تغيير حجم الخط ع ع ع

 

لا أتذكر المكان الذي قابلت فيه “كريم مدحت” لأول مرة، لكنه كان منذ أكثر من عقد من الزمان، عرفته مدافعاً شجاعاً عن حقوق الإنسان، يسعى لحماية كرامة أبناء شعبه المصريين، شاباً مرحاً، مناضل يحب كرة القدم والآيسكريم.

 

في أواخر العام الماضي، تم اعتقاله من أحد شواطئ البحر الأحمر ونقله إلى سجن طرة شديد الحراسة في القاهرة، ليتحول حينها إلى رقم، سجين سياسي جديد يواجه مصيراً مجهولاً تحت راية نظام اعتقل منذ 2013 حوالي 60 ألف شخصاً على أقل تقدير.

 

إن اعتقال شخص أو اثنين أو عشرة بالطبع هو أمر مرفوض له خسائره العديدة، لكن أن يتحول هذا الرقم إلى آلاف من الأشخاص في آلاف العائلات التي تفقد أحد أفرادها وراء القضبان، فإن الخسائر يصبح لها شكل آخر.

في مصر، في عهد عبد الفتاح السيسي الذي تحول من مجرد جنرال عسكري إلى طاغية استبدادي، أصبحت حالات الاختفاء القسري والاحتجاز دون محاكمة وتفشي التعذيب على أيدي الشرطة (بما في ذلك الأطفال) وأحكام الإعدام الجماعية أمراً شائعاً وربما مألوفاً، لكن قد يتغير الأمر قليلاً ببعض التحدي.

 

لهذا السبب أكتب اليوم عن كريم، الذي – بفضل شجاعة زملائه وحملة دولية ضخمة – تم إطلاق سراحه الآن من طرة، وحالته الصحية أقل خطورة بكثير اليوم من وضع كثيرين آخرين. كريم، الذي يقود وحدة العدالة الجنائية في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية وهي إحدى آخر المنظمات الحقوقية المصرية التي بقيت صامدة في عهد السيسي، قُبض عليه في نوفمبر/تشرين الثاني مع مدير المنظمة، جاسر عبد الرازق، ومديرها الإداري محمد بشير، حيث تم اتهام الثلاثة بالانتماء إلى منظمة إرهابية ونشر أخبار كاذبة، وهي مجموعة مكررة من الاتهامات الملفقة الموجهة ضد أي شخص يعتبره النظام مخرباً.

 

يتمثل جزء من دور المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في تقضي الحقائق في سوء معاملة السجناء، وخلال استجواب كريم وزملائه سُئل المعتقلون عن سبب “اختلاقهم” لروايات عن الظروف المروعة التي يواجهها المعتقلون، بالرغم من أنهم كانوا يعانون من الظروف ذاتها.

ربما تكون النعمة الوحيدة المنقذة للاستبداد هي أنه يمكن أن يكون لديه حس دعابة شرير (وإن كان غير مقصود)، بعد عشر سنوات من الانتفاضة الثورية في يناير 2011، تجاوز حكام مصر مجرد محاولة القضاء على المعارضة، بل يحاربون الواقع نفسه، يحاولون تزييفه.

 

من حسن حظ كريم وزملائه أنهم يتمتعون بمكانة رفيعة لدى المجتمع الدولي، إذ سرعان ما بدأ الممثلون الدبلوماسيون من الدول الأوروبية وكذلك المشاهير الدوليون والنشطاء والصحفيون في المطالبة بحريتهم. في ديسمبر/كانون الأول، تم الإفراج عن الثلاثي – لكن التهم الموجهة إليهم لا تزال قائمة، كما لم يتم فك تجميد حساباتهم المصرفية مع استمرار منعهم من مغادرة البلاد. كما لا يزال عضو رابع في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، الباحث باتريك زكي، محبوساً: تعرض للضرب والصعق بالكهرباء عند القبض عليه، بحسب شهادة محاميه، وهو الآن محاصر في الحبس الاحتياطي منذ حوالي 500 يوم.

