لم تعد بريطانيا، بالنسبة لكثير من المعارضين والمنفيين واللاجئين السياسيين، تلك المساحة الآمنة التي وعدتهم بالحماية من الأنظمة التي فروا منها. خلف صورة الدولة التي تتحدث عن سيادة القانون وحقوق الإنسان وحرية التعبير، تكشف الوقائع المتراكمة مشهدًا أكثر قتامة: معارضون يُراقبون، صحفيون يُطاردون، ناشطون يتلقون تهديدات بالقتل، وجاليات كاملة تعيش تحت ضغط الخوف، بينما تبدو الدولة البريطانية بارعة في إصدار البيانات، وبطيئة ومربكة عندما يصل الأمر إلى مواجهة الأنظمة التي تملك المال والنفوذ والعلاقات السياسية.
القصة لم تعد حوادث فردية. في مارس 2024، تعرّض الصحفي الإيراني بوريا زراعتي للطعن أمام منزله في ويمبلدون، جنوب لندن. رجلان اعترضا طريقه، أمسك به أحدهما بينما طعنه الآخر ثلاث مرات في ساقه، ثم فرّا. لاحقًا، قيل إن الهجوم كان عملية مستهدفة مرتبطة بالنظام الإيراني، عقابًا له على عمله الصحفي في تغطية إيران. نجا زراعتي، لكن رسالته وصلت إلى كل معارض يعيش في بريطانيا: حتى هنا، في قلب لندن، قد تصل يد النظام الذي هربت منه.
هذه الواقعة ليست استثناء. خلال السنوات الأخيرة، وُجهت اتهامات أو شبهات إلى أنظمة مثل روسيا والصين والهند والسعودية وإيران باستهداف منتقدين ومعارضين يعيشون في المملكة المتحدة، عبر اعتداءات جسدية، محاولات اختطاف، طعن، هجمات بالأسيد، مراقبة، تهديدات رقمية، تحرش جنسي الطابع، ضغط اقتصادي، ودعاوى قانونية ذات طابع انتقامي. لم يعد القمع العابر للحدود مادة لروايات الجاسوسية، بل تحول إلى واقع يومي لجاليات كاملة ظنت أن وصولها إلى بريطانيا يعني انتهاء المطاردة.
الأرقام وحدها تكشف حجم الخطر. تحقيقات التهديدات المرتبطة بالدول لدى جهاز الأمن الداخلي البريطاني ارتفعت بنسبة 48% خلال عام واحد. ومنذ 2022، تعاملت السلطات البريطانية مع أكثر من عشرين حالة تهديد للحياة مرتبطة بإيران وحدها. ومع ذلك، لا توجد في بريطانيا حتى الآن صورة دقيقة وشاملة لعدد الضحايا، أو خريطة واضحة لحجم الاعتداءات، أو استراتيجية معلنة تمنح المعارضين والمجتمعات المستهدفة شعورًا بأن الدولة تفهم ما يجري وتعرف كيف تواجهه.
في الخطاب الرسمي، تقول بريطانيا إن أي محاولة من دولة أجنبية لإكراه أو تهديد أو إيذاء أفراد على أراضيها تمثل تهديدًا للأمن القومي ولن يتم التسامح معها. لكن في الواقع، يصف الضحايا ردود السلطات بأنها متفرقة، مرتبكة، محدودة، وأحيانًا مهينة. بعضهم يقول إن الشرطة لا تفهم أصلًا قضاياهم السياسية أو خلفياتهم القومية. ناشط بلوشي منفي قال إنه عندما أبلغ عن تهديدات يعتقد أنها مرتبطة بجهات باكستانية، وجد نفسه أمام أجهزة لا تعرف حتى أين تقع بلوشستان، أو لا تريد تسمية الدولة المتهمة.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية. بريطانيا لا تفتقر إلى اللغة القانونية. لديها قانون الأمن الوطني لعام 2023، ولديها جرائم جديدة تتعلق بالتدخل الأجنبي والتجسس والتخريب، ولديها أجهزة أمنية واستخباراتية وخطاب صارم عن حماية الديمقراطية. لكن ما ينقصها ليس النصوص، بل الإرادة السياسية. فالقمع العابر للحدود لا ينجح فقط لأن الأنظمة الاستبدادية جريئة، بل لأنه يجد في لندن بيئة تعرف كيف تتسامح مع المال السياسي، والاستثمارات، والصفقات، والعلاقات الدبلوماسية، حتى عندما يدفع الضحايا الثمن من أمنهم وحياتهم.
