أعلنت الحكومة البريطانية تحولاً مهماً في سياستها تجاه إسرائيل، بعدما انتقلت من إدانة الاستيطان واعتباره مخالفاً للقانون الدولي إلى إعداد إجراءات اقتصادية تستهدف البنية التجارية والمالية التي تسمح للمستوطنات بالتوسع والاستمرار. وتشمل الخطة حظر استيراد منتجات المستوطنات، ومنع الترويج للعقارات المقامة على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفرض عقوبات على الشركات والأفراد الذين يمولون بناء المستوطنات أو يقدمون إليها خدمات البناء والبنية التحتية والتمويل والتسويق العقاري.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأن وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند لم يكتف بوصف المستوطنات بأنها غير قانونية، وإنما أعلن أمام مجلس العموم أن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير قانوني، واتهم من سماهم «إرهابيي المستوطنين» بتنفيذ تطهير عرقي بحق الفلسطينيين في مناطق من الضفة الغربية، مؤكداً أن الحكومة الإسرائيلية تغض الطرف عن هذه الجرائم وأن أعضاءً فيها يدعمون التهجير القسري.
يضع الموقف البريطاني للمرة الأولى ثمناً اقتصادياً محتملاً للمشاركة في الاحتلال، فلا يعود تمويل المستوطنات أو تأمينها أو بناء الطرق والمنازل داخلها نشاطاً تجارياً عادياً يمكن للشركات ممارسته من دون عواقب، وإنما يصبح سبباً للتعرض للعقوبات وخسارة المصالح الموجودة في بريطانيا. وإذا نُفذت الإجراءات بصورة شاملة، فسوف تمتد آثارها إلى البنوك وشركات التأمين والمقاولات والعقارات الإسرائيلية التي توفر للمشروع الاستيطاني المال والضمانات والخدمات الضرورية لاستمراره.
ماذا قالت بريطانيا عن الإرهاب الاستيطاني؟
في خطاب رسمي أمام مجلس العموم في 8 سبتمبر 2026، عرض ميليباند أرقاماً توضح حجم التوسع الاستيطاني الذي شهدته الأراضي الفلسطينية خلال العقود الماضية. فقد ارتفع عدد المستوطنين من نحو 270 ألفاً عند توقيع اتفاق أوسلو عام 1993 إلى قرابة 770 ألفاً حالياً، كما وافقت الحكومة الإسرائيلية خلال السنوات الأربع الأخيرة على مستوطنات تفوق ما أُقر خلال الأعوام العشرين السابقة.
رافق هذا التوسع تصاعد غير مسبوق في اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين، حيث نقل ميليباند عن الأمم المتحدة تسجيل ستة هجمات عنيفة في المتوسط كل يوم خلال العام الجاري، وهو أعلى معدل مسجل حتى الآن. ومنذ عام 2023، أُخليت 65 تجمعاً فلسطينياً بالكامل، وطُرد أكثر من أربعة آلاف فلسطيني من منازلهم بسبب اعتداءات المستوطنين وإجراءات السلطات الإسرائيلية.
تشمل هذه الاعتداءات هدم المنازل وتدمير الطرق والمرافق العامة والاستيلاء على الأراضي واقتلاع أشجار الزيتون وسرقة المواشي ومحاصرة القرى وحرمان أصحاب الأرض من الوصول إليها، وغالباً ما تجري بحماية الجيش أو بحضور الشرطة الإسرائيلية. وفي قرية المغير، التي استشهد فيها فتيان بعد دخول مستوطنين برفقة قوات الشرطة والجيش، أصبح السكان محاصرين داخل مساحة تتقلص باستمرار، فيما مُنع المزارعون من الوصول إلى أراضيهم وتعرضت ممتلكاتهم للنهب والتخريب.
بناءً على هذه الوقائع، أعلنت الحكومة البريطانية أن ما يحدث في أجزاء من الضفة الغربية يمثل تطهيراً عرقياً ينفذه إرهابيون من المستوطنين، وأن مسؤولية الحكومة الإسرائيلية لا تتوقف عند الفشل في منع الجرائم، لأن مسؤولين داخلها شجعوا التهجير القسري وقدموا الغطاء السياسي للمستوطنين.
