تغيير حجم الخط ع ع ع

الصحيفة الفرنسية لوموند:

بعد مرور عقد على الانتفاضات، لم تحدث النهضة المنتظرة، لكن ما حدث سنة 2019 فتح آفاقًا جديدة، ولا زالت الشعوب، من المغرب إلى اليمن، يطمحون إلى تغييرات جذرية.

 مر على “الربيع العربي” عشر سنوات، مدة طويلة بمقياس العمر، لكنها قصيرة بمقياس التاريخ، لا سيما تاريخ بناء الدولة العربية.

الجدول الزمني لهذا التفاعل المتسلسل المذهل معروف جيدًا، ففي 17 كانون الأول (ديسمبر) 2010، ضحى محمد البوعزيزي -بائع متجول تونسي يائس- بنفسه أمام ولاية سيدي بوزيد، وقد أثارت فعلته اليائسة هذه -رداً على مصادرة الشرطة لعربته- الضربات الثلاث لـ “الانفجار الكبير” الجيوسياسي.

وقد قام الشارع التونسي بإسقاط الدكتاتور زين العابدين بن علي في 14 يناير 2011، وألهمت جرأته المصريين الذين أطاحوا بالدكتاتور حسني مبارك في 11 من فبراير التالي.

ومع تأثير الدومينو المذهل، انتفض اليمنيون والليبيون والبحرينيون والسوريون بدورهم، وحدثت مسيرات احتجاجية أصغر في المغرب والأردن والمملكة العربية السعودية.

تحفز العالم العربي بالأمل الثوري الذي تنقله ومضات الأخبار المحمومة لقناة الجزيرة، وأصبح شعار “الشعب يريد إسقاط النظام” باللغة العربية الفصحى، المستوحى من شعر أبي القاسم الشابي -“فولتير تونس”- صرخة الشعوب الباحثة عن الكرامة.

وتُوضح هذه الكلمات الفشل الذريع لهياكل الحكم القائمة في شمال إفريقيا والشرق الأوسط أفضل مما قد يوضحه تقرير خبراء الأمم المتحدة: الشرطة والأنظمة المفترسة المماثلة لنظام الاحتلال، والتي أصبحت العقبة الرئيسية أمام التحرر الاقتصادي والاجتماعي والثقافي لهذه المناطق.

وضع راهن في طور التحول

لم تحدث النهضة التي طال انتظارها، فمن بين البلدان الستة التي انطلقت في هذه المغامرة في 2010-2011، نجحت تونس فقط، عامًا بعد عام، في انتقالها إلى الديمقراطية.

وغرق الآخرون إما في الحرب الأهلية (سوريا وليبيا واليمن) أو في الانحدار الاستبدادي (مصر والبحرين)، على خلفية حملة جهادية.

لكن في سنة 2019، اجتاحت المنطقة موجة ثورية ثانية، طالت أربعة بلدان إضافية: السودان والجزائر ولبنان والعراق.

وإجمالاً، شهد ما يقرب نصف الدول العربية -البالغ عددها 22 – انتفاضة شعبية واسعة النطاق خلال عشر سنوات.

ويُظهر هذا “الربيع” الجديد أن عملية تقرير المصير للشعوب العربية ما زالت جارية رغم ما قد يعتقد كل من يؤمن بفكرة أن الإسلام والديمقراطية غير متوافقين.

وعلى كل حال، يظل هذا الحراك حديثا نسبيًا، فقد ظهرت معظم الدول العربية المتواجدة اليوم خلال مطلع القرن العشرين، بعد تفكك الإمبراطورية العثمانية، أو حتى في وقت لاحق.

وبعد أن حرروا أنفسهم من الحكم الاستعماري الأوروبي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وجب عليهم الآن تحرير أنفسهم من حكم المستبدين المحليين.

هذا الاستقلال الثاني سيستغرق بلا شك سنوات، وربما عقودًا، حيث يتم قياس هذا النوع من التحول الهيكلي على المدى الطويل.

ويضل الشيء الوحيد الأكيد هنا هو أن الوضع الراهن لن يستمر لفترة طويلة، حيث حدث تغيير في المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية للعالم العربي.

وفي استطلاع حديث أجراه المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات في الدوحة، أجري في 13 دولة عربية، صرح واحد من كل خمسة مشاركين أنهم يريدون الهجرة.

وقال أكثر من نصف المستطلعين (58٪) أن لديهم تصورًا إيجابيًا عن “الربيع العربي”، على الرغم من نتائجه المأساوية في كثير من الأحيان، وتتأرجح هذه النتيجة بين 67٪ و82٪ في البلدان الأربعة للموجة الثانية من الحراك.

لطالما كان لمصطلح “الشعب” دلالة ازدراء في العالم العربي، فقد كانت السلطات تحب أن تفكر في فكرة الجماهير الخطيرة والمتخلفة، التي يجب أن يتم تعليمها أو انتقادها أو قمعها، ولقد قلبت موجات الربيع العربي هذا النمط، وهذا هو أول انتصار ستلوه انتصارات أخرى.

ترجمة العدسة عن صحيفة لوموند الفرنسية. للاطلاع على المقال الأصلي (اضغط هنا)