تغيير حجم الخط ع ع ع

تأجج الصراع في المسجد الأقصى بحلول شهر رمضان المبارك وبالتزامن مع عيد الفصح اليهودي، حيث قامت قوات الاحتلال بصحبة مستوطنين بتدنيس المسجد الأقصى واقتحامه ما تسبب في اندلاع اشتباكات أصيب خلالها العديد من الفلسطينيين الذين يحمون المسجد الأقصى بصدور عارية.

أثرت هذه الصراعات سلباً على حكومة الاحتلال، والتي تعاني من أزمات بالفعل ولا سيما مع استقالة “عديت سليمان” من الكنيست وهي عضوة في حزب حكومة الاحتلال “يمينا” ما أفقدها الأغلبية في الكنيست.

ارتفعت كذلك وتيرة الانقسامات والتكهنات بسقوط حكومة “بينيت” التي عجزت عن التعامل مع العمليات الفدائية المتزامنة مع تلك الأحداث في الأراضي المحتلة وهنا يُطرح سؤالاً هاماً .. هل تستغل المقاومة الفلسطينية تلك الأحداث ونشهد انتفاضة فلسطينية ثالثة؟!.

تطور الأوضاع 

انتهت الانتفاضة الثانية عام 2005 وبات الجميع بصدد انتظار انتفاضة ثالثة والتي أطلقت على انتفاضة السكاكين عام 2015 أو ما تسمى “انتفاضة الذئاب المنفردة” لكنها لم تكن انتفاضة بمسماها كالأولى والثانية، وقد تبعها عدة أحداث تشبهها إلى حد كبير من حيث درجة الوتيرة المرتفعة، أهمها مسيرة العودة الضخمة في عام 2018 عندما تحرك سكان غزة معًا نحو السياج الذي يحبسهم داخل القطاع ثم اضطرابات مايو/أيار 2021 التي بدأت بصدامات في القدس الشرقية امتدت إلى غزة والمدن المختلطة بين اليهود والفلسطينيين داخل إسرائيل، ولم ينته أي من هذه الأحداث بانتفاضة مماثلة للانتفاضتين الأولى والثانية.

انتفاضة ثالثة 

تسبب حادث دهس سائق شاحنة إسرائيلي مجموعة من العمّال الفلسطينيين “قتل 4 رجال” على حاجز بيت حانون “إيرز”، شمالي قطاع غزة، في 8 ديسمبر 1987، في اندلاع الشرارة التي تسببت بتفجير الإنتفاضة الأولى، ومن هنا بدأت مواجهات “دامية” بين الفلسطينيين والجيش الإسرائيلي يوم 9 ديسمبر، من مخيم جباليا للاجئين، شمالي قطاع غزة، ومن ثم انتشرت انتشار النار في الهشيم لمختلف مناطق قطاع غزة، والضفة الغربية، ورغم استخدام الفلسطينيين للتظاهرات والحجارة في الاحتجاجات، إلا أن إسرائيل قابلت ذلك باستخدام العنف المفرط، وردت بإطلاق النار على المتظاهرين ما أدى إلى مقتل وجرح الآلاف.

رغم العنف المفرط من جهة الاحتلال الإسرائيلي إلا أن الانتفاضة استمرت لمدة 6 سنوات، قبل أن تنتهي بتوقيع اتفاقية أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية عام 1993، ولذلك فإن الفرق كبير بين الأحداث الجارية وحدث الانتفاضة الذي استمر لفترة أطول وعاد بنتيجة كبيرة ألا وهي الاعتراف بالشعب الفلسطيني في اتفاقية أوسلو، وبالتالي فإنه من المبكر أن نحكم على الأحداث الجارية بالمسجد الأقصى أو حتى العمليات الفدائية التي تطورت داخل الخط الأخضر بأنها “انتفاضة ثالثة” ولكنها يمكن أن تكون مجرد إرهاصات لما هو قادم.

أزمات داخلية

تبنى “نفتالي بينيت” سياسة الصدام كسلفه، معلناً أنه لن تكون هناك “عملية دبلوماسية مع الفلسطينيين وكذلك تبنى “يائير لابيد” هذا المنطق بشكل كامل عندما أعلن أنه عند التناوب على منصب رئيس الوزراء، فإنه سيمتنع أيضًا عن أي عملية دبلوماسية من هذا القبيل وهو ما ذهب إليه من قبله بشكل كبير ولكن المختلف الآن هو الحالة في الداخل والتي كانت متوازنة في زمن من قبلهم كحكومة “شامير – رابين” والتي بنيت على أساس توازن بين “اليمين” و”اليسار”.

أما في الوقت الحالي فيتمتع الائتلاف بأغلبية واضحة من يسار الوسط، بل إنه يضم حزبًا عربيًا إسلاميًا لأول مرة في تاريخ إسرائيل، ومع ذلك، فإن الحكومة يرأسها يميني متطرف ومعظم الوزارات الأكثر حساسية، مثل العدل والداخلية، تقودها أيضًا شخصيات يمينية، إضافة لذلك فالمعارضة البرلمانية لهذه الحكومة كبيرة جدًا ولا يمكن وصفها بـ “اليمين” بالمعنى الذي اعتاد عليه الإسرائيليون، حيث أن هذه المعارضة اليمينية تركز على التفوق اليهودي وأولوية “الدولة اليهودية” على الديمقراطية والتي تكره وجود العرب كجزء من الحكومة.

أزمات جديدة

لم تنته أزمات حكومة الاحتلال عند هذا الحد فقد أظهرت استبيانات أن اليمين يتمتع ب 50% من ثقة الجمهور اليهودي وإذا صح الأمر وأقيمت انتخابات وحصل على هذه النسبة فستنتفي صفة التوازن عن البرلمان ويصير الصدام أكبر، إضافة لذلك فقد كشفت تقارير عن أن جيش الاحتلال يتمتع بعلاقات قوية واتصالات مباشرة مع المستوطنين الذين يفتعلون المشاكل بالقدس وينسق معهم الاقتحامات وهذا يدل عن أن الحكومة في وقت ما  لن تستطيع كبح جماح الصدامات بالقدس.

إضافة لذلك فقد أعلن حزب “راعم” الذي يتزعمه “منصور عباس”، تعليق مشاركته في التحالف الحاكم بعد اقتحام الشرطة المصلى القبلي في المسجد الأقصى، فهو يعمل على إضعاف الحكومة التي تعرضت لضربة قوية قبل 10 أيام عندما انسحبت عضو الكنيست “عيديت سليمان” من إئتلاف “بينيت”، ما أفقده الأغلبية في البرلمان، وإذا انسحب حزب “عباس” من التحالف، فإن الحكومة الإسرائيلية ستنهار.

الخلاصة، من الصعب التنبؤ بوقوع انتفاضة سواء كانت أقرب إلى الحركة الشعبية التي ميزت الانتفاضة الأولى عام 1987، أو تميل أكثر للطبيعة العسكرية كما كان في الانتفاضة الثانية عام 2000، لكن في كلتا الحالتين ستكون الحكومة الإسرائيلية في حالة شلل شبه كامل، وفي كل الحالات يشكل هذا الصراع فرصة للمقاومة للخروج من الوضع الراهن بأكبر قدر ممكن من المكاسب.