يمثل استخدام الحكومة البريطانية تعبير «إرهاب المستوطنين» تحولاً سياسياً واضحاً، لأنه ينقل الاعتداءات من خانة الحوادث الفردية أو النزاعات المحلية التي اعتادت الحكومات الغربية استخدامها إلى سياقها المنظم، بوصفها وسيلة لنشر الخوف وطرد السكان الفلسطينيين والاستيلاء على أراضيهم وإحلال المستوطنين مكانهم.
مشروع E1 فجّر التحول البريطاني
جاء التحرك البريطاني بعد قرار إسرائيل طرح عطاءات لبناء أكثر من 1200 وحدة استيطانية في منطقة E1 الواقعة بين القدس المحتلة ومستوطنة معاليه أدوميم. ووصف ميليباند إصدار هذه العطاءات بأنه تجاوز لـ«خط أحمر» ظل قائماً لسنوات بسبب الخطورة السياسية والجغرافية للمشروع.
لا يمثل E1 مشروعاً سكنياً منفصلاً، لأنه يقع في منطقة استراتيجية تسمح لإسرائيل بربط مستوطنة معاليه أدوميم بالقدس المحتلة، وفصل القدس الشرقية عن امتدادها الفلسطيني، وقطع التواصل الجغرافي بين شمال الضفة الغربية وجنوبها. كما يهدد المشروع التجمعات البدوية الفلسطينية المحيطة بالمنطقة، ومنها الخان الأحمر، بالإخلاء والتهجير.
عبّر وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش عن الغرض الحقيقي من المشروع عندما قال إنه يستهدف «دفن فكرة الدولة الفلسطينية». وقد تبنت الحكومة البريطانية التقييم نفسه، مؤكدة أن تنفيذ E1 سيزرع المستوطنات في قلب الأراضي الفلسطينية ويجعل إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً أمراً غير قابل للتطبيق.
بهذا المعنى، أصبح E1 بالنسبة إلى لندن دليلاً على أن الحكومة الإسرائيلية لم تعد تستغل غياب التسوية لتوسيع المستوطنات تدريجياً، وإنما تعمل على خلق واقع دائم يمنع التسوية نفسها ويحول الاحتلال إلى ضم فعلي للأرض الفلسطينية.
إعلان الاحتلال الإسرائيلي غير قانوني
كانت بريطانيا تصف المستوطنات الإسرائيلية منذ سنوات بأنها غير قانونية، لكنها تتجنب إصدار موقف رسمي واضح بشأن قانونية الاحتلال بأكمله. وقد أنهى ميليباند هذا الغموض بإعلانه أن الموقف الرسمي للحكومة البريطانية يعتبر الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير قانوني.
استندت لندن في ذلك إلى الرأي الاستشاري الذي أصدرته محكمة العدل الدولية عام 2024، والذي خلص إلى عدم قانونية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وطالب إسرائيل بإنهائه بأسرع ما يمكن ووقف النشاط الاستيطاني وتعويض الفلسطينيين عن الأضرار الناجمة عن ممارساتها غير القانونية.
لا تقتصر أهمية الموقف البريطاني على صياغته القانونية، لأن الاعتراف بعدم قانونية الاحتلال يفرض سؤالاً على الحكومة والشركات والمؤسسات المالية البريطانية حول علاقتها الاقتصادية به. فإذا كان الاحتلال غير قانوني، فلا يمكن استمرار استيراد منتجات مستوطناته أو تمويل مشاريعها أو الإعلان عن عقاراتها وكأنها أنشطة تجارية مشروعة.
وعلى هذا الأساس، أعلنت الحكومة أن موقفها القانوني الجديد سينعكس على طبيعة العلاقات الاقتصادية التي تسمح بها مع الأراضي المحتلة، وأن الأموال والخدمات البريطانية لن تبقى متاحة لمن يرسخ الاحتلال أو يوسع المستوطنات.