 

بالنسبة لكريم، فإن قصته ليست المثال الأكثر فظاعة على وحشية الدولة المصرية، لذلك هو يفضل تسليط الضوء على أولئك الذين لم يتصدروا عناوين الصحف – مثل أحمد سمير سنطاوي، طالب وباحث قُبض عليه بتهم وهمية في فبراير/شباط وحُكم عليه حكم بالسجن أربع سنوات من قبل محكمة الطوارئ في وقت سابق من هذا الأسبوع، لكن قصة كريم، مع ذلك، قصة تابعتها بنفسي، وهي مهمة بشكل خاص لسببين.

 

الأول هو أنه إذا كان كريم تحت التهديد، على الرغم من كل امتيازاته، فإن كل مصري معرض للخطر. السبب الثاني، هو أنه ليس فقط الحكومة المصرية هي المسؤولة في نهاية المطاف عن محنته، ولكن قادتنا [في الغرب] السياسيين مسؤولون أيضاً.

 

يُحسب لوزارة الخارجية البريطانية أنها أدانت علناً الهجوم على المبادرة المصرية للحقوق الشخصية وضغطت على نظيرتها المصرية وراء الكواليس، لكن هذه الإدانات تبدو جوفاء عندما تتمتع الديكتاتورية المصرية بالدعم المالي والرعاية السياسية من الرؤساء ورؤساء الوزراء في جميع أنحاء شمال الكرة الأرضية.

في كل عام، ترسل الولايات المتحدة أموالاً إلى مصر أكثر من أي دولة أخرى على وجه الأرض باستثناء إسرائيل؛ بعد أقل من ثلاثة أسابيع من اعتقال كريم، قام إيمانويل ماكرون بمنح السيسي أرفع وسام فرنسي، وسام جوقة الشرف.

في العام الماضي، قام بوريس جونسون باستقبال السيسي أمام السجادة الحمراء في داونينغ ستريت – السيسي الذي أشرف عام 2013 على مذبحة قتل فيها ما يقرب من 1000 متظاهر مناهض للحكومة في يوم واحد.

 

القادة الغربيون يبررون هذا الانجذاب للاستبداد جزئياً بأن السيسي هو حصن ضد التطرف العنيف والهجرة الجماعية من المنطقة، على الرغم من قلة الأدلة على قدرته على التصدي لأي من الجبهتين.

لكن الواقع هو أن القيمة الحقيقية للسيسي عند رعاته الغربيين تكمن في دفتر شيكاته، السيسي من أكبر مشتري الأسلحة من الغرب، قوات الأمن المصرية مجهزة بـ “طائرات مقاتلة فرنسية، وفرقاطات إيطالية، وغواصات ألمانية، وبنادق هجومية بريطانية”.

يتم أيضاً ترسيخ نظامه المتزايد في النظام المالي الدولي الذي يضمن استقراره الخاص بما يتماشى مع المخاوف الاقتصادية لأغنى دول العالم وأكبر القوات متعددة الجنسيات، بما في ذلك واحدة من أكبر الشركات البريطانية، BP ، والتي تزايد استثمارها في مصر في السنوات الأخيرة.

في الشهر الماضي، أشاد السفير البريطاني في القاهرة بزيارة مسؤول عسكري بريطاني رفيع باعتبارها دليلًا على “التزامنا المستمر بالعمل مع مصر لتعزيز علاقاتنا الدفاعية: من صفقات الأسلحة، والتدريب، وتبادل الخبرات”.

 

في يناير/كانون الثاني 2011، كنت أقف بجانب كريم في اللحظة التي أُطيح فيها بالديكتاتور حسني مبارك من السلطة، لم يعرف كريم أي حاكم آخر من قبل، لذلك كانت الدموع في عينيه وهو يفكر فيما قد يخبئه المستقبل، واليوم، تقبع قطاعات شاسعة من هذا الجيل خلف القضبان، أو ممنوعون من السفر، أو مطاردون في الخارج.

 

لقد حان الوقت لداعمي السيسي، بما في ذلك بريطانيا، للتوقف عن التفاهات والبدء في ممارسة ضغوط ذات مغزى لضمان هذا التغيير، فلا يوجد أي مغزى أو سبب يبرر إبقاء عشرات الآلاف من السجناء السياسيين خلف القضبان في مصر.

 

ترجمة عن مقال للصحفي البريطاني جاك شينكر

 

للاطلاع على النص الأصلي من المصدر اضغط هنا