تغيير حجم الخط ع ع ع

 

تغرب شمس أحلام التصدر والنفوذ الآن فوق الإمارات، وتجد الإمارة المتناهية الصغر على خريطة العالم نفسها تعود شيئا فشيئا إلى حجمها الطبيعي بعد سنوات من التضخم المتوهم، أفسدت خلاله لحظات فارقة من انتزاع الحرية في المنطقة العربية، تاركة في صفحة التاريخ بثورا سوداء مليئة بالحقد والإفساد والدم والدمار.

وكالة “بلومبيرغ” (Bloomberg) الأميركية أفادت مطلع هذا الأسبوع بأن الإمارات تعمل على تقليص دورها في الصراعات الخارجية، وتسرع وتيرة التخلي عن السياسات التي اتبعتها بعد الربيع العربي عام 2011. ونقلت الوكالة في مقال لها عن 5 مصادر مطلعة قولها إن الإمارات خفضت بشكل ملموس الدعم العسكري واللوجيستي إلى قوات اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر الخاسر في ليبيا.

وأضافت الوكالة أن الإمارات تقوم أيضا بتفكيك أجزاء من قاعدتها العسكرية في ميناء عصب بإريتريا، وتقوم بإجلاء قوات ومعدات كانت تستخدمها لدعم التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن. وربطت بين هذا التحرك ووصول الرئيس الأميركي جو بايدن إلى البيت الأبيض الذي كان قد أشار إلى أنه سيكون أقل تسامحا مع انخراط حلفاء الولايات المتحدة في صراعات تقوض أهداف واشنطن؛ وما يعنيه ذلك من إعادة ضبط العلاقات مع الحلفاء الخليجيين.

الشر مستمر

لكن الوكالة عادت ونوهت إلى أن ذلك الانحسار لا يعني توقف الإمارات عن العبث بأمن الدول المجاورة، وإنما فقط تغيير في الطريقة من التدخل المباشر إلى البحث عن ذمم قابلة للشراء، حيث يرى محللون -وفقا للوكالة- أن أبو ظبي تعيد تقييم أساليبها، وتميل أكثر نحو الدبلوماسية، والعمل من خلال وكلاء محليين.

وفي السياق نفسه، قال الخبير السياسي في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية طارق مجريسي لوكالة بلومبيرغ إن هناك إدارة جديدة في الولايات المتحدة، والإماراتيون بحاجة إلى تصحيح المسار. وأضاف مجريسي -في إشارة إلى ترشح أبو ظبي لمقعد غير دائم للفترة 2022-2023- أنها بحاجة إلى توخي الحذر بشأن صورتها، خاصة في العام الذي تتطلع فيه إلى الانضمام لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

من جهته، يرى الأستاذ المساعد في كلية كينغز لندن ديفيد روبرتس أن حساب المخاطر بالنسبة للإمارات تغير، خاصة مع احتمال تبني إدارة بايدن ردودا ومواقف أكبر، سواء في ما يتعلق باليمن أو خرق العقوبات في ليبيا، حسب المصدر نفسه.

صدام مبكر

وفور استلام بايدن رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، ألغت إدارته الجديدة آخر قرار اقتصادي اتخذه الرئيس السابق، دونالد ترامب، في آخر يوم من رئاسته بشأن الإمارات. وقال البيت الأبيض إن الرئيس الأمريكي، جو بايدن، يعتزم الإبقاء على الرسوم الجمركية على واردات الألمنيوم من الإمارات.

وقال البيان : “أرى أن من الضروري والمناسب في ضوء مصالح أمننا القومي أن نبقي في هذا الوقت على الرسوم الجمركية المطبقة على واردات الألمنيوم من الإمارات العربية المتحدة”. وفي عام 2018، رفع ترامب قيمة الرسوم على واردات بلاده من الصلب والألمنيوم، لكنه عاد وألغاها عام 2019، ليرفعها مجددا في عام 2020.

وأعفى ترامب قبل تنصيب بايدن الإمارات من رسوم جمركية تبلغ 10 بالمئة فُرضت على معظم واردات الألمنيوم في 2018. ومنح ترامب الإعفاء بعد فترة وجيزة من إعلان الإمارات “شريكا أمنيا رئيسيا” وتوقيع اتفاق لبيع 50 طائرة مقاتلة من طراز إف-35.

مقاومة شرسة

توتر العلاقات بين أبوظبي وعدد من الدول التي تتوغل فيها بدا واضحا للعيان، والذي بدت ملامحه أكثر عنفا مع  الصومال الذي كشفت صحوته مؤخرا لدول إقليمية أخرى ملامح “الفخ” الذي وقعت فيه حكومات تلك الدول، كما كشف للعالم النوايا الاستعمارية والاطماع التوسعية لأبوظبي، ونبه دول المنطقة لنوايا الإمارات الحقيقية ما يشير إلى سعي هذه الدول في المستقبل القريب لمواجهة نفوذ أبوظبي وطردها من دولهم كما حدث في الصومال، وهو ما سيُفقد الإمارات مليارات الدولارات التي انفقت خلال السنوات الخمس الماضية للسيطرة على نقاط ملاحية مهمة في المنطقة.

