تغيير حجم الخط ع ع ع

 

مفارقة صادمة أن أشهر 11 انقلابا عسكريا ناجحا في التاريخ وقعوا كلهم في شهر يوليو، الشهر الأكثر سخونة في العام من ناحية الطقس، ومن ناحية العمل السياسي أيضًا، إذ إن صاحب التسمية نفسه، الإمبراطور الروماني يوليوس قيصر (12 يوليو 100 ق.م – 15 مارس 44 ق.م)، والذي سُمي الشهر تيمنا باسمه، قد قُتل في انقلاب وقع في الشهر السابع من السنة، بعد أن قام عدد من قياداته بطعنه عدة طعنات في مقر مجلس الشيوخ الروماني الشهير.

ومن المثير أن نصف الانقلاب العسكرية الناجحة في هذا الشهر كان عربيا، ومن بين الدول العربية تحتل مصر رصيد الصدارة بواقع انقلابين نجحا بالفعل في الإطاحة بالحكومات القائمة، وكان آخره ما تعيش مصر تحته بالفعل الآن وهو انقلاب قائد الجيش عبد الفتاح السيسي على أول رئيس مصري منتخب عبر التاريخ الحديث، الرئيس الراحل محمد مرسي.

البداية من مصر عام 1952 والنهاية في مصر أيضًا عام 2013، فأول انقلابات يوليو التي نجحت كانت في 23 يوليو 1952، وهو الانقلاب الذي نفذته مجموعة من ضباط الجيش أطلقوا على أنفسهم تنظيم “الضباط الأحرار”، بقيادة اللواء محمد نجيب، ونجحوا في الإطاحة بالملك فاروق وطرده خارج البلاد، ثم نشب صراع بين نجيب وجمال عبد الناصر على السلطة بعد أن رأى الأول ضرورة تسليم الحكم لسلطة مدنية منتخبة بينما عارضها الثاني الذي أصبح فيما بعد أول حاكم عسكري في تاريخ البلاد.

وفي الرابع عشر من يوليو 1958، وقع انقلاب ناجح في العراق، عرف أيضًا بثورة “تموز”، وهو الانقلاب الذي أطاح بالمملكة العراقية الهاشمية التي أسسها الملك فيصل الأول تحت الرعاية البريطانية، وقتل إثره جميع أفراد العائلة المالكة، وعلى رأسهم الملك فيصل الثاني وهو ابن 23 عامًا، وولي العهد عبد الإله، ورئيس الوزراء نوري السعيد، وإثر ذلك تم تأسيس الجمهورية العراقية.

وتأكيدا على المؤكد، وقع في السابع عشر من يوليو عام 1968، انقلاب أطيح على إثره بنظام الرئيس عبد الرحمن عارف، وتولى السلطة حزب البعث العربي الاشتراكي، بما تعرف “بالثورة البيضاء” بقيادة أحمد حسن البكر، ونائبه صدام حسين، وذياب العلكاوي، وتم على إثره تأسيس الجمهورية البعثية في العراق وتولى صدام حسين رئاسة البلاد.

وفي الجزائر حاز شهر يوليو على لقب أول انقلاب في البلاد، والذي وقع بتاريخ 22 يوليو 1962 ضد الحكومة المؤقتة التي كان يقودها بن يوسف بن خدة، وقاد الانقلاب آنذاك أحمد بن بلة وانتهى بنجاح عام 1965، بتولي أحمد بن بلة منصب الرئاسة الجزائرية في احتفالية لم يحضرها سوى رئيس الوزراء الصيني شو إن لاي في الجزائر العاصمة.

وفي أفريقيا الوسطى، حلت بوروندي على القائمة، وذلك بانقلاب ناجح في الثامن من يوليو 1966، قاده النقيب ميشال موكيمبيرو على الملك “نتاري الخامس”، ليكون بذلك أول انقلاب في بوروندي اشتهر بحكمه الدكتاتوري، وارتكابه العديد من أعمال القتل بحق الآلاف، وحكم البلاد حتى عام 1976.

وبعيدا إلى أفغانستان التي شهدت في السابع عشر من يوليو 1973 (بينما كانت مصر تخوض حرب التحرير ضد الاحتلال الصهيوني وتحشد الدعم العربي والإسلامي حول العالم) انقلاب عسكري قاده محمد داود خان أطاح بالحكم الملكي في البلاد بقيادة محمد ظاهر شاه، وأعلن قيام الجمهورية الأفغانية.

وفي قبرص اليونانية، شهد شهر يوليو عام 1974، وبالتحديد في منتصف الشهر تماما، انقلابا عسكريا أدى إلى عزل الرئيس “مكاريوس” من منصبه، مما دفع الجيش التركي للدخول إلى شمال الجزيرة لحماية القبارصة الأتراك في 20 يوليو، وانقسمت الجزيرة إلى دولتين: قبرص الرومية وقبرص التركية، وظلت على هذا الوضع حتى الآن.

وفي باكستان، حل انقلاب الخامس من يوليو 1977 ضمن القائمة، وهو الانقلاب الذي نفذه الجنرال محمد ضياء الحق ضد حكومة “ذو الفقار علي بوتو” مؤسس حزب الشعب الباكستاني، وعلى إثره أصبح ضياء الحق رئيسا للبلاد في سبتمبر من العام 1978، وفي العام التالي أقدم على إعدام بوتو.

ومن الطبيعي أن يكون شهر يوليو حاضرا بانقلاباته في بلد مثل موريتانيا التي لم تشهد استقرارا سياسيا منذ الاستقلال عن الاحتلال الفرنسي في نوفمبر عام 1960، وبعد 18 عاما عاشتها نواكشوط في ظل حكومة مدنية، قرر العقيد المصطفى ولد السالك صباح العاشر من يوليو لعام 1978 وضع نهاية لسنوات حكم المختار ولد داداه وبداية حكم العسكر في البلاد.

وفي أفريقيا مجددا، وغير بعيد عن بوروندي التي ظلت قابعة في حكم عسكري دام لسنوات، إلى أن لحقت بها الجارة غامبيا في 22 يوليو لعام 1994، حين تمكن الرئيس الغامبي السابق يحيى جامع من الوصول إلى الحكم عبر انقلاب عسكري عام 1994، وتم انتخابه رئيسًا للجمهورية بعد عامين على نحو ما حدث في النموذج المصري للانقلاب عام 2013 والذي انتهى بتولي السيسي رئاسة البلاد بعدما أطاح بالرئيس المنتخب محمد مرسي.

وقبل أن تضع القائمة أوزارها في مصر، بانقلاب السيسي، لتبدأ انقلابات يوليو في مصر وتنتهى فيها، جاءت قرارات الرئيس التونسي قيس سعيد بالانقلاب الدستوري على البرلمان والحكومة، وإعلانه تقويض تجربة الثورة التونسية التي كانت شرارة انطلاق الربيع العربي في 2010، لتكون منها البداية، وفيها النهاية لأكبر ثورة شعبية عربية شهدتها المنطقة منذ تاريخ استقلال جمهورياتها عن الاستعمار الأوروبي.