تغيير حجم الخط ع ع ع

 العدسة_ منذر العلي

أقل ما وُصفت به أنها لحظة تاريخية، تلك اللحظة التي شهدت توقيع حركتي فتح وحماس على اتفاق المصالحة الوطنية الفلسطينية في 12 أكتوبر الجاري بالقاهرة، لكن يبدو أن فتح كانت تضمر شيئًا آخر.

هذا ما كشفته الوثيقة المسربة التي انفردت بها (العدسة) وتضمنت تفاصيل الخطة التي أعدها جهاز المخابرات التابع لرئيس السلطة محمود عباس من أجل تصفية حماس ونزع سلاحها خلال عامين.

فبينما نصت بنود اتفاق المصالحة على إنهاء القرارات العقابية التي أصدرها عباس ضد القطاع، إلا أن الوثيقة أفصحت عن عزم السلطة على عدم رفع العقوبات في الوقت الحالي.

تلك البنود لم تتطرق أيضًا إلى سلاح المقاومة وفي مقدمتها كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس، غير أن الوثيقة كشفت إصرارًا من فتح على نزعه تحت راية الشرعية، والأكثر من ذلك هو وصف الكتائب بالميليشيات والجماعات الإرهابية.

أنفراد نشره موقع عدسة بالامس عن خطة فتح لتصفية حماس

تفاصيل الاجتماع المخابراتي

الوثيقة المكونة من 3 ورقات، تتناول تفاصيل اجتماع عقده مدير جهاز المخابرات العامة في السلطة الفلسطينية مع مديري الجهاز في مختلف محافظات قطاع غزة، بتاريخ الإثنين 2 أكتوبر الجاري في العاشرة مساءً.

وبحسب ما جاء بالوثيقة، فإن الاجتماع ضم رئيس الجهاز اللواء ماجد فرج المشار له (أبو بشار)، وكلا من مديري الجهاز بمحافظات قطاع غزة الخمس مسبوقًا بوصف (الأخ) ومتبوعًا بالحروف الأولى من اسمه: مدير الجهاز في محافظة رفح (ع.ن)، مدير الجهاز في محافظة غزة (د.ن)، مددير الجهاز في محافظة الوسطى (ي.س)، مدير الجهاز في محافظة الشمال (ب.م)، مدير الجهاز في محافظة خانيونس (س.ب).

يبدأ “فرج” حديثه بالقول: “نعلمكم أننا أمام مرحلة جديدة حيث إننا بدأنا فعليًا بإجراءات السيطرة على غزة، ونعلمكم أننا لن نرفع العقوبات عن غزة في الوقت الحالي، وسنتابع تمكين الحكومة خطوة بخطوة لنتفهم جميعًا خصم الرواتب إلى حين الانتهاء من كل الإجراءات التي من خلالها سنسيطر على قطاع غزة، وسيأخذ منا ذلك ما يقارب عامين”.

وتابع: “في قضية التعامل مع قطاع غزة نعلمكم أنه سيكون على غرار التعامل مع الضفة الغربية، حيث هناك التزامات أمنية  مطلوب الالتزام بها حتى نحمي الشرعية، سنبقى مصرين على مطلب توحيد السلاح تحت راية الشرعية إلى حين التخلص من سلاح الميليشيات والجماعات الارهابية في قطاع غزة”.

ويواصل حديثه بالقول: “مسألة حماس وإخضاعها يستلزم نزع أوراق القوة من يدها، حماس اليوم تمتلك ورقة ضغط قوية أمام الرئيس أبو مازن على صعيد إقليمي ودولي وهي قضية الجنود الإسرائيليين الموجودين لديها والتي خطفتهم خلال حرب 2014، وعلينا أن نسعى بكل جهدنا وكل إمكاناتنا والطلب من كل عناصرنا من أجل معرفة أي معلومة حول هؤلاء الجنود”.

وشدد اللواء فرج على أنه “يجب ألا نسمح لحماس بإنجاز صفقة تحرير أسرى وحدها، يجب أن يكون لنا يد في القضية، وأنتم من سيساعدنا بتحديد الأماكن التي يوجد بها الجنود الإسرائيليون وفي التزاماتنا الأمنية مع الجانب الإسرائيلي وتعليمات القيادة الشرعية”.

وفي جزء آخر من الوثائق المسربة يدور حوار بين رئيس الجهاز والمديرين، على النحو التالي:

مدير الجهاز في خانيونس: الأخ رئيس الجهاز أبو بشار ما تقدمتم به جيد، لكنه سيشكل خطرًا على حياتنا من القسام لو انكشف الأمر، خاصة أن لديهم مصادر أمنية قوية.

