تغيير حجم الخط ع ع ع

 العدسة – معتز أشرف 

انعقد في مدينة إسطنبول التركية المؤتمر السنوي الرابع لمنتدى كوالالامبور للفكر والحضارة، خلال الفترة 13,14,15 أبريل 2018، والذي خصص لمناقشة موضوع (الانتقال الديمقراطي، الأسس والآليات) وبمشاركة واسعة من ممثلين عن أحزاب سياسية وكيانات مدنية ومؤسسات بحثية من مختلف دول العالم الإسلامي وفي مقدمتهم نائب رئيس حزب العدالة والتنمية التركي المكلف بالعلاقات الخارجية ، وانتهى إلى رسم خارطة طريق واضحة المعالم بثلاث عشرة محطة لإنقاذ الربيع العربي والانتقال الديمقراطي.

حضور مميز

بدأ المؤتمر بجلسة افتتاحية، صباح يوم الجمعة 13 من أبريل، تُلِيَ في بدايته القرآن الكريم ثم ألقيت فيه العديد من الكلمات ذات الصِّلة بعنوان المؤتمر، ومعبرة عن أهميته وضرورته ، حيث ألقى الأمين العام لمنتدى كوالالامبور الدكتور عبدالرزاق مقري كلمة رحب فيها بالحاضرين، وشكر القيادة والحكومة التركية على استضافتهم للمؤتمر، تلتها كلمة للشيخ محمد الحسن ولدالددو نائب رئيس المنتدى، وتابع المشاركون عرضًا مصورًا تضمن تعريفًا بالمنتدى، ثم استمعوا إلى كلمة للمفكر والباحث الدكتور عبدالكريم بكار، تلتها كلمة للشيخ راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة، ألقاها نيابة عنه جمال العوي عضو المكتب التنفيذي الوطني، تلاها عرض فيديو عن إنجازات المنتدى خلال أربع سنوات من تأسيسه.

واختتمت الجلسة الافتتاحية بكلمة للدكتور محمد مهدي آكر، نائب رئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، والذي حضر ممثلًا عن الحكومة التركية، وخلال ثلاثة أيام من أعمال المؤتمر قدم المشاركون أبحاثًا ورؤى ناقشت أسس و آليات الانتقال الديمقراطي، كما تناولت الأوراق المقدمة من المشاركين التحديات والإشكاليات التي تواجه وتعيق عملية الانتقال الديمقراطي في البلدان العربية والإسلامية، حيث ركزت جلسة العمل الأولى على (الانتقال الديمقراطي.. المفهوم والأنماط والمعايير) فيما تناولت الجلسة المسائية الثانية تحديات الانتقال الديمقراطي، وفي اليوم الثاني، السبت 14 أبريل، تم استعراض بعض تجارب الانتقال الديمقراطي وجوانب الاستفادة منها، وفي الجلسة المسائية ليوم السبت تم عقد ندوة خاصة بمشاركة الشباب في مرحلة الانتقال الديمقراطي والتحديات التي تواجههم، أما في اليوم الثالث تم توزيع المشاركين في ثلاث مجموعات هدفت إلى تطوير النقاش وإعداد أرضية لصياغة وثيقة المؤتمر التي بعنوان “معايير منتدى كوالالامبور للانتقال الديمقراطي الناجح”.

الربيع العربي

وخلال جلسات المؤتمر، حضرت تجربة الربيع العربي كواحدة من أهم تجليات أشواق الشعوب العربية للحرية، ولأنها التجربة التي كشفت مقدار الحاجة الكبيرة إلى الانتقال الديمقراطي على أسس صحيحة، وعبر آليات دقيقة إذ إنه ليس ثمة خيار لمواجهة الاستبداد إلا الذهاب نحو الديمقراطية التي ظلت محل رفض الحكومات وعدم اهتمام النخب التي تواطأت بشكل أو بآخر في تأجيل وإعاقة هذا الاستحقاق.