تقول أريان ريمي، أستاذة السياسة بجامعة “السوربون” الفرنسية إن الأزمة الأخيرة بين أبوظبي ومقديشو كشفت أبعادا كثيرة لمطامع الإمارات في أفريقيا سواء في دول الشرق أو الغرب الأفريقي، حيث بدأت الإمارات مخططها التوسعي في أفريقيا منذ أوائل عام 2014، حيث تدخلت في الصومال وجيبوتي والسودان وليبيا ومصر، ربما شجعها على ذلك النجاح الذي حققته في مصر بتصعيد نظام مبارك القديم والإطاحة بحكم جماعة الإخوان والانقلاب على الرئيس الشرعي في مصر الدكتور محمد مرسي.

وأيضا تكرار نفس التجربة في تونس والإطاحة بحزب النهضة ودعم الرئيس التونسي الحالي في مواجهة الرئيس السابق المنصف المرزوقي، وتوسعت في الوقت نفسه في جيبوتي والصومال وليبيا والسودان وإريتريا ونيجيريا وفي غرب إفريقيا في موريتانيا والسنغال وبوركينا فاسو وغينيا، وهذا التوسع أو بالأحرى الاحتلال تم تحت شعارات ولافتات براقة وانسانية هي “دعم التنمية في هذه الدول”، فسيطرت على نقاط بحرية هامة من هذه الدول، ففي مصر أخذت من نظام السيسي مقابل دعمها له بالسيطرة على موانئ السويس والإسماعيلي.

وعلى ممر قناة السويس الرابط بين البحر الأحمر والبحر والمتوسط، كما سيطرت بثمن بخس على نقاط في ميناء الاسكندرية على البحر الأبيض المتوسط، والأمر نفسه في ليبيا الذي سيطرت على أهم الموانئ فيها، وفي تونس وفي المغرب كررت نفس الأمر، واستولت على أجزاء مهمة من موانئها، خاصة ميناء طنجة في شمال المغرب في النقطة المطلة على مضيق جبل طارق، لكنها لم تستطع أن تسيطر على الحياة السياسية هناك.

وفي السودان حاولت توسيع نفوذها السياسي بتجنيد السياسيين التابعين لها ولبسط نفوذها وسيطرتها على الموانئ لكنها فشلت فيما ترمي إليه إلا بشكل جزئي وبسيط للغاية، وفي الصومال استغلت الأزمات الداخلية وضعف النظام نتيجة الصراعات والنزاعات وسيطرت على قبائل وسياسيين نافذين منذ عام 2014 وحتى أول العام الجاري.

وكررت الأمر في جيبوتي وفي السنغال وموريتانيا واليمن وارتيريا وبوركينا فاسو، كل هذا من أجل توسيع نشاط شركة “دبي القابضة للموانئ” والسيطرة على الممرات الملاحية بشكل كامل، وهي خطة رسمتها أبوظبي قبل عام 2010 وبدأت في تنفيذها بشكل ملحوظ، ونجحت خلال 8 سنوات في السيطرة على نقاط ملاحية مهمة جدا، على طول سواحل البحر الأحمر والمتوسط والمحيط الهندي والأطلنطي.

غرور متضخم

وتسبب الغرور المسيطر على النظام الإماراتي في أنها تخلت عن الحذر في التعامل مع الأنظمة السياسية في هذه الدول لدرجة استفزت النظام السوداني والجيبوتي والصومالي فتصدوا بحزم للامتداد “الاستعماري” للإمارات وطردوا شركة موانئ دبي وطهروا انظمتهم من أعوان وجواسيس أبوظبي وكشفوا لمجلس الأمن والأمم المتحدة هذه المخططات.

وبعد افتضاح أمرهم، من المقرر أن يتراجع نفوذ أبوظبي نهائيا خلال الأيام القادمة في العديد من دول أفريقيا لتخسر أبوظبي مليارات الدولارات التي أنفقتها في سبيل تنفيذ مخطط السيطرة على النقاط البحرية الهامة في طريق الملاحة الدولي، الى جانب القواعد العسكرية التي أقامتها لحماية مصالحها.

والأمر نفسه فعلته في العديد من الدول في إفريقيا من أجل هدف وحيد هو السيطرة على الطرق الملاحية، وحتى نزاع أبوظبي مع باكستان مؤخرا كان الدافع وراؤه هو إجهاض مشروع خط الحرير التجاري الذي تنفذه الصين وهو ما تعتبره أبوظبي تهديدا لمخططها، وطموحها في المستقبل القريب بعد خسارة أبوظبي لجميع مكاسبها في إفريقيا والعودة الى المربع صفر تقريباً، وخسارة كل المكاسب التي حققتها خلال السنوات الخمسة الماضية، وهو ما ينبئ بإقدام نظام أبوظبي على ارتكاب المزيد من التهور الذي سيكون ثمنه باهظا، وسيؤثر بشكل كبير على الامارات سياسيا واقتصاديا وعسكريا.