رئيس الجهاز: لا داعي للقلق اعتمدوا على العناصر الموثوق فيهم ولا توسعوا دائرة التكليف.

مدير محافظة الشمال: نقدر موقف السيد الرئيس أبو مازن، ويجب أن تعلم حماس قوة السلطة لكن ماذا بشأن تفاهمات حماس مع دحلان.

رئيس الجهاز: علينا ألا نقلق من هذه التفاهمات فنحن لا نعترف بها، والرئيس أبو مازن سيتخذ عدة إجراءت لمنع هذه التفاهمات ولن يكون هناك مصالحة دون أن تعلن حماس انسحابها من تلك التفاهمات، والعقوبات المفروضة على غزة مستمرة طالما لدحلان قدم في القطاع. انتهى

Image may contain: text  Image may contain: text

صور من الوثيقة

انقلاب فتحاوي وشيك

محتويات الوثيقة تشكل في مجملها ما يمكن أن يعتبر انقلابًا وشيكًا تستعد له حركة فتح يعيد إليها السلطة في قطاع غزة، بعد نحو 10 أعوام من سيطرة حماس على القطاع إثر أحداث الحسم العسكري، التي وصفتها فتح حينها بالانقلاب.

ولعل مقدمة الاجتماع التي تظهر في الوثيقة، تكشف ذلك، عندما يقول رئيس مخابرات السلطة للمديرين إن إجراءات عباس في غزة تهدف إلى “عودة غزة لأحضان الشرعية”.

كلمة “الشرعية” في حد ذاتها تشير إلى عدم اعتراف فتح بسلطة حماس على القطاع رغم سيطرتها، فهي تراها غير شرعية حتى اللحظة، رغم اللقاء الودي الذي وُقع خلاله على اتفاق المصالحة بالقاهرة.

“لن نرفع العقوبات عن غزة في الوقت الحالي”، هذه العبارة في حد ذاتها على لسان “فرج” كفيلة بنسف اتفاق المصالحة من أساسه، حيث نص في صدارة بنوده على رفع كافة الإجراءات العقابية التي اتخذها عباس بحق القطاع.

وفي مقدمة تلك الإجراءات فصل موظفين تابعين للسلطة، وخفض الرواتب، ووقف دفع مخصصات السولار الذي يشغل محطات الكهرباء بالقطاع.

البدء في إجراءات السيطرة على غزة، ومتابعة خطوات التمكين للسلطة في القطاع، عبارات كانت حاضرة بقوة في الوثيقة، وتخفي في طياتها استعدادًا للوثوب على فريسة، وليس مجرد تهدئة الأوضاع وحكم غزة باعتبارها جزءا من أراضي فلسطين.

هنا يبدو أن فتح لا تزال تشعر بأنها تعرضت لصفعة قوية أهينت فيها كرامتها كحركة مسلحة في المقام الأول، عندما طُردت مهزومة من القطاع في 2006، على وقع تصاعد الاشتباكات بين الطرفين.

وعليه ترغب فتح في استعادة كرامتها، وانتزاع السلطة بالقوة وليس باتفاق المصالحة القاضي بنشر نحو 3 آلاف من عناصر الشرطة التابعين للسلطة.

هذه الخطة لا تمثل انقلابًا على الأوضاع في غزة فقط، لكنها تشكل انقلابًا آخر على اتفاق المصالحة، الأمر الذي ينسحب أيضًا على الجانب المصري صاحب الدور الأبرز في الوساطة التي انتهت بتوقيع الاتفاق.

وتكشف الوثيقة عن نية لدى فتح في تكرار نموذج التنسيق الأمني بين السلطة والاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية، داخل قطاع غزة، الأمر الذي يصطدم بموقف حماس من الاحتلال الرافض لأي تنسيق مع الاحتلال سواء بالضفة أو غزة.

وتقود تفاصيل الاجتماع إلى الموضوع الشائك بشأن سلاح المقاومة الفلسطينية وفي القلب منها كتائب القسام الجناح العسكري لحماس، فيبدو أن السلطة ليست مصرة فقط على توحيد السلاح تحت ما تسميه “راية الشرعية”، بل إنها تسعى عازمة لنزع سلاح المقاومة.

ليس هذا فحسب، بل إن رئيس جهاز المخابرات وصف كتائب القسام والمقاومة بشكل عام بأنها “ميليشيات وجماعات إرهابية”.

هذا التوجه الفتحاوي، لا يصطدم بإصرار حمساوي على عدم طرح الأمر للنقاش فحسب، بل يمتد لموقف مصري رافض لمجرد طرح الموضوع قبل حل القضية الفلسطينية ككل.

