في حين لم يكن معظم المراقبين متفائلين بشأن تأثيرات الاجتماع الذي عقد بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، في جدة يوم 4 ديسمبر/ كانون أول، يبدو أنه على العكس من ذلك استطاع ساكن الإليزيه أقناع السلطات في الرياض بالعودة من خلال خطة تمكنهم من تحقيق كل شيء بسهولة.

تحت هذه الكلمات سلطت صحيفة “لوريان لوجور” الناطقة بالفرنسية الضوء على الخطوات التي بدأت السعودية في تنفيذها من أجل بسط سيطرتها على لبنان، بعد الأزمة الدبلوماسية الأخيرة.

وبدأت الأزمة الدبلوماسية بين البلدين الشهر الماضي على خلفية تصريحات لوزير الإعلام اللبناني جورج قرداحي، سجلت قبل توليه مهامه، قال فيها إن المتمردين الحوثيين في اليمن “يدافعون عن أنفسهم” في وجه “اعتداء خارجي” من السعودية والإمارات.

وطلبت السعودية، التي فرضت أيضًا عقوبات اقتصادية على بلاد الأرز، ثم البحرين والكويت بعدها من رؤساء البعثات الدبلوماسية اللبنانية مغادرة أراضيها، كما استدعت سفراءها من بيروت، كما استدعت الإمارات دبلوماسييها من بيروت، وقررت السلطات الكويتية “التشدد” في منح تأشيرات للبنانيين.

وتقول الصحيفة إن الخطة التي تتبناها السعودية، وفقا لما أسفرت عنه زيارة ماكرون، ستكون في ظل ظروف محددة، وبالطبع تبني سياسة عدوانية تجاه حزب الله.

 ونقلت عن دبلوماسي فرنسي طلب عدم نشر اسمه القول: “زيارة ماكرون كان لها أثرها”، أي أنه خلال المباحثات، نجح الرئيس الفرنسي في إقناع محاوره بضرورة منع الانهيار الكامل للبنان، بحجة أن ذلك قد يكون له تداعيات على الخليج.

وبحسب “لوريان لو جور” فقد راهنت السعودية خلال الأشهر الأخيرة على أن تدهور الأوضاع في البلاد سيضعف حزب الله ويدفع بقية السكان للانقلاب عليه، لكن يبدو أن الرياض مستعدة لمراجعة بعض حساباتها، بعد أن تأكدت أن التشكيل الشيعي أفضل من غيره في أوقات الأزمات، وأن انسحابها سيمكنه من السيطرة على البلاد. 

وقد علمت الصحيفة أنه رغم ذلك، فشل الرئيس الفرنسي في الحصول على وعد من محمد بن سلمان بتقديم مساعدة مباشرة لقوات الأمن والجيش اللبناني، الذي يمثل استقراره أولوية بالنسبة للغرب.

وتؤكد أن المملكة العربية السعودية تظل حذرة وغير مستعدة لإعادة الاستثمار في لبنان من دون تغيير ميزان القوى أولاً، لكنها في الوقت ذاته أكثر حساسية تجاه حجة فرنسا ودول أخرى تسير في نفس الاتجاه. 

فقبل وقت قصير من جولة ماكرون الخليجية، التي شملت أيضا الإمارات وقطر، تم تنظيم لقاء بين أعضاء السفارة البريطانية في بيروت والمسؤولين السعوديين بهدف إقناع السعوديين بتغيير موقفهم.

وقال دبلوماسيون بريطانيون لنظرائهم السعوديين، بحسب المصادر التي حضرت الاجتماع “لديكم العديد من الحلفاء في لبنان، يجب دعمهم وليس التخلي عنهم”.

وتبع ذلك لقاء بين السفير السعودي في لبنان، وليد بخاري، المتواجد في الرياض منذ الأزمة الدبلوماسية، والسفير البريطاني لدى السعودية، حيث واتفق الطرفان على ضرورة الاهتمام بالملف اللبناني.

