تغيير حجم الخط ع ع ع

يُعتبر “حظر السفر” من الوسائل الأكثر استخداما في السعودية لاستهداف أقارب المعارضين، ووفقا لمنظمات حقوقية فإن أيّا من المتضررين، لم يحظوا بفرصة الطعن في هذه القرارات، أو حتى استئنافها، نظرا لأنها لم تصدر عن المحاكم.

ورغم أن المادة 36 من القانون الأساسي للحكم بالسعودية، الصادر في عام 1992، تنص على أنه “لا يجوز تقييد تصرفات أحد أو توقيفه أو حبسه إلا بموجب أحكام النظام” إلا أن الحكومة توسعت في إصدار قرارات منع السفر، سيما بعد صعود محمد بن سلمان.

فالأمير الشاب عمد إلى اتخاذ سلسلة طويلة من القرارات التي تضيّق على أقارب ناشطين محتجزين في سجونه، مثل الداعية سلمان العودة وعصام الزامل، أو معارضين مقيمين في الخارج، مثل الدكتور سعيد بن ناصر الغامدي والناشط عمر بن عبدالعزيز.

ويؤكد الطبيب خالد، نجل سعد الجبري -المساعد السابق لمحمد بن نايف- والمقيم في كندا، أن “أخذ الرهائن تُستخدم في المملكة كأداة لتثبيت الحكم”، في إشارة إلى اعتقال محمد بن سلمان لشقيقيه عمر وسارة، ومنع بقية أفراد أسرته، منذ مغادرة والده للبلاد في 2017.

ووفقا للطبيب الجبري، فإن ما قام به ابن سلمان يهدف إلى إسكات والده، والضغط عليه لإجباره على العودة إلى السعودية.

توطيد الحكم

في 19 يونيو/حزيران 2020، أكدت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، يمنع آلاف المواطنين السعوديين من السفر، لمجرد شكوكه في احتمالية عدم عودتهم إلى البلد، وانضمامهم إلى المعارضة بالخارج.

وبحسب الصحيفة، فإن قرارات “منع السفر” التي أصدرها ابن سلمان، أوسع بكثير من المعترف به علنا، وأن هذه القرارات التعسفية، تشكل جزءا أساسيا من نظام قمع منظم أكبر في المملكة الصحراوية.

ويهدف ولي العهد الشاب من وراء استخدام تلك الأدوات القمعية إلى تعزيز سلطته وإحكام قبضته على البلد، بينما يتحرك بخطى متسارعة للانقضاض على كامل سلطات الحكم من والده المريض الملك سلمان.

واللافت أن من يخضعون لأوامر المنع من السفر، الذين يصل عددهم للآلاف، لا يعلمون عادة بها، إلا في المطارات ونقاط العبور الحدودية، حيث يتفاجأون بأنهم ممنوعون من مغادرة البلاد، دون توضيح السبب، بأمر من جهاز أمن الدولة، الذي يخضع لابن سلمان بشكل كامل.

وبذلك يخرق النظام السعودي القانون الدولي، الذي يكفل لكل شخص حق مغادرة بلاده والعودة إليها بحرية. كما تكفل المادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الحق “لكل فرد أن يغادر أية بلاد بما في ذلك بلده كما يحق له العودة إليه”.

تعسف حكومي

الدكتور عبدالله العودة، نجل الشيخ المعتقل سلمان العودة، كشف أن نحو 17  فردا من عائلته ممنوعون من السفر بشكل تعسفي، على الرغم من أن بعضهم تحت سن عشر سنوات.

وذكر العودة، خلال تصريح صحفي في 19 يونيو/حزيران الماضي، أن الحكومة السعودية تهدف من وراء هذه الممارسات تخويف العائلات وتهديدها من أجل إسكاتها”.

ونوّهت واشنطن بوست، إلى أن صلاح، الابن الأكبر للصحفي السعودي الراحل جمال خاشقجي، كان ممنوعا من السفر قبل مقتل والده. فقد أبلغ الديوان الملكي  جمال بأن حرية نجله في السفر مرتبطة بعودته إلى البلد، وهو ما رفضه خاشقجي، قبل أن يتم اغتياله بطريقة بشعة، داخل القنصلية السعودية باسطنبول، في أكتوبر/تشرين أول 2018.

ويرى مراقبون أن ولي العهد السعودي توسّع في استخدام المنع من السفر، بهدف الضغط على الناشطين والمعارضين، سواء الذين يقبعون في سجونه، أو الفارين من بطش نظامه إلى الخارج، فرغم أن “المنع” أسلوب قديم يستخدمه النظام السعودي حتى قبل صعود ابن سلمان إلى السلطة، لكن بعد صعود الأخير جرى استخدامه بشكل مفرط، فهو يتعامل مع كل صوت ناقد لخططه وسياساته على أنه “تهديد مباشر لحكمه”، لذلك لا يتوانى عن مطاردة هذا الصوت، واعتبار عائلته “هدفا مشروعا لتعسفه” وشمل حتى الأطفال الصغار، في انتهاك صارخ لحقوق الإنسان.

