ألغت المحكمة العليا الأمريكية، بالإجماع، قرار إدانة أحمد أبو عمو، الموظف السابق في شركة تويتر، والمتهم بالتجسس لصالح السعودية وتزويد مسؤول سعودي بمعلومات سرية عن معارضين سعوديين استخدموا المنصة للتعبير عن آرائهم. القرار لم يبرّئ أبو عمو من جوهر القضية، ولم يمسّ الإدانات الأخرى الصادرة بحقه، لكنه أسقط فقط إدانة تتعلق بعرقلة تحقيق فيدرالي بسبب خطأ إجرائي مرتبط بمكان المحاكمة.

وبحسب قرار المحكمة، فإن السلطات الأمريكية حاكمت أبو عمو في ولاية كاليفورنيا عن تهمة تزوير وثيقة لإعاقة تحقيق مكتب التحقيقات الفيدرالي، رغم أن الواقعة المرتبطة بهذه التهمة حدثت في مدينة سياتل بولاية واشنطن، حيث كان يقيم المتهم وحيث جرى استجوابه من قبل عملاء الـFBI. لذلك رأت المحكمة أن هذه التهمة تحديدًا كان يجب أن تُنظر أمام محكمة في واشنطن، لا في كاليفورنيا.

لكن هذه المسألة الإجرائية لا تغيّر الحقيقة الأخطر في القضية: موظف سابق في تويتر استغل موقعه داخل واحدة من أكبر منصات التواصل الاجتماعي للوصول إلى بيانات سرية عن مستخدمين معارضين للسعودية، وقدّم هذه المعلومات لمسؤول سعودي مقابل هدايا وتحويلات مالية ضخمة. وبذلك تتحول القضية من مجرد ملف جنائي ضد موظف سابق إلى نموذج واضح لطريقة استخدام السلطات السعودية للمال والنفوذ من أجل ملاحقة المعارضين خارج حدودها.

أحمد أبو عمو، البالغ من العمر 47 عامًا، عمل في تويتر بين عامي 2013 و2015، وكان مسؤولًا عن شراكات الإعلام في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وبحسب الادعاء الأمريكي، فإنه خلال عمله في مكتب تويتر في سان فرانسيسكو، قدّم معلومات سرية لمسؤول سعودي عن حسابات معارضين سعوديين كانوا ينشرون انتقادات للسلطات السعودية على المنصة.

مقابل هذه المعلومات، تلقى أبو عمو ساعة فاخرة بلغت قيمتها نحو 42 ألف دولار، إضافة إلى تحويلين ماليين، قيمة كل واحد منهما 100 ألف دولار. هذه الوقائع تكشف أن الأمر لم يكن تواصلًا عابرًا أو علاقة مهنية عادية، بل عملية شراء واضحة للوصول إلى بيانات حساسة قد تُستخدم في تعقب المعارضين وتهديدهم وملاحقتهم.

وبعد انتقاله إلى سياتل وتأسيسه شركة للاستشارات في مجال التواصل الاجتماعي، استجوبه عملاء من مكتب التحقيقات الفيدرالي في منزله. وخلال التحقيق، نفى أبو عمو أنه قدّم معلومات سرية لمسؤول سعودي، وادعى أن الأموال التي تلقاها كانت مقابل أعمال استشارية. وعندما طلب منه المحققون وثائق تثبت روايته، أنشأ فاتورة مزيفة وأرسلها إليهم، وهو ما أدى إلى توجيه تهمة عرقلة التحقيق ضده. هذه هي التهمة التي ألغتها المحكمة العليا لاحقًا لأسباب تتعلق بمكان المحاكمة، وليس بسبب نفي وقوع القضية أو سقوط باقي الاتهامات.

القضية تكشف جانبًا شديد الخطورة من سلوك السلطات السعودية تجاه معارضيها في الخارج. فبدلًا من الاكتفاء بالقمع الداخلي عبر الاعتقال والمنع والمحاكمات الجائرة، تمددت أدوات الملاحقة إلى المنصات الرقمية العالمية، حيث أصبحت بيانات المستخدمين وسيلة محتملة للتجسس السياسي. ما حدث داخل تويتر يوضح أن المعارض السعودي لم يعد مهددًا فقط داخل بلده، بل قد يكون مستهدفًا حتى وهو يكتب من الخارج، من خلال شبكات نفوذ ومال قادرة على اختراق مؤسسات يفترض أنها تحمي خصوصية المستخدمين.