في حالات كثيرة، تبدو النصيحة التي يتلقاها الضحايا أقرب إلى إدارة الخطر منها إلى منعه: ضعوا كاميرات مراقبة، لا تخرجوا وحدكم في الليل، لا تنشروا مواقعكم على وسائل التواصل، غيّروا سياراتكم، غيّروا منازلكم، انتبهوا لمن يسير خلفكم. كأن الدولة تقول للمعارض: نحن لا نستطيع، أو لا نريد، أن نوقف اليد التي تطاردك، لكننا ننصحك أن تختبئ جيدًا.
هذه ليست حماية. هذه خصخصة للخوف. فبدل أن تتحمل الدولة مسؤولية حماية من يعيشون على أراضيها، يصبح الضحية مسؤولًا عن تقليص حياته، وإغلاق دوائره الاجتماعية، والتخلي عن حريته في الحركة والتعبير. يعيش في لندن، لكنه يتحرك كأنه داخل منفى مؤقت. يراقب السيارات خلفه. يتفقد كاميرات بيته عند كل صوت. يرفض الدعوات. يخاف من الغرباء. يتكلم أقل. يكتب بحذر. وهكذا تحقق الأنظمة هدفها دون أن تحتاج دائمًا إلى القتل: إسكات المعارض عبر زرع الخوف داخله.
الأخطر أن بعض هذه الانتهاكات لا تصل بسهولة إلى العتبة الجنائية الواضحة. التهديد الرقمي، الملاحقة النفسية، التشهير المنظم، التحرش بالعائلة في الوطن، الضغط على العمل أو الدراسة، الدعاوى القانونية العابرة للحدود، كلها أدوات قمع لا تبدو دائمًا كجريمة عنيفة، لكنها تدمر حياة الضحية وتؤدي الغرض السياسي ذاته: إجباره على الصمت. وهنا يظهر الفراغ البريطاني بوضوح؛ فالدولة التي تستطيع ملاحقة مخالفات مالية وإدارية دقيقة، تقف مرتبكة أمام أنظمة تستخدم القانون والمال والبلطجة الرقمية والأمنية كسلاح واحد.
لكن لماذا هذا التردد؟ السؤال لا يتعلق بالكفاءة الأمنية فقط، بل بالسياسة. بريطانيا ليست دولة بريئة تقف خارج شبكة المصالح. لندن مركز مالي عالمي، ووجهة للاستثمارات السيادية، وسوق للعقارات الفاخرة، ومقر لشركات محاماة وعلاقات عامة، وحاضنة لأموال قادمة من أنظمة لا تحب الصحافة الحرة ولا المعارضة السياسية. ومنذ عقود، أتقنت أنظمة قمعية استخدام بريطانيا كمنصة مزدوجة: تضع أموالها في أسواقها، وتلمع صورتها عبر مؤسساتها، وتلاحق خصومها داخل حدودها أو عبر أدوات قانونية وإعلامية مرتبطة بها.
لذلك، فإن التواطؤ البريطاني لا يظهر دائمًا في أمر مباشر أو وثيقة فاضحة. أحيانًا يظهر في الصمت. في التردد. في الاكتفاء بالإدانة. في رفض تسمية الجناة بوضوح. في حماية العلاقة مع النظام على حساب الضحية. في استمرار بيع السلاح واستقبال الاستثمارات وعقد الصفقات، بينما يعيش المعارضون القادمون من تلك الدول تحت التهديد. هذا هو الشكل الناعم من الإفلات من العقاب: لا تنكر بريطانيا الخطر، لكنها لا تدفع ثمن مواجهته.
حين تقول محامية أو منظمة حقوقية إن بريطانيا أصبحت “ساحة صيد” للأنظمة الأجنبية، فالمقصود ليس فقط أن هذه الأنظمة تنشط داخلها، بل أنها وجدت بيئة تسمح لها بالحركة. بيئة تعرف أن رد لندن غالبًا سيكون دبلوماسيًا محسوبًا، لا سياسيًا رادعًا. تعرف أن المصالح قد تسبق الحقوق. تعرف أن المال قد يخفف اللهجة. تعرف أن بعض الضحايا لا يملكون النفوذ الكافي لتحويل تهديدهم إلى أزمة دولة.
