وضعت التطورات العسكرية الأخيرة والضربات المتبادلة في المنطقة نموذج النمو الاقتصادي لدولة الإمارات العربية المتحدة أمام اختبار بنيوي حرج، كاشفة عن مواطن ضعف عميقة وتشققات هيكلية في جدار الاستقرار المالي الإماراتي؛ فرغم الدعاية الإعلامية المكثفة والترويج المستمر لامتلاك الدولة أضخم منظومة صناديق سيادية في العالم العربي، إلا أن دراسة تحليلية حديثة صادرة عن المركز الخليجي للدراسات والنشر أكدت أن الصراع الإقليمي الحالي قد عرّى تماماً هشاشة الاقتصاد الإماراتي، وأثبت أن الترسانة المالية والمصرفية لأبوظبي تفتقر للمرونة اللازمة لمواجهة الصدمات الجيوسياسية الكبرى، لا سيما مع انخراطها كحليف وداعم للاحتلال الإسرائيلي والمخططات الغربية في المنطقة، مما جعلها هدفاً مباشراً لارتدادات الحرب وتكلفة النزاع الباهظة.
وأبرزت الدراسة أن القوة المالية والوفرة النقدية المزعومة تتركز فعلياً في إمارتي أبوظبي ودبي بشكل شبه كامل، في حين تعيش بقية الإمارات السبع تفاوتاً طبقياً واقتصادياً حاداً، يضاف إلى ذلك الضغوط المتصاعدة والانخفاض الملحوظ في معدلات ربحية الصناديق السيادية الإماراتية مقارنة بنظيراتها الدولية المنافسة؛ وهو ما يثبت أن حجم الأصول الضخم، الذي يتجاوز تريليونات الدولارات، يمثل رقماً تضخمياً يفتقر إلى الحوكمة الشفافة والعمق التنفيذي القادر على الصمود في أوقات الأزمات والحروب العسكرية.

أرقام فلكية وتفاوت داخلي يهدد البنية الاتحادية
تستعرض الدراسة الهيكل الاستثماري العام لدولة الإمارات، مشيرة إلى أنها تحتل المرتبة الأولى عربياً والرابعة عالمياً في حجم الاستثمارات العامة بأصول تبلغ 3.083 تريليون دولار، تتقدمها الولايات المتحدة والصين واليابان، وتستحوذ الصناديق السيادية منها على نحو 2.695 تريليون دولار (ما يعادل 87% من الإجمالي). ورغم ضخامة هذا الرقم، إلا أن الدراسة تفكك الشفرة الجغرافية لهذه الثروة، مؤكدة أنها موزعة بصورة غير متوازنة بالمرة؛ إذ تهيمن أبوظبي وحدها على الحصة الأسد عبر جهاز أبوظبي للاستثمار ومبادلة والقابضة (ADQ)، تليها دبي بمؤسساتها المحلية، في حين تقبع بقية الإمارات في الهامش الاستثماري بتأثير شبه منعدم، وتعتمد كلياً على التحويلات المالية والمساعدات القادمة من العاصمة لتسيير شؤونها الداخلية، مما يكشف عن خلل بنيوي يهدد التماسك الاقتصادي للاتحاد.
والأكثر خطورة، بحسب الدراسة، هو غياب الشفافية وحجب البيانات التفصيلية المتعلقة بالأداء المالي الحقيقي وصافي الأرباح السنوية لهذه الصناديق؛ إذ تكتفي الكيانات الإماراتية بنشر تقارير دعائية وتصريحات عامة ذات طابع ترويجي وإعلاني، تخفي وراءها تراجعاً حاداً في الربحية مقارنة بالصناديق العالمية. فعلى سبيل المثال، سجلت مؤسسة دبي للاستثمارات خلال عام 2024 أرباحاً لم تتجاوز 4.6% من إجمالي أصولها، في وقت حقق فيه الصندوق السيادي النرويجي معدلات ربحية قياسية تراوحت بين 6.7% و7.1%، مما يعكس ضعف الإدارة الاستثمارية والاندفاع نحو صفقات سياسية غير مدروسة.
صفقات فاشلة وخسائر مليارية تحت وطأة الارتجال السياسي
سلط التحليل الضوء على سلسلة من الإخفاقات والخسائر الفادحة التي منيت بها الاستثمارات الخارجية لأبوظبي ودبي نتيجة الحسابات السياسية الخاطئة؛ ومن أبرزها صفقة شراء مبنى “كرايسلر” الشهير في نيويورك عبر شركة مبادلة، وهي الصفقة التي كبدت الصندوق السيادي خسائر هائلة عقب تراجع قيمة العقار وارتفاع النكاليف التشغيلية، مما اضطر الجانب الإماراتي لبيعه بخسارة فادحة. كما رصدت الدراسة خسارة مدوية لمؤسسة دبي للاستثمارات بلغت 15.5 مليار درهم خلال عام 2020، في وقت كانت فيه الصناديق العالمية تقتنص الفرص وتحقق أرباحاً تاريخية مستغلة تراجع الأسواق جراء جائحة كورونا؛ مما يوضح أن المال السياسي الإماراتي يوجه لخدمة النفوذ وبناء التحالفات المشبوهة، وليس لتحقيق عوائد اقتصادية مستدامة للأجيال.