وتشعر الرياض بالقلق بشكل خاص من أن انسحابها قد يسمح لحزب الله بإحداث اختراق في صفوف المجتمع السني الذي، على الرغم من معادته الشديدة للحزب الشيعي، قد يجد نفسه بدون قيادة حازمة إذا قرر زعيم تيار المستقبل سعد الحريري عدم الترشح للمجلس التشريعي في انتخابات 2022، إذ يخطط السعوديون لإثارة هذه المسألة مع عدد من المسؤولين السنة ومع حلفائهم الآخرين على الساحة اللبنانية. 

واستقبلت الرياض مؤخراً ملحم رياشي (حزب القوات اللبنانية) ووائل أبو فاعور (الحزب التقدمي الاشتراكي) فيما يبدو وكأنه رغبة في إرساء أسس استراتيجيتها في لبنان، ووفقًا لمصدر دبلوماسي سعودي، قد يتبع ذلك زيارات أخرى لشخصيات سنية ومسيحية وحتى شيعية مستقلة.

 

دعم القاهرة 

من خلال هذه الاستراتيجية، تسعى السعودية جاهدة لبناء جبهة دبلوماسية موحدة مع الدول العربية الأخرى بشأن المسألة اللبنانية، ففي قمة التعاون الخليجي التي عقدت في جدة مؤخرًا، اقنعت المملكة جميع الأعضاء الآخرين برؤيتها تجاه هذه القضية.

وأكد البيان الختامي للقمة على احترام سيادة لبنان ووصف حزب الله بأنه منظمة إرهابية تزعزع أمن واستقرار الدول العربية، فمحمد بن سلمان لم ينجح فقط في حشد كل الدول بهذا الاتجاه ولكن البيان استكمل بموقف واضح مفاده أن أي اعتداء على إحدى دول الخليج يعتبر هجومًا على الجميع.

وبالإضافة إلى دول شبه الجزيرة العربية، تريد السعودية أيضًا دعمًا من مصر، حيث زار وزير الخارجية المصري سامح شكري الرياض الأسبوع الماضي، وقال دبلوماسي عربي طلب عدم ذكر اسمه “لبنان كان على جدول الأعمال”.

وأكدت الصيفة أن مصر التي استفادت من الانسحاب السعودي، شاركت بشكل خاص في المشهد اللبناني خلال الأشهر الأخيرة، في محاولة لوضع نفسها على أنها الأب الروحي الجديد للطائفة السنية. 

فالقاهرة حتى الآن تنتهج سياسة بواجهة أقل صدارة من الرياض، كما يتضح من استعدادها لتزويد لبنان بالغاز عبر سوريا بشار الأسد، حليف حزب الله، فعلى الرغم من عداءها لإيران، مصر لا تعتبر طهران عدوًا رئيسيًا لها في الشرق الأوسط.

وتقول “لوريان لو جور” الأولوية بالنسبة لمصر والسعودية الأولية تجاه لبنان هي منع انهيار المؤسسات، وخاصة العسكرية، لكن البلدين توفقا في الآونة الأخيرة في مواقفهما، وقال الدبلوماسي العربي السالف الذكر إن “مصر مستعدة لتكثيف تنسيقها مع السعودية بشأن المسألة الإيرانية وتحديداً في الملف اللبناني”.

ورأت الصحيفة أن مصر والسعودية سيتحدان في نهاية الأمر: توافق الرياض على إعادة الاستثمار بشرط تسليط الضوء على موضوع حزب الله. 

وأكدت بالنسبة للمملكة، فإن الدعم المصري له أهمية مضاعفة، رمزياً ودبلوماسياً، لا سيما في إطار روح إبعاد دمشق عن طهران فيما يتعلق بالمسألة اللبنانية، في حالة إغراء سوريا بإعادة الاستثمار في لبنان.

ويلخص مسؤول خليجي ذلك بالقول “الرياض تريد أن تكون أكثر حضورا في لبنان، لكنها تحتاج إلى دعم فاعلين آخرين”. وعلى حد قوله، ستنسق الرياض الآن تحركاتها مع باريس والقاهرة قبل تحديد الخطوات التالية، في وقت ترفض دولة خليجية أخرى العودة للساحة اللبنانية قبل رجوع الرياض.

 

للاطلاع على النص الأصلي من المصدر اضغط هنا