حظر منتجات المستوطنات
تعتزم الحكومة البريطانية فرض حظر على استيراد السلع المنتجة أو المزروعة داخل المستوطنات الإسرائيلية المقامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وبذلك لن تكتفي لندن بوضع علامة توضح منشأ السلعة، وإنما ستمنع دخولها إلى الأسواق البريطانية.
من المتوقع أن يشمل الحظر المنتجات الزراعية والغذائية والصناعية وغيرها من السلع القادمة من المستوطنات، مع استثناءات دينية مناسبة لم تكشف الحكومة تفاصيلها بعد. كما اتفقت بريطانيا وفرنسا وكندا على تقديم إجراءات وطنية لحظر تجارة منتجات المستوطنات، ضمن تحرك أوسع تشارك فيه 12 دولة.
ويضم البيان الوزاري المشترك كندا والدنمارك وفنلندا وفرنسا وأيسلندا وأيرلندا والنرويج وبولندا والبرتغال وإسبانيا والسويد وبريطانيا. وأكدت الدول المشاركة نيتها فرض قيود وطنية أو دعم تدابير أوروبية ضد تجارة المستوطنات، رداً على العنف المتصاعد ومشروع E1 ومحاولات ضم الأرض وتهجير الفلسطينيين.
يمثل حظر المنتجات ضربة سياسية للاحتلال ورسالة بأن المستوطنات لا تشكل جزءاً من إسرائيل ولا يحق لها الاستفادة من المعاملة التجارية الممنوحة للسلع الإسرائيلية. ويعيد الحظر رسم الخط الأخضر الفاصل بين الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1948 والأراضي الفلسطينية التي احتلتها عام 1967، بعد سنوات سعت خلالها الحكومات الإسرائيلية إلى محو هذا الفارق ودمج اقتصاد المستوطنات داخل الاقتصاد الإسرائيلي.
تبقى القيمة المباشرة لتجارة منتجات المستوطنات محدودة مقارنة بإجمالي الصادرات الإسرائيلية، كما أن الدعم الحكومي الكبير الذي تحصل عليه المستوطنات يعني أن حظر السلع وحده لن يوقف التوسع. ولذلك تكمن الخطوة الأهم في استهداف الشركات والمؤسسات المالية التي تجعل البناء ممكناً.
البنوك والشركات أمام اختيار صعب
أعلنت بريطانيا أنها ستفرض عقوبات على الشركات والأفراد الذين يقدمون خدمات البناء أو البنية التحتية أو التمويل أو العقارات لمشاريع التوسع الاستيطاني. ويدخل ضمن ذلك المقاولون والمطورون والشركات التي تسوق العقارات والمؤسسات التي تقدم التمويل أو الضمانات اللازمة لتنفيذ المشاريع.
تستطيع هذه الإجراءات الوصول إلى البنية العميقة للاقتصاد الاستيطاني، لأن الشركات التي تتقدم لتنفيذ العطاءات الحكومية تحتاج إلى ضمان مالي من بنك أو مؤسسة مالية إسرائيلية. ومن دون تلك الضمانات لا تستطيع الشركات بدء البناء أو تمويل المشروع.
إذا طُبقت العقوبات وفق نطاق واسع، فقد تجد البنوك وشركات التأمين الإسرائيلية الكبرى نفسها أمام اختيار مباشر بين استمرار عملها مع المشاريع الاستيطانية والحفاظ على أعمالها ومصالحها وعلاقاتها المالية في بريطانيا. ولا يقتصر الأمر على فروع البنوك الموجودة داخل المستوطنات، لأن المؤسسة التي تمول مشروعاً استيطانياً أو تضمن تنفيذه قد تصبح هدفاً للعقوبات حتى لو كان مقرها الرئيسي داخل الخط الأخضر.
يمكن للعقوبات البريطانية أن تجمد أصول الشركات المستهدفة داخل المملكة المتحدة، وتحرمها من التعامل مع أشخاص ومؤسسات بريطانية، وتقطع وصولها إلى الخدمات المالية والتأمينية والاستشارية المرتبطة بالسوق البريطانية. وإذا انضمت فرنسا وكندا ودول أوروبية أخرى إلى الإجراء نفسه، فسوف تتسع المخاطر أمام الشركات والبنوك الإسرائيلية ويصبح تمويل المستوطنات أكثر كلفة وتعقيداً.