وجاءت الحرب الحالية في المنطقة لتضاعف هذه الأزمات وتضع الاقتصاد الإماراتي في مرمى النيران المباشرة؛ حيث أكدت الدراسة أن الإمارات غدت من أكثر الدول تضرراً من النزاع العسكري جراء انكشاف أمنها القومي وقطاعاتها الحيوية مثل السياحة، والطيران، والطاقة، والاستثمار العقاري. وتسبب تصاعد التهديدات في هروب شرائح واسعة من الرساميل الأجنبية، وتراجع الإيرادات النفطية والسياحية، وارتفاع النفقات العسكرية الموجهة لحماية المنشآت الحيوية وشراء منظومات الدفاع الجوي، إلى جانب تمويل عمليات تحديث عاجلة ومكلفة للبنية التحتية المتضررة، مما شكّل عبئاً ثقيلاً ومفاجئاً على الموازنة العامة للدولة.
معضلة مضيق هرمز وإعادة ترتيب الأولويات الاستثمارية لخدمة الدفاع
كشفت التطورات العسكرية وما رافقها من إغلاق جزئي أو تهديد للملاحة في مضيق هرمز عن “الهشاشة الجيواستراتيجية” القاتلة للاعتماد الإماراتي على ممرات التصدير البحرية التقليدية؛ حيث وجدت أبوظبي نفسها عاجزة عن تأمين تدفق صادراتها النفطية بالكامل، واضطرت للجوء إلى خط الأنابيب الواصل إلى ميناء الفجيرة على بحر العرب، وهو الخط الذي ثبت ميدانياً عدم قدرته الفنية والاستيعابية على نقل كامل الحصص التصديرية الإماراتية، مما وضع الدولة في مأزق تسويقي وقانوني مع المشترين الدوليين وعمق من خسائر قطاع الطاقة.
هذه البيئة المعقدة فرضت على أصحاب القرار في أبوظبي معادلة بالغة الصعوبة؛ حيث باتت الصناديق السيادية مجبرة على الوفاء بالتزامات استثمارية ومالية ضخمة ومقيدة خارجياً، وتحديداً تجاه أسواق الولايات المتحدة الأمريكية لحفظ الولاء السياسي، وفي الوقت نفسه تجد نفسها مطالبة بضخ سيولة تريليونية محلياً لدعم قطاعات الدفاع، والأمن الغذائي، والمنشآت المتضررة، وإعادة هيكلة خطوط الطاقة. هذا التنازع بين الالتزامات الخارجية والاحتياجات الدفاعية الداخلية يحد من قدرة الإمارات على التوسع الاستثماري بنفس الوتيرة السابقة، ويؤكد أن الفورة المالية لا يمكنها حماية الدولة من تبعات خياراتها السياسية المتهورة.
تآكل المصدات المالية وسقوط أوهام الأمان المطلق
تخلص الدراسة إلى أن الحرب الدائرة قد أسقطت أوهام “الأمان المطلق” التي روجت لها أبوظبي طويلاً كواحة استثمارية معزولة عن صراعات الشرق الأوسط؛ فرغم أن الأصول الهائلة للصناديق السيادية ما زالت تمنح الدولة خط دفاع مالي مؤقت وتصنيفاً ائتمانياً مرتفعاً، إلا أن هذا التقييم مهدد بالتآكل السريع في حال استمرار الحرب واستنزاف الموارد في النفقات العسكرية غير المنتجة وتراجع قطاع الخدمات والسياحة الذي يشكل عصب اقتصاد دبي.
وفي المحصلة، فإن دراسة المركز الخليجي للدراسات تعيد رسم الصورة الحقيقية للاقتصاد الإماراتي بعيداً عن مساحيق التجميل؛ إن ارتهان القرار السياسي الإماراتي وتورط أبوظبي في دعم ومباركة السياسات العدوانية للاحتلال الإسرائيلي قد ارتد عكسياً على أمنها الاقتصادي، ليثبت للعالم أن القوة المالية المبنية على الشراكات الهشة والعقارات الفاخرة وسياحة المؤتمرات هي أول ما يتهاوى ويتبخر عند أول طلقة رصاص، وأن الصناديق السيادية مهما بلغت أرقامها لا يمكنها شراء الاستقرار المستدام إذا كانت البنية التحتية والسياسية للدولة مكشوفة ومهددة بالانهيار في أي لحظة.
اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين