تغيير حجم الخط ع ع ع

 

جاءت القمم الثلاث في شرم الشيخ والعقبة والنقب، والتي جمعت إسرائيل والولايات المتحدة مع ست دول عربية، هي مصر والإمارات والبحرين والمغرب والعراق والأردن، لتطرح تساؤلات حول تحول تل أبيب إلى زعيم للمنطقة العربية.

 

وفي 22 مارس 2022، عقدت قمة في شرم الشيخ بين عبدالفتاح السيسي وولي عهد أبوظبي محمد بن زايد ورئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت. كما عقدت قمة رباعية في العقبة 25 مارس بين الأردن ومصر والإمارات والعراق، كان محورها ما طرحته إسرائيل في شرم الشيخ عن تشكيل حلف ضد إيران أيضا.

 

وفي 27 -28 مارس 2022 عقدت قمة في النقب على مستوى وزراء الخارجية بين إسرائيل وأميركا وأربع دول عربية، هي مصر والإمارات والبحرين والمغرب.

 

الرسالة التي خرجت من القمم الثلاث هي قيادة إسرائيل للدول العربية وسط غياب جامعة الدول والخلاف حول عقد قمتها المقبلة.

 

محور القمم الثلاث كان “إسرائيل” وسعيها لتشكيل حلف مع أنظمة عربية، بدعوى التصدي للخطر الإيراني، ومواجهة النقص العالمي في القمح والطاقة الذي قد يتسبب بأزمة في الدول العربية، وذلك بحسب ما نشرت وكالة الأنباء الفرنسية في 28 مارس 2022.

 

استغلت تل أبيب اهتزاز عروش هذه الأنظمة بفعل تداعيات حرب أوكرانيا السياسية والاقتصادية، وذلك بتشكيل واقع إقليمي وترتيبات جديدة في المنطقة على حساب القضية الفلسطينية المركزية.

 

دفع هذا الصحفي المتطرف “إيدي كوهين” للسخرية من العرب، بالحديث عن قرب نقل مقر الجامعة العربية إلى إسرائيل، وعقد القمة العربية المقبلة فيها.

 

سفير تل أبيب السابق بمصر “يتسحاق لفانون”، زعم في مقال نشره بصحيفة “معاريف” 24 مارس 2022 أن بلاده باتت “محور التحرك” بالمنطقة، وأن “قمة شرم الشيخ أثبتت أن إسرائيل تحولت إلى مركز قيادي بالمنطقة”.

 

تحدث أيضا عن “حلف” يتشكل بين إسرائيل ودول عربية وإعطاء دور أكبر لتل أبيب في المنطقة، حتى باتت تتوسط لمصر لدى الولايات المتحدة لتخفف الضغط المفروض عليها بسبب ملفها الخاص بحقوق الإنسان.

 

أكد موقع “أكسيوس” الأميركي في 23 مارس أن إسرائيل وافقت وشجعت واشنطن على تمرير صفقة طائرات إف 15 المعطلة منذ سنوات لمصر، ضمن هذا الدور القيادي لتل أبيب.

 

في 23 مارس اعتبر المحلل السياسي بصحيفة هآرتس “يوناتان ليس” أن هذه القمم “تثبت مكانة إسرائيل في الشرق الأوسط”، و”تعبير ملموس عـن التغيير الجذري الذي حدث إقليميا، وصعود مكانة تل أبيب منذ توقيع اتفاقيات أبراهام”.

 

واعتبر “توطيد العلاقات بين إسرائيل والأنظمة العربية يؤشر لتغيير إضافي في القضية الفلسطينية، التي همشت بالتدريج بعدما كانت أساس النزاع الدائم، ولم يعد القادة العرب يهتمون بها، ويصرون على التعاون مع تل أبيب”.

 

عقد اجتماع عربي في النقب المحتل، اعتبرته صحيفة نيويورك تايمز دليلا على أن تل أبيب “بدأت في جني ثمار اتفاقيات أبراهام للتطبيع”، و”إعادة تنظيم عميق للشرق الأوسط”.