Image result for ‫السنوار‬‎

السنوار

Related image

دحلان

Image result for ‫ابو مازن‬‎

أبو مازن

إخضاع حماس وتنحية دحلان

جزء آخر من الوثيقة، يكشف أبعادًا أخرى للخطة الفتحاوية، يبدو أنه الأخطر في الحوار الذي دار، حيث نص على “إخضاع حماس” و”نزع” أوراق القوة لديها.

ولعل السلطة تثبت من خلال هذه الكلمات أن نواياها للمصالحة مع حماس ليست صادقة، بل إنها ترى قطاع غزة فريسة آن أوان الانقضاض عليها، حتى لو وصل الأمر إلى تدمير أي صفقة للأسرى التي تدخل فيها مصر كوسيط، بل ومبادر أيضًا بحسب ما أعلنه يحيى السنوار رئيس المكتب السياسي لحماس داخل قطاع غزة في وقت سابق.

وبحسب الوثيقة، فإن فتح ترى أن تلك هي نقطة القوة الأبرز في يد حماس، والتي يجب نزعها قبل الحديث عن محاولات إخضاع الحركة.

“يجب ألا نسمح لحماس بإنجاز صفقة تحرير أسرى لوحدها”.. هكذا قال رئيس مخابرات السلطة، وفسر حديثه بضرورة أن تبذل أذرع الجهاز أقصى طاقاتها لتحديد الأماكن التي يتواجد بها الجنود الإسرائيليون الأسرى لدى حماس أو معرفة أية معلومات عنهم.

هذه النقطة تحديدًا تكشف تنسيقًا كبيرًا يتم بين السلطة والاحتلال لإجلاء مصير هؤلاء الجنود، حيث استتبع رئيس المخابرات طلبه هذا بالقول “وفق التزاماتنا الأمنية مع الجانب الإسرائيلي”.

الأمر يضع علامات استفهام لا نهائية حول موقف فتح الملتبس، ففي الوقت الذي تصالح فيه حماس، تنسق مع الاحتلال بشكل مفضوح لتدمير ورقة القوة ربما الوحيدة بيد الحركة في وجه الاحتلال على الصعيدين الإقليمي والدولي.

على جانب متصل، ربطت السلطة الفلسطينية من خلال الوثيقة بين المضي قدمًا في المصالحة الوطنية مع حماس ورفع العقوبات المفروضة على غزة، وبين إعلان الحركة انسحابها من التفاهمات الأمنية التي جرت في وقت سابق بين الطرفين برعاية مصرية.

Image result for ‫رئيس المخابرات المصرية‬‎

إسماعيل هنية مع رئيس المخابرات المصرية

الجميع يترقب مصر

وتبدو مصر هي الغائب الحاضر في هذه الوثيقة، حيث يمسها الأمر بشكل مباشر من عدة جهات.

فالمصالحة التي نسفتها الوثيقة عمليًا تمت برعاية مصرية، أكدت عزم القاهرة على عدم الرجوع للخلف، ودخلت مصر في هذا الملف بقوتها حتى استطاعت أن تنجز اتفاقًا ربما لن ترضى بنسفه بهذه السهولة، فضلًا عن رعايتها للتفاهمات بين حماس ودحلان، وطرحها تصورا لاتفاقية تبادل أسرى مع إسرائيل وافقت عليه حماس.

فهل يمكن أن تقلب مصر الطاولة على عباس وتصر على موقفها الداعم لتحقيق المصالحة، ورفع الحصار عن غزة، وتحفظ مكانتها ودورها الذي لعبته على مدار أشهر انتهى بهذا المشهد؟.

أم أن الأمر يشير لخطة محكمة تلعب مصر فيها دورًا مشبوهًا ذا أوجه متعددة، بحيث تظهر لحماس وجه الحريص على تحقيق المصالحة وعدم نزع سلاح المقاومة وحل القضية الفلسطينية برمتها، بينما يشارك الوجه الخفي في خطط ومؤامرات تحاك ضد الحركة في السر؟.

ومن غير المستبعد أن يكون السيناريو الثاني هو المرجح، في ظل أحاديث متواترة عن خطة لضم 600 كيلو متر من سيناء تضاعف مساحة قطاع غزة 3 مرات، ونقل الفلسطينيين إليها، مقابل منح مصر المساحة ذاتها من صحراء النقب فى جنوب الأراضي المحتلة، مقابل إخلاء الضفة الغربية للاحتلال.

وقد تكون تلك الخطة هي ما تحدث عنها الرئيس عبدالفتاح السيسي في تصريح أدلى به خلال زيارته إلى أمريكا ولقائه ترامب في أبريل الماضي، حينما قال: “ستجدنى بكل قوة ووضوح داعمًا لأى مساعٍ لإيجاد حل للقضية الفلسطينية في صفقة القرن، ومتأكد أنك تستطيع أن تحلها”.