تغيير حجم الخط ع ع ع

 

الانقلابات هي دائمًا شيء يفعله الآخرون…. لذلك أصر قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، على أن عزل واحتجاز رئيس الوزراء والسياسيين الآخرين في أكتوبر/تشرين الأول “لم يكن انقلابًا”، بل كان- من وجهة نظره- “تصحيح مسار الفترة الانتقالية” التي بدأت مع الإطاحة بعمر البشير عام 2019 بعد احتجاجات شعبية حاشدة، واستبداله بإجراءات مؤقتة يتقاسم بموجبها الجيش والمدنيون السلطة، بشكل غير مريح.

يختلف عشرات الآلاف الذين احتجوا على الحكم العسكري في الخرطوم ومدن أخرى يوم الثلاثاء مع تحليل الجنرال البرهان، وعلى الرغم من أن الجيش أعاد الآن رئيس الوزراء، عبد الله حمدوك، إلا أن حلفاءه السابقين يرونه كزعيم “بوتيمكين” (قرية وهمية ذات صورة جميلة لإخفاء الواقع الصعب) يسعى وجوده إلى تجميل الصورة بدلاً من إنهاء الانقلاب، واحتجاجاً على هذه “الصفقة” استقال 12 وزيرا، بمن فيهم وزيرا الخارجية والعدل.

من جانبها، ووصفت جمعية المهنيين السودانيين، وهي إحدى الجماعات الاحتجاجية الرائدة، ما حدث بـ “الغدر”، حيث لا يبدو أن الصفقة تشير إلى قوى الحرية والتغيير (التحالف المدني الذي أطاح بالبشير)، كما أنها لا تحدد متى سيسلم الجيش السلطة إلى حكومة مدنية منتخبة، رغم أنه يدعي الآن أنها ستكون هناك انتخابات عام 2023.

يقول السيد حمدوك إنه توصل إلى اتفاق لوقف استمرار “حمام الدم” – قتل ما لا يقل عن 41 شخصًا على أيدي قوات الأمن أثناء احتجاجهم على الانقلاب، وفقًا لمجموعة أطباء سودانيين – ولمنع الانزلاق إلى حرب أهلية محتملة.

بالرغم من ذلك، قُتل مراهق بالرصاص حتى مع إعادة السيد حمدوك إلى منصبه، وتم رصد لقطات لقوات الأمن وهي تعتقل المتظاهرين في المستشفى.

كانت الترتيبات الانتقالية دائما هشة… لم تتحد الأحزاب السياسية المتنافسة والإسلاميون والقادة العسكريون والقيادات شبه العسكرية والجماعات المتمردة إلا من خلال الرغبة في الإطاحة بالبشير.

من المؤكد أن الجنرالات لا يريدون المخاطرة بتحمل المسؤولية عن الجرائم التي ارتكبت في عهده أو مذبحة الخرطوم للمتظاهرين في يونيو/حزيران 2019 التي أعقبت إقالته، كما أنهم لا يريدون أن يفقدوا السيطرة على مصالحهم الزراعية والصناعية الضخمة؛ إذ حاولت الإدارة الانتقالية إخضاع الشركات العسكرية للسيطرة المدنية، لذلك فإن هؤلاء الجنرالات بحاجة إلى السيد حمدوك ليس فقط لمحاولة تغيير الرأي المحلي، ولكن أيضًا لأنهم لا يستطيعون تحمل الإدانة الدولية: جمدت الولايات المتحدة والبنك الدولي الأموال في أعقاب الانقلاب.

وصف أنطوني بلينكين، وزير الخارجية الأمريكي، عودة حمدوك بأنها خطوة أولى، كما قالت الإدارة إن أي استئناف للمساعدات المعلقة البالغة 700 مليون دولار سيتطلب المزيد من التقدم.

من جانبه، أكد محمد حمدان دقلو (المعروف باسم حميدتي)، قائد قوات الدعم السريع شبه العسكرية – التي ارتبطت بجرائم الحرب والفظائع الأخرى في دارفور – على استخفاف النظام بإخبار أوروبا والولايات المتحدة أنهما قد يواجهان تدفق اللاجئين، إذا لم يدعموا حركته.

هناك أوجه تشابه واضحة مع حقبات سابقة من تاريخ السودان، في عامي 1964 و 1985، نالت الاحتجاجات الشعبية الدعم العسكري الذي احتاجته لإسقاط الأنظمة، في كلتا الحالتين، سرعان ما انتهى الأمر بالجيش إلى السلطة مرة أخرى.

سيكون من السهل رؤية أحداث الشهر الماضي على أنها حتمية: لم يكن من السهل أبدًا طرد الرجال بالبنادق والمال، وعلى الرغم من الاحتكاكات، يبدو أن الجيش وقوات الدعم السريع والأجهزة الأمنية متحدون على نطاق واسع حتى الآن، لكن بالرغم من ذلك، يمكن للمرء أن يقول أيضًا إن الشعب السوداني قد أوضح مرارًا وبشجاعة أنهم لا يقبلون الحكم الاستبدادي، إنهم يطالبون بشيء أفضل وسيستمرون في المطالبة به.

 

للاطلاع على النص الأصلي من المصدر اضغط هنا