 

وكانت مفارقة أن يعلن الاحتلال الصهيوني عن قمة إسرائيلية أميركية في القدس، مع ثلاثة وزراء خارجية دول عربية طبعت علاقاتها في العام 2020 (الإمارات والبحرين والمغرب)، ثم عودتها لتعلن مشاركة مصر أيضا، وانتقال القمة إلى النقب المحتل.

 

أكد الصحفي الإسرائيلي “براك رفيد”، ومراسل موقع “واللاه”، في 27 مارس أن إسرائيل لم تخطط لدعوة وزير خارجية مصر سامح شكري لحضور اللقاء السداسي.

 

وأوضح أن وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابيد اتصل بنظرائه في الإمارات والبحرين والمغرب لحضور قمة في القدس “فوافقوا بدون تردد، وهكذا استغرق إعداد القمة ثلاثة أيام فقط “، ثم طلب “شكري” الحضور فجرت دعوته.

 

يبدو أن مشاركة شكري جزء من “هندسة” الدولة العبرية للأوضاع السياسية في المنطقة العربية، ومحاولة لربط التطبيع الجديد بالقديم، وإعادة مصر إلى القطار بعد فتور في علاقتها مع واشنطن بسبب حقوق الإنسان.

 

انتقد الباحث والخبير في الشؤون الإسرائيلية “محمد سيف الدولة” مشاركة الوزراء العرب في اجتماع داخل منطقة فلسطينية محتلة.

 

وأكد أنه “ليس من المقبول أن يجري إلحاقنا بهذا الحلف أو غيره على طريقة الحشد والاستدعاء الجماعي، وأن يكون مكانه في إسرائيل وكأنها أصبحت هي المركز والقيادة للمنطقة وللمجموعة العربية المشاركة”.

 

كما أوضح أن هذا يحقق نبوءة رئيس إسرائيل السابق شمعون بيريز، الذي قال على هامش مؤتمر لبعض رجال الأعمال العرب بالدار البيضاء عام 1994: “إن مصر قادت الشرق الأوسط 40 سنة وهذه هي النتيجة”. بيريز تابع حينئذ: “إذا تركتم إسرائيل تقود ولو عشر سنوات فسوف ترون”.

 

رسائل وتحذيرات

أثيرت الكثير من التساؤلات حول أسباب إعلان إسرائيل نقل مقر الاجتماع من القدس، كما أعلنت سابقا، إلى مدينة النقب جنوب الأراضي الفلسطينية المحتلة. ورأى كثيرون أن في ذلك ردا على عملية النقب الفدائية التي نفذها الفلسطيني محمد أبو القيعان أواخر مارس، وأدت إلى مقتل أربعة مستوطنين في مدينة بئر السبع، في رسالة تظهر التضامن من الدول العربية.

 

ظهر الهدف الإسرائيلي حين أرسل وزراء الخارجية العرب في قمة النقب تعازيهم لذوي قتلى العملية الثانية التي وقعت في الخضيرة قرب تل أبيب خلال وجودهم في إسرائيل، ونددوا بالهجوم، بحسب ما نشرت إذاعة جيش الاحتلال في 27 مارس.

 

هدف آخر لإسرائيل من عقد القمة في النقب هو إبداء وجود مباركة ضمنية من الممثلين العرب للاستيطان، ففي نفس القمة أعلنت حكومة تل أبيب عن بناء خمس مستوطنات يهودية. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل أكدت قناة “كان” العبرية في 27 مارس أن وزراء الخارجية العرب سيزورون قبر ديفيد بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل، رغم أنه المسؤول عن جرائم قتل وتهجير الشعب الفلسطيني عام 1948، وهو ما لم يجر تأكيده. ومستوطنة “سديه بوكير” التي احتضنت اجتماع الوزراء العرب بالإسرائيليين، شيدت عام 1948 على أنقاض أراضي قبائل بدوية فلسطينية شردتها وقتلتهم عصابات الهاغاناة بأوامر من ابن غوريون.

 

بعض الأوساط الدبلوماسية العربية حللت السبب بأن عقد الاجتماع في القدس معناه اعتراف العرب رسميا بأنها عاصمة للدولة العبرية، لذا تفاديا للحرج جرى إلغاء اللقاء فيها.