كما تكشف القضية أن الرشوة في هذا السياق ليست مجرد جريمة مالية، بل أداة من أدوات القمع. فالساعة الفاخرة والتحويلات المالية لم تكن مكافآت بريئة، بل كانت ثمنًا للوصول إلى معلومات عن أشخاص مارسوا حقهم في التعبير. وبذلك يصبح المال السعودي جزءًا من منظومة أوسع تستخدم الرشاوى والهدايا والعقود والعلاقات لشراء الصمت، وتجنيد الوسطاء، واختراق المؤسسات، وتبييض جرائم النظام أمام الرأي العام الدولي.

الأخطر أن هذه القضية تأتي ضمن نمط أوسع من توظيف السعودية للنفوذ في الغرب. فبينما تنفق الرياض مبالغ ضخمة على حملات العلاقات العامة، والرياضة، والترفيه، والاستثمار، وتقديم نفسها كدولة “إصلاح وانفتاح”، تكشف الوقائع أن الوجه الآخر لهذا النفوذ هو ملاحقة المعارضين، اختراق المنصات، تشويه المنتقدين، ومحاولة دفن الانتهاكات تحت طبقات من المال والدعاية والتطبيع السياسي.

من هنا، لا يمكن التعامل مع قضية أبو عمو باعتبارها حادثًا فرديًا داخل شركة تكنولوجيا. إنها تكشف عن خطر أوسع يتعلق بسلامة النشطاء والصحفيين والمعارضين الذين يعتمدون على المنصات الرقمية للتعبير وكشف الانتهاكات. فإذا كانت حكومة تملك المال والنفوذ قادرة على شراء موظف داخل منصة عالمية للوصول إلى بيانات معارضيها، فإن ذلك يعني أن الخصوصية الرقمية أصبحت جزءًا مباشرًا من معركة حقوق الإنسان.

قرار المحكمة العليا الأمريكية يجب ألا يُستخدم لتبييض القضية أو تقديمها كأنها انهيار كامل للاتهامات. ما حدث هو إسقاط إدانة محددة لأسباب إجرائية، بينما تظل الوقائع الأساسية قائمة: معلومات سرية عن معارضين، مسؤول سعودي، هدايا فاخرة، تحويلات مالية، ومحاولة لتقديم رواية مزيفة أمام المحققين.

هذه القضية تضع السعودية مرة أخرى أمام اتهامات خطيرة لا تتعلق فقط بانتهاكاتها داخل البلاد، بل بسلوكها العابر للحدود. فالسلطات التي تعتقل الناس بسبب تغريدة، وتلاحق النشطاء بسبب آرائهم، لا تتردد في استخدام المال والنفوذ للوصول إلى بيانات معارضيها في الخارج. وهذه ليست سياسة أمنية عادية، بل منظومة قمع عابرة للحدود تستخدم الرشوة كأداة، والتكنولوجيا كساحة، وتبييض السمعة كغطاء.

المطلوب اليوم ليس فقط محاسبة الأفراد المتورطين، بل فتح تحقيقات أوسع في شبكات النفوذ السعودية داخل شركات التكنولوجيا ومراكز العلاقات العامة والمؤسسات الإعلامية والسياسية في الغرب. كما يجب إلزام المنصات الكبرى بوضع آليات حماية أكثر صرامة للمستخدمين المعرضين لخطر الاستهداف السياسي، خاصة المعارضين والنشطاء القادمين من دول قمعية.

قضية تويتر والسعودية ليست مجرد قضية موظف سابق تلقى أموالًا مقابل معلومات. إنها دليل جديد على أن النظام السعودي يستخدم ثروته لا فقط لتلميع صورته، بل لملاحقة ضحاياه، وشراء النفوذ، وتبييض الانتهاكات، وتحويل المنصات الرقمية إلى أدوات مراقبة ضد من يحاولون كشف جرائمه.