أكد الأكاديمي الأمريكي هال براندز، أستاذ «هنري كيسنجر» الممتاز بكلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز، في مقال تحليلي نشرته صحيفة «بلومبيرغ»، أن البحر الأحمر لم يعد مجرد مسرح فرعي لأزمات الشرق الأوسط، بل تحول إلى نقطة التقاء استراتيجية بين حروب المنطقة والقرن الأفريقي والتنافس الدولي، مقدماً النموذج الأكثر وضوحاً لما سيكون عليه النظام العالمي الفوضوي والمتعدد الطبقات في السنوات المقبلة.

وأوضح براندز أن التركيز الدولي ينصب غالباً على مضيق هرمز، إلا أن البحر الأحمر لا يقل أهمية جيوسياسية؛ إذ يربط المحيط الهندي بالبحر المتوسط وآسيا بأوروبا عبر باب المندب وخليج عدن وقناة السويس. ويمر عبر هذا الممر الحيوي في الظروف الطبيعية نحو 30% من حركة تجارة الحاويات العالمية و5 ملايين برميل نفط يومياً، فضلاً عن مروره لمعظم كابلات الألياف الضوئية البحرية التي تؤمن الاتصالات الرقمية بين القارات. وتستند أهميته الجيوسياسية إلى واقع جغرافي يتمثل في أن عرض البحر يقل عن 20 ميلاً عند أضيق نقطة، ما يجعله رابطاً يوحّد ضفتيه الشرقية والغربية أكثر مما يفصلهما، محولاً اليمن والسعودية وجيبوتي وإثيوبيا والسودان وإريتريا والصومال إلى بيئة أمنية واستراتيجية واحدة.

تصاعد الصراع على الممرات وتكريس الفوضى الجيوسياسية واستخلص التحليل اتجاهين عالميين رئيسيين تشهدهما المنطقة؛ الأول يتمثل في تصاعد الصراع على نقاط الاختناق البحرية (كما يحدث في هرمز وبحر الصين الجنوبي وطريق البحر الشمالي بالقطب الشمالي)، حيث تسعى الدول والجهات غير الحكومية لإعادة رسم ممرات التجارة كأدوات ضغط؛ إذ يُظهر نموذج الحوثيين كيف يمكن لتنظيم غير دولتي—باستخدام الصواريخ والمسيّرات—أن يهدد الشحن والتأمين والملاحة ويجبر القوى العظمى على إعادة نشر أساطيلها. 

أما الاتجاه الثاني فهو اتساع الفوضى الجيوسياسية مع تراجع الهيمنة الأمريكية الأحادية وصعود القوى الإقليمية والمحلية، مما خلق اصطفافات مرنة ومتناقضة تتقاطع فيها المصالح الأمنية والاقتصادية بشكل معقد.

القرن الأفريقي كجزء لا يتجزأ من صراعات الخليج والشرق الأوسط ويشدد التقرير على أن أفريقيا لم تعد هامشاً جغرافياً لحروب الشرق الأوسط بل باتت في قلبها؛ حيث تترابط الأزمات عبر الضفتين. وتظهر الصورة بوضوح في اشتعال الحرب الأهلية الإثيوبية مجدداً مع اتهامات أديس أبابا لإريتريا والسودان ومصر بدعم متمردي تيغراي، والغرق المستمر للسودان في حرب أهلية تتداخل فيها نفوذ دول كـ الإمارات وتركيا وإيران. كما تحولت جيبوتي—بسبب موقعها عند ملتقى البحر الأحمر بخليج عدن وتواجد قواعد عسكرية أجنبية متعددة فيها—إلى ساحة دائم للتنافس الدولي.

وفي الصومال جنوب باب المندب، تتفاقم التحديات الأمنية جراء نشاط حركة الشباب والتوتر بين الحكومة الفيدرالية وإقليم أرض الصومال. وتتزايد التعقيدات مع الاعتراف الإسرائيلي باستقلال أرض الصومال بهدف استخدام أراضيها لمواجهة الحوثيين، وهو ما فتح جبهة احتكاك جديدة مع تركيا التي تدعم الحكومة الصومالية وتتنافس مع إسرائيل في ساحات أخرى. واختتم براندز بالإشارة إلى أن التطور الرقمي والعولمة لم يلغيا القيمة الاستراتيجية للجغرافيا، بل زادا من أهمية الممرات والمضائق، مما يجعل إدارة الأمن الإقليمي والدولي مرهونة بقراءة خريطة البحر الأحمر كمنظومة استراتيجية واحدة وموحدة.