 

صحيفة نيويورك تايمز أكدت في 26 مارس هذا المعنى مشيرة إلى أن “قرار عقد الاجتماع في النقب وليس في القدس يعكس كيف أن مكانة المدينة لا تزال قضية حساسة للغاية بالنسبة للقادة العرب”.

 

لكن تعليقات الدبلوماسيين والصحفيين الإسرائيليين حول اختيار “النقب” جاءت مدهشة وتؤكد أن العرب لم يعترضوا لا عليها ولا على القدس، وأن إسرائيل هي التي اختارت المكان الذي يوجد به قبر ابن غوريون لتأكيد رسالتها.

 

الصحفي “ألوف بن” كتب في صحيفة “هآرتس” في 27 مارس ساخرا: “ما معنى أن يجتمع العرب حول قبر طارد الفلسطينيين من أرضهم؟”. قال: “يجب عدم الاستخفاف بالمعنى الرمزي لاختيار المكان، فابن غوريون هو المسؤول الأول عن نكبة 1948 والذي أشرف على إبعاد اللاجئين من إسرائيل ومصادرة أراضيهم وقمع الذين بقوا”.

 

وتابع قائلا: “زيارة وزراء الخارجية العرب إلى قبره سترمز لصفحة جديدة في العلاقات بين إسرائيل والعالم العربي بدون الفلسطينيين، حقا مثلما في اتفاقات أبراهام التي تجاهلتهم”.

 

بالتزامن مع هذه القمم، بدأ مسؤولون عرب يتحركون من أجل الضغط على الفلسطينيين كي لا يتسببوا في أي إزعاج للإسرائيليين خلال شهر رمضان بالتظاهر، خشية اندلاع مواجهات على غرار رمضان الماضي، وحرب بين غزة وتل أبيب.

 

قالت صحف عبرية إن زيارة ملك الأردن عبد الله الثاني، إلى رام الله، للاجتماع مع الرئيس محمود عباس في 28 مارس كان سببها العمل على منع حدوث تصعيد في القدس خلال شهر رمضان.

 

أوضحت قناة “كان” في 25 مارس أن إسرائيل نقلت عبر الوسيط المصري رسالة تحذير إلى الفصائل الفلسطينية في غزة من تصعيد الأوضاع الأمنية في الضفة الغربية أو القدس.

 

ونقلت عن مصادر مطلعة في القاهرة، أن مسؤولين في جهاز المخابرات المصري أجروا مؤخرا اتصالات مع إسرائيل ومسؤولين في حركتي المقاومة الإسلامية حماس والجهاد الإسلامي بهدف خفض التوتر الأمني.

 

وكشفت إذاعة الجيش الإسرائيلي في 26 مارس أن منسق أنشطة حكومة تل أبيب في المناطق الفلسطينية ،اللواء غسان عليان، زار القاهرة بشكل غير معلن ضمن المخاوف من حدوث تصعيد أمني خلال شهر رمضان.

 

 أوضحت هذه الزيارة أن “عليان” التقى بكبار المسؤولين في جهاز المخابرات المصرية، وبحث معهم الأوضاع، لنقل رسائل لحماس أن إسرائيل غير معنية بتصعيد في القدس أو غزة.

 

ورغم الوساطة العربية لتحذير الفلسطينيين، استمرت الحكومة الإسرائيلية في استفزازهم، وأقرت خطة لاستمرار اقتحام وانتهاك المستوطنين للمسجد الأقصى في رمضان بدل منعهم خشية الصدام بينهم وبين الفلسطينيين.

 

لكن جاءت “عملية الخضيرة”، وهي مدينة تقع بين تل أبيب وحيفا، في نفس يوم قمة النقب، لتحول اهتمام الإعلام العبري من الحديث عن التحالف إلى تأكيد أن العملية أعادت إسرائيل إلى الواقع المرير وأن الصدام قادم لا محالة في رمضان.

 

ناتو جديد

خلال زيارته واشنطن في أغسطس 2021، اقترح رئيس الوزراء نفتالي بينيت على الرئيس الأميركي جو بايدن، تشكيل تحالف عسكري يضم إسرائيل ودولا خليجية والأردن لمواجهة إيران.

 

حينئذ، أكدت قناة “كان” في 29 أغسطس 2021 أن التحالف الذي اقترحه بينيت هو على غرار حلف شمال الأطلسي “الناتو”.