لهذا تبدو العقوبات على التمويل أكثر تأثيراً من حظر المنتجات، لأن المستوطنة تستطيع بيع سلعها داخل أسواق أخرى، لكنها لا تستطيع بناء آلاف المنازل والطرق وشبكات المياه والكهرباء من دون بنوك وضمانات ومقاولين وشركات تأمين.
حظر بيع وتسويق عقارات المستوطنات
تتضمن الخطة البريطانية منع الإعلان داخل المملكة المتحدة عن الأراضي والعقارات الموجودة في المستوطنات. وقد جاء هذا الإجراء بعد تنظيم معرض قرب لندن خلال العام الجاري للترويج لشراء أراضٍ وعقارات في المستوطنات المقامة على الأرض الفلسطينية المحتلة.
يسد هذا الحظر باباً استُخدم لسنوات في تسويق الاستيطان داخل المجتمعات الغربية وجذب المشترين والمستثمرين، حيث قُدمت المنازل المقامة في الأراضي المحتلة باعتبارها فرصاً عقارية عادية، من دون الاعتراف بأصحاب الأرض الفلسطينيين أو بالانتهاكات التي رافقت مصادرتها.
وبعد إعلان الاحتلال غير قانوني، يصبح الترويج لهذه العقارات داخل بريطانيا مشاركة تجارية في تثبيت الاحتلال، لأنه يساعد على نقل السكان إلى المستوطنات ورفع قيمتها وتوفير التمويل اللازم لتوسيعها.
عقوبات فورية على المستوطنين المتطرفين
إلى جانب النظام الاقتصادي الذي سيحتاج إلى تشريع وإجراءات تنفيذية، أعلنت الحكومة البريطانية فرض عقوبات فورية على مجموعة إضافية من المستوطنين الذين دعموا العنف ضد الفلسطينيين أو حرضوا عليه.
كما قررت توسيع نظام العقوبات العالمي لحقوق الإنسان بما يسمح بالتحرك بصورة أسرع ضد المسؤولين عن الانتهاكات، وبما يساعد على ردع التوسع الاستيطاني، خصوصاً في منطقة E1. ويمكن أن تشمل العقوبات تجميد الأصول وحظر السفر ومنع المؤسسات البريطانية من تقديم الأموال أو الخدمات إلى الأشخاص المستهدفين.
توضح هذه الخطوة أن لندن لم تعد تتعامل مع عنف المستوطنين باعتباره ملفاً أمنياً داخلياً تتركه للسلطات الإسرائيلية، لأن الحكومة نفسها متهمة بحماية المعتدين ورفض محاسبتهم. لذلك اتجهت بريطانيا إلى فرض عقوباتها الخاصة على الأفراد المتورطين في العنف والتحريض والتهجير.
قيود جديدة على تصدير السلاح
أعلنت الحكومة البريطانية أيضاً رفض أي طلبات جديدة للحصول على تراخيص لتصدير أسلحة أو معدات تسهم بصورة مادية في استمرار الاحتلال. وبذلك أضافت قيداً جديداً إلى تعليق أكثر من ثلاثين رخصة تصدير مرتبطة باستخدام الجيش الإسرائيلي للمعدات في غزة.
أوضح ميليباند أن الحظر الجديد سيظل قائماً ما دام الاحتلال مستمراً، ما يمنحه طبيعة مفتوحة لا ترتبط بعملية عسكرية مؤقتة أو بحادثة محددة. وتستهدف هذه السياسة منع استخدام الصادرات البريطانية في حماية المستوطنات أو دعم البنية العسكرية والأمنية التي تفرض السيطرة الإسرائيلية على الفلسطينيين.