الصين مثلًا تُتهم بتشغيل شبكات مراقبة وضغط على ناشطي هونغ كونغ في بريطانيا، في الوقت نفسه الذي تستمر فيه لندن في حساب كلفة كل خطوة ضد بكين. إيران تُتهم بتهديد صحفيين ومعارضين على الأراضي البريطانية، بينما تتعامل لندن مع الملف ضمن مزيج من الأمن والدبلوماسية. روسيا تُربط بها عمليات تخريب واستهداف. وتظهر أسماء دول أخرى، بينها أنظمة عربية، في سياقات التهديد والتعقب والتخويف. لكن النمط واحد: الأنظمة تتحرك، والضحايا يخافون، وبريطانيا توازن بين حماية الإنسان وحسابات الدولة.
في هذا المشهد، تصبح الجاليات المعارضة في بريطانيا مكشوفة من جهتين: من الأنظمة التي هربت منها، ومن النظام البريطاني الذي لا يريد صدامًا كاملًا مع تلك الأنظمة. فالضحية لا يواجه فقط عميلًا أو مراقبًا أو رسالة تهديد، بل يواجه بنية كاملة من المصالح. دولة تلاحقه لأنها تريد إسكات صوته، ودولة تستضيفه لكنها لا تريد أن تجعل حمايته سببًا لأزمة دبلوماسية أو اقتصادية.
وهنا تسقط أسطورة بريطانيا كملاذ مطلق للحرية. نعم، لديها قضاء مستقل نسبيًا، وصحافة قوية، ومساحات عمل للمنظمات الحقوقية. لكن لديها أيضًا سوقًا مفتوحة للأموال القذرة، وسياسة خارجية انتقائية، وتاريخًا طويلًا من التحالف مع أنظمة قمعية عندما تخدم المصالح. لذلك، فإن سؤال القمع العابر للحدود لا يمكن فصله عن سؤال المال والنفوذ: من يشتري العقارات؟ من يوقّع صفقات السلاح؟ من يمول الجامعات ومراكز الأبحاث؟ من يستعين بشركات الضغط والمحاماة؟ ومن يدفع ثمن الصمت؟
المعارض الذي يُهدد في لندن لا يحتاج إلى بيان تضامن بعد تعرضه للخطر، بل يحتاج إلى دولة تفهم أن حمايته ليست خدمة شخصية، بل اختبار لسيادتها نفسها. فإذا استطاعت دولة أجنبية أن تطارد منتقديها داخل بريطانيا، فالمشكلة لم تعد فقط انتهاكًا لحقوق الإنسان، بل اختراقًا مباشرًا للسيادة البريطانية. وإذا كانت لندن لا ترد بقوة لأنها تخشى على مصالحها، فهذا يعني أن تلك المصالح أصبحت أعلى قيمة من أمن البشر الذين يعيشون تحت حمايتها القانونية.
لهذا، فإن القضية أعمق من طعن صحفي إيراني أو تهديد ناشط بلوشي أو مراقبة معارض من هونغ كونغ. إنها سؤال عن طبيعة الدولة البريطانية نفسها: هل هي ملاذ لمن يهربون من القمع، أم منصة تسمح للقامعين بالوصول إليهم؟ هل هي دولة قانون للجميع، أم سوق نفوذ يعرف الأقوياء كيف يشترون فيه الصمت؟ هل تحمي حرية التعبير عندما يكون المعتدي نظامًا ضعيفًا فقط، أم تجرؤ على حماية الضحايا عندما يكون المعتدي غنيًا، مسلحًا، ومفيدًا سياسيًا؟
ما يجري في بريطانيا اليوم يكشف حقيقة مزعجة: الأنظمة الاستبدادية لم تعد بحاجة إلى إعادة معارضيها إلى السجون كي تسكتهم. يكفي أن تمد يدها إلى المنفى، وأن تعرف أن الدولة المضيفة ستكتفي غالبًا بإجراءات محدودة، ونصائح أمنية، وبيانات قلق. وبينما تواصل لندن الحديث عن حقوق الإنسان في المؤتمرات، يعيش بعض من لجأوا إليها وهم ينظرون خلف أكتافهم في الشارع.
هكذا تصبح بريطانيا، في نظر الضحايا، ليست وطنًا آمنًا جديدًا، بل منفى قابلًا للاختراق. وحين يتحول المنفى إلى امتداد للخوف، لا تكون المشكلة في الأنظمة الأجنبية وحدها، بل في النظام البريطاني الذي سمح للخوف أن يعبر حدوده، ثم طلب من الضحايا أن يتعلموا كيف يتعايشون معه.