وفي هذا السياق، أكد المشاركون أهمية العديد من التوصيات التي يتوجب الأخذ بها من أجل تعزيز المقومات الذاتية اللازمة لعملية الانتقال الديمقراطي، وتقليل مخاطر التحديات الخارجية التي حالت ولا تزال دون إنجاز التحول الديمقراطي، وفي مقدمتها: ضرورة تحويل الانتقال الديمقراطي إلى وعي عام، وجعلها قناعات راسخة في أوساط الجماهير، بعد أن ظلت لسنوات طويلة حبيسة النقاشات النخبوية، وضرورة التزام الكيانات السياسية بالأسس والمبادئ الديمقراطية، وكسر احتكار اتخاذ القرار داخلها بما يؤدي إلى إشراك كل المنتمين لها في صناعة التوجهات السياسية، والعمل على التواصل مع كافة التيارات والقوى السياسية من أجل تسوية الصراعات الماضية، وتحقيق العدالة الانتقالية بما يجبر الضرر ويعوض الضحايا الذين تعرضوا خلال فترات الاستبداد للتنكيل والاستبعاد السياسي.

مصالحة تاريخية

وأوصى المؤتمر بتحقيق مصالحة تاريخية بين مكونات العمل السياسي داخل الأقطار بمختلف اتجاهاتهم الفكرية، وبما يقود إلى تعزيز مسيرة الانتقال الديمقراطي وجعلها الخيار الوحيد للجميع، وبالقدر الذي يؤدي إلى تقوية الموقف الداخلي للأوطان بما يمكنه من إنجاز شراكة حضارية على المستوى الخارجي وتحرير إرادته من حالة الاستلاب والتبعية.

ودعا إلى دعم المجتمع المدني وتمكين المنظمات والجمعيات العاملة في هذا المجال من مساندة الشعوب في الوصول إلى قيم الديمقراطية، والمساهمة في الرقابة على إنجاز انتقال ديمقراطي آمن، وتنمية الوعي بالسلمية في العمل السياسي، ونبذ العنف وتجريم استخدامه في المنافسة على السلطة، بالقدر الذي يجعله خيارًا شعبيًّا قادرًا على إفشال كل محاولات جر المجتمعات نحو العنف أو إيقاعها في شرك الإرهاب الذي يقضي على كل أشواقها التحررية ويبقيها رهن الاستبداد.

وطالب المؤتمر بالاهتمام بتتبع التجارب الناجحة في العالم والاستفادة منها في تخصيب المناخات والظروف المتهيئة للانتقال الديمقراطي، وخصوصًا التجربة التركية، وتجارب الدول الإفريقية، وكذا التجارب الموجودة في جنوب شرق آسيا، مؤكدًا أهمية التزام الأحزاب والحركات السياسية باحترام قواعد العمل السياسي في ممارستها الداخلية وفي مشاركاتها في الشأن العام حاكمة أو معارضة وتجسيد الممارسة الديمقراطية في الأطر الداخلية للكيانات السياسية وتحقيق تداول للمواقع القيادية.

المجتمع المدني

المؤتمر شدد في توصياته كذلك علي ضرورة تنمية المجتمع المدني بما يمكنه من الإسهام في القيام بدوره في عملية الانتقال الديمقراطي، إذ لا يمكن لفصيل أو تنظيم أن يحقق هذا الانتقال ما لم يسنده مجتمع مدني فعال ومفيد، كما يؤكد على ضرورة تجسير العلاقة مع النخب وردم الهوة بينها وبين الكيانات السياسية الفاعلة في قلب المجتمع، وتجاوز التقاطعات الفكرية، فضلا عن إدارة نقاشات واسعة في المؤسسات التعليمية والأكاديمية والبحثية تستهدف استنبات نظرية سياسية تتجاوز الموروث الاستبدادي، وتصحح المفاهيم القديمة التي أجابت عن أسئلة عصرها، وتعيد الاعتبار للقيم الإسلامية الداعمة لحرية وكرامة الإنسان والمؤسِّسة للعدالة والحكم الرشيد.

ودعا المؤتمر الي التخفف من الأيديولوجية قدر الإمكان، والتخصص في الإجابات على أسئلة الجماهير، وتحقيق مطالبهم وتقديم الخدمات لهم، والعمل على إبعاد القوى العسكرية عن ساحة العمل السياسي، وتحديد دور الجيوش في حماية البلدان، وضمان حق الشعوب في حكم نفسها، مؤكدًا أهمية الجوانب التنموية والاقتصادية في برامج وسياسات الحركات والأحزاب وتكثيف العمل على تعزيز النهوض الاقتصادي كشرط للاستقرار السياسي.