 

وخلال قمة شرم الشيخ مع السيسي وابن زايد، عاد بينيت ليكرر نيته إنشاء حلف إقليمي تقوده إسرائيل في ظل انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة، خوفا من أن تملأ إيران الفراغ الذي ستتركه الولايات المتحدة.

 

وبحسب ما نشرت القناة 11 العبرية في 23 مارس، سيطلق على هذا التحالف العسكري اسم “إستراتيجية الدفاع الإقليمية” ضد إيران، وسيشمل الدفاع الصاروخي المشترك، ومجابهة ضربات الطائرات المسيرة الإيرانية.

 

ونقلت صحيفة “جيروزاليم بوست” في 27 مارس عن “مصادر مقربة من وزير الخارجية يائير لابيد” أن “إسرائيل ودول اتفاق أبراهام بحثوا إنشاء تحالف دفاعي لمواجهة العدوان الإيراني، في قمة النقب”.

 

ورغم عدم مشاركة السعودية، نقلت صحيفة “وول ستريت جورنال” في 27 مارس عن مسؤول أميركي أن السعودية، التي امتنعت عن تطبيع العلاقات مع إسرائيل، أجرت محادثات هادئة معها بشأن “تعاون عسكري أوثق”.

 

ووفقا لتقارير إعلامية إسرائيلية، فإن هذا الحلف قد يضم دولا عربية أخرى إضافة إلى تلك التي طبعت علاقتها مع تل أبيب.

 

وتساءلت “وول ستريت جورنال” عما إذا كانت “اتفاقات أبراهام يمكن أن تتوسع إلى تحالف دفاعي رسمي والدور الذي سيكون للولايات المتحدة في أي علاقة عسكرية جديدة”.

 

ووصفت الصحيفة الأميركية قمة النقب بأنها “جزء من إعادة الاصطفاف الجيوسياسي”. وأكدت أن “العلاقات الدبلوماسية والأمنية الجديدة تعيد تشكيل الشرق الأوسط، حيث يسعى الأعداء السابقون إلى الوحدة لاحتواء إيران، فيما تعيد الولايات المتحدة النظر في دورها الأمني بالمنطقة، وتسعى روسيا والصين لملء فراغ واشنطن”.

 

ولأن تشكيل “ناتو عربي-إسرائيلي” سيكون موجها للمقاومة الفلسطينية وإيران التي تدعمها، وسيكون ذا طابع عسكري، وجهت الفصائل في غزة انتقادات شديدة اللهجة إلى مشاركة أربعة وزراء خارجية عرب في القمة، وحذرت من تشكيل هذا التحالف.

 

ووصفت ثمانية فصائل مقاومة، قمة النقب بأنها “محور الشر”، وتتعارض مع رغبات الشعوب في رفض التطبيع، واعتبروها “تعكس ضياع الهوية العربية لكل أولئك الذين ارتضوا أن يكونوا جزءا من مشروع التطبيع مع العدو”.

 

رغم أن كافة التعليقات السياسية والإعلامية الإسرائيلية ركزت على أن الهدف من قمم ابن غوريون والعقبة وشرم الشيخ هو تشكيل تحالف ضد طهران، فقد تسربت من بعضهم تعليقات تشير إلى أهداف أخرى، لكن إسرائيل تصدر عنوان “إيران” لجذبهم.

 

إذاعة “كان” نقلت في 26 مارس عن الرئيس السابق للشعبة السياسية والأمنية بوزارة الجيش الإسرائيلية عاموس جلعاد، قوله إن: “التقارب سببه الأعداء المشتركون، إيران من جهة والإرهاب الإسلامي السني من جهة أخرى”، وفق تعبيره.

 

صحيفة “هآرتس” العبرية ذكرت أهدافا أخرى، نقلا عن مصدر دبلوماسي إسرائيلي، منها إيجاد حلول للمشاكل المشتركة مثل “مساعدة إسرائيل مصر في إيجاد بديل للقمح الأوكراني والروسي”.

 

وأكدت الصحيفة في 26 مارس أن مهمة إسرائيل أيضا إقناع الإمارات والسعودية بزيادة إنتاجهما