ومع ذلك، لم تعلن بريطانيا حظراً شاملاً على تصدير السلاح إلى إسرائيل، كما أكدت استمرار التعاون معها في ملفات أمنية أخرى، ولذلك سيعتمد أثر القرار على طريقة تعريف المعدات التي «تسهم مادياً» في الاحتلال وعلى صرامة مراجعة التراخيص.
متى تدخل الإجراءات حيز التنفيذ؟
قال ميليباند إن إنشاء نظام العقوبات الشامل وحظر استيراد منتجات المستوطنات سيحتاج إلى فترة تتراوح بين ستة وتسعة أشهر. وهذا يعني أن الجانب الأهم من الخطة ما زال وعداً سياسياً يحتاج إلى تشريع وقواعد تنفيذية وقائمة واضحة بالشركات والأفراد والقطاعات المشمولة.
وسوف تحدد التفاصيل مدى جدية التحرك البريطاني. فإذا اقتصر التنفيذ على عدد محدود من صغار الشركات أو المستوطنين المعروفين، فستتحول الخطة إلى قائمة رمزية لا تمس المؤسسات التي تمول البناء فعلياً. أما إذا شملت البنوك وشركات التأمين والمقاولين والمطورين العقاريين المرتبطين بالمشاريع الكبرى، فقد تتمكن من تعطيل عمليات البناء ورفع كلفة الاستيطان وإجبار المؤسسات الإسرائيلية على مراجعة مشاركتها فيه.
كما يتوقف النجاح على قدرة بريطانيا على تتبع منشأ المنتجات ومنع تغيير بياناتها أو تمريرها باعتبارها سلعاً إسرائيلية قادمة من داخل الخط الأخضر، وعلى مدى استعدادها لمعاقبة الشركات التي تستخدم هياكل ملكية معقدة أو شركات وسيطة لإخفاء علاقتها بالمستوطنات.
إسرائيل ترد بإغلاق القنصلية البريطانية
جاء الرد الإسرائيلي سريعاً وغاضباً، حيث أعلن وزير الخارجية جدعون ساعر إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، وهي البعثة الدبلوماسية التي تتولى إدارة علاقة لندن بالفلسطينيين في الأراضي المحتلة، إلى جانب اتخاذ إجراءات أخرى ضد مسؤولين وشخصيات بريطانية.
يعكس إغلاق القنصلية محاولة لمعاقبة بريطانيا على التمييز بين إسرائيل والأراضي التي احتلتها عام 1967، كما يستهدف تقليص الحضور الدبلوماسي البريطاني المتصل بالفلسطينيين. وهاجم مسؤولون إسرائيليون ميليباند واتهموه بالتدخل في الانتخابات الإسرائيلية، فيما ذهب الوزير المتطرف إيتمار بن غفير إلى الدعوة للاعتراف بالسيادة الأرجنتينية على جزر فوكلاند رداً على التحرك البريطاني.
تكشف حدة الرد أن الإجراءات تجاوزت حدود البيانات الدبلوماسية التي اعتادت إسرائيل تجاهلها. فالحكومة الإسرائيلية تدرك أن فرض عقوبات على الشركات والبنوك يمكن أن يفتح الباب أمام إجراءات مماثلة في دول أخرى، ويهدد تحويل الاحتلال من مشروع مدعوم ومحمي غربياً إلى عبء مالي وقانوني على المؤسسات المتورطة فيه.
تحالف دولي يضاعف الضغط
لم تتحرك بريطانيا منفردة، وإنما وضعت نفسها في مقدمة ائتلاف يضم 12 دولة تبحث فرض قيود على تجارة المستوطنات. وقد أعلنت فرنسا وكندا عزمهما تقديم إجراءات وطنية، فيما سبقت أيرلندا وإسبانيا والنرويج وبلجيكا وهولندا إلى حظر السلع أو بدء خطوات في هذا الاتجاه.
تكمن خطورة هذا التحالف بالنسبة إلى إسرائيل في إمكانية توحيد العقوبات وتوسيعها تدريجياً، بحيث لا تستطيع الشركات المستهدفة تعويض خسارة السوق البريطانية بالانتقال بسهولة إلى فرنسا أو كندا أو أسواق أوروبية أخرى.
