيا وبعض دول الخليج يرى أنها في معظمها جاءت على غير رغبة من القيادة التركية، بمعنى أنها لم تكن هي من قامت بثورات الربيع العربي، لكنها أيدتها فقط ودعمت خيارات الشعوب فيها، أيًا كان توجه من اختارته الشعوب للقيادة. 

كذلك كانت تركيا آخر المتدخلين على الساحة الليبية، وحينما تدخلت أتى تدخلها بشكل رسمي علني، باتفاق مع الحكومة الشرعية، على العكس من دول أخرى دعمت حفتر بالسلاح سرًا. وكان الجزء الأكبر من تدخلها هو لحفظ الاتفاقية الموقعة مع حكومة الوفاق، حول الجرف القاري الخاص بالدولتين في شرق البحر الأبيض المتوسط.

هذا بالإضافة إلى الاضطرار التركي للتدخل في 2017 لخلق توازن في المنطقة بعد أن كادت الإمارات والسعودية – بضوء أخضر من الرئيس الأمريكي حينها دونالد ترامب– أن يقوما بغزو قطر بريًا وجويًا.

يضاف للأسباب السابقة، الجريمة التي ارتكبها المسؤولون السعوديون بقتلهم خاشقجي في قنصلية إسطنبول. الأمر الذي جعل الأجهزة الأمنية التركية تعمل على قدم وساق، لكشف حقيقة ما حدث لخاشقجي، وكشف المتورطين في عملية القتل. وذلك لأنها إن لم تعمل بهذه الطريقة ولهذا الهدف فإن الأمر كان سيرتد عليها بالسلب، من حيث السمعة العالمية، كما لم يكن بعيدًا أن يتم اتهام تركيا ذاتها بإخفاء أو قتل الصحفي السعودي.

Image result for دونالد ترامب

مستقبل العلاقات.. 

وعلى ذلك، يمكن القول أن تركيا لم تسعَ للخلاف مع أي من الدول الخليجية، وهذا جيد في سياق أن هناك احتمالية لتجاوز بعض هذه الملفات – بشكل أو بآخر- والعودة إلى ترطيب الأجواء مرة أخرى. وقد برزت بوادر هذا التقارب خلال الأسابيع القليلة الماضية، وخصوصًا بعد فوز الرئيس الأمريكي الحالي  جو بايدن بالرئاسة.

حيث إن تركيا والسعودية والإمارات اجتمعوا على تفضيل ترامب على بايدن، الذي حملت تصريحاته الانتخابية مضمونًا سلبيًا حول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بالإضافة إلى حرب اليمن التي تقودها الرياض وأبو ظبي، فضلًا عن جريمة قتل خاشقجي، التي تشير أصابع الاتهام فيها إلى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

وخلال الفترة القليلة الماضية، قلت كثيرًا التصريحات التي يستعرض فيها كلا الطرفين بعضهما البعض بالسلب، الأمر الذي قد يتطور إلى تحسن ولو طفيف في العلاقات البينية، خصوصًا إذا مارست إدارة بايدن ضغطًا على أي من الطرفين.

وجدير بالذكر هنا أن احتمالية تحسن العلاقات بين أنقرة والرياض، أكبر من نظيرتها بين أنقرة وأبو ظبي. ذلك أن الأخيرة عملت على إيذاء تركيا في أكثر من ملف خارجي وداخلي، بما في ذلك اتهامها بالمشاركة في المحاولة الانقلابية الفاشلة في عام 2016. وفي المقابل، فإن التعاون التركي- القطري ما زال مستمرًا على أصعدة عدة، ويبدو أن المصالحة الخليجية لن تؤثر سلبيًا على هذا التعاون.

اقرأ المزيد : لهذه الأسباب لا يمثل تطبيع “الانتقالي الجنوبي” مع إسرائيل مفاجأة