 وفي أغسطس/آب 2019 نعى المعارض السعودي المقيم بالخارج، سعيد بن ناصر الغامدي، طفلته (شهرة) التي ماتت دون أن يتمكن من رؤيتها، فهي كانت ممنوعة من السفر إلى جانب جميع أفراد عائلتها.

 

 

قمع الأمراء

قرارات المنع من السفر، لم تتوقف عند الناشطين والمعارضين، فقد استخدمها ولي العهد، ضد الكثير من أمراء آل سعود وعوائلهم، في إطار حملته التي تهدف إلى إزاحة جميع منافسيه، وكتم أصوات منتقديه داخل العائلة الحاكمة.

ووفقا للكاتب الأمريكي الشهير “ديفيد إغناتيوس”، فإن أبرز الأسر الممنوعة بشكل كامل من السفر هي عائلة الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، حيث منع ابن سلمان 27 من أبنائه وبناته، ونحو 57 من أحفاده، من السفر.

وأوضح “إغناتيوس” في مقاله الذي نشره بواشنطن بوست، في يونيو/حزيران الماضي، أن الأمير متعب، ومشعل، وفيصل، وتركي، أبناء الملك عبدالله، بعضهم محتجزون في سجون سرية، والآخرين يخضعون للإقامة الجبرية في قصورهم، فيما تم منع جميع أبنائهم من السفر.

وينطبق الحال ذاته على الأميرة سارة بنت سلطان، زوجة ولي العهد السابق، الأمير محمد بن نايف، وابنتاها سارة ولولوة.

ونقل “ديفيد” عن مصادر سعودية أن نجل الملك وولي عهده، بصدد إعداد لائحة اتهام رسمية لابن عمه وسلفه في المنصب، محمد بن نايف، وتتعلق الاتهامات الجديدة، بالفساد، وتبديد الأموال التي خصصتها الحكومة للأجهزة الأمنية التي كان يديرها، وهي ذات التهم التي أعدها ابن سلمان لسعد الجبري، المقرب من ابن نايف.

كما أشار الكاتب الأمريكي إلى أن نحو 2500 شخص من عوائل المحتجزين في حملة “الريتز كارلتون” التي جرت في 4 نوفمبر 2017، ممنوعون من السفر حاليا، رغم إعلان الحكومة السعودية إغلاق هذا الملف بتسويات مالية كبيرة.

انتقادات دولية

وبالإضافة إلى ذلك، كشفت منظمة هيومن رايتس ووتش الحقوقية، أن السلطات السعودية احتجزت 131 شخصية دينية وسياسية بارزة منذ شهر سبتمبر/أيلول 2017، وجاء ذلك وفقا لقائمة جمعتها المنظمة في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2019، وبيّنت رايتس ووتش أن أسر هؤلاء المعتقلين تخضع أيضا لمنع السفر.

واعتبرت المنظمة الحقوقية أن القيود المفروضة على تلك العوائل “واحدة من الانتهاكات الأكثر قمعا في المملكة”، وأوضحت أنه “بالإضافة إلى الاستهداف المباشر للمواطنين السعوديين بالاعتقال؛ عاقبت الحكومة في بعض الحالات أيضا أقارب لهم، إذ فرضت عليهم أوامر تعسفية بحظر سفرهم خارج البلاد، أو تجميد أصولهم وحصولهم على الخدمات الحكومية”.

وينص القانون السعودي على السماح لوزارة الداخلية بإصدار قرارات منع السفر، وفق المادة السادسة من نظام وثائق السفر الصادر في 29 أغسطس/آب 2000.

غير أن القانون يقضي بأن تحدد الوزارة الأسباب الموجبة للمنع، فضلا عن إخطار الشخص الممنوع من السفر خلال مدة لا تتجاوز الأسبوع: “لا يجوز المنع من السفر إلا بحكم قضائي أو بقرار يصدره وزير الداخلية لأسباب محددة تتعلق بالأمن ولمدة معلومة، وفي كلتا الحالتين يبلغ الممنوع من السفر في فترة لا تتجاوز أسبوعاً من تاريخ صدور الحكم أو القرار بمنعه من السفر”.

ويرى مراقبون أن هذه النصوص والقوانين مجرد حبر على ورق، فالسلطات السعودية تستخدم “منع السفر” لغايات سياسية وليست أمنية، تتمثل في معاقبة منتقديها وعوائلهم، وتقييد حركتهم، في مخالفة صريحة للقوانين المحلية والعالمية.