كما يعكس التحالف تراجع قدرة حكومة بنيامين نتنياهو على منع حلفاء إسرائيل التقليديين من اتخاذ إجراءات عقابية. وبعد سنوات من الاكتفاء بالتعبير عن القلق، بدأت دول غربية تربط موقفها القانوني بأدوات اقتصادية، وهو ما قد يشجع حكومات أخرى على اتخاذ الخطوة نفسها.
هل تستطيع بريطانيا وقف الاستيطان؟
لن يوقف حظر المنتجات وحده المشروع الاستيطاني، لأن التجارة المباشرة للمستوطنات تمثل جزءاً صغيراً من الاقتصاد الإسرائيلي، كما تقدم الحكومة دعماً مالياً كبيراً لبناء المستوطنات وتشغيلها وربطها بالبنية التحتية الإسرائيلية.
تمتلك العقوبات على التمويل فرصة أكبر للتأثير، خصوصاً إذا شملت البنوك والمؤسسات التي تقدم الضمانات للشركات المنفذة للمشاريع. ويمكن أن يؤدي فقدان التمويل أو التأمين أو الوصول إلى الأسواق الغربية إلى تأخير البناء ومنع الشركات من التقدم للعطاءات ورفع كلفة تنفيذ E1 وغيره من المشاريع.
لكن الحكم النهائي سيتوقف على الأسماء التي ستضعها بريطانيا على قوائم العقوبات. وإذا تجنبت الحكومة استهداف البنوك والمؤسسات الكبرى خشية ردود الفعل السياسية والاقتصادية، فلن تغير الإجراءات مسار الاستيطان. أما إذا طبقت المبدأ الذي أعلنته على جميع الجهات التي تمول الاحتلال وتستفيد منه، فستواجه إسرائيل مستوى من الضغط لم تعرفه في علاقتها الحديثة مع بريطانيا.
خطوة متأخرة واختبار حقيقي للإرادة البريطانية
يأتي التحول البريطاني بعد عقود من البيانات التي أكدت عدم قانونية المستوطنات من دون فرض ثمن على بنائها. وخلال تلك الفترة تضاعف عدد المستوطنين، وتوسعت المستوطنات، وهُجرت التجمعات الفلسطينية، واقترب مشروع E1 من التنفيذ، فيما استمرت الشركات والبنوك في تمويل هذه السياسة من دون خوف من العقوبات.
لذلك لا تكفي قوة خطاب ميليباند وحدها، رغم أهميته بوصفه أشد إدانة رسمية بريطانية للممارسات الإسرائيلية منذ سنوات. وسوف يظهر صدق التحول عندما تنشر الحكومة أسماء الشركات والبنوك والأفراد المستهدفين، وتمنع المنتجات والعقارات الاستيطانية فعلياً، وتغلق طرق التحايل، وترفض تراخيص السلاح المرتبطة بالاحتلال.
لقد أقرت بريطانيا أخيراً بأن الاحتلال غير قانوني، وأن المستوطنين يمارسون الإرهاب والتطهير العرقي، وأن الحكومة الإسرائيلية تدعم التهجير أو تغض الطرف عنه، وأن الشركات التي تمول هذه المنظومة يجب أن تدفع ثمناً. وإذا ترجمت لندن هذه الاعترافات إلى عقوبات شاملة، فسوف تنتقل المواجهة مع الاستيطان من ساحة التصريحات إلى البنوك والأسواق والعقود التي يعتمد عليها.
أما إذا انتهت الخطة إلى حظر محدود لبعض المنتجات ومعاقبة عدد صغير من المستوطنين، فستكون الحكومة البريطانية قد وصفت الجريمة بدقة ثم امتنعت عن استخدام الأدوات القادرة على وقفها. ولهذا يبقى الاختبار الحقيقي خلال الأشهر المقبلة: هل تعاقب لندن كامل الاقتصاد الذي يبني الاحتلال، أم تكتفي بإدارة الغضب الدولي بينما تواصل إسرائيل دفن الدولة الفلسطينية تحت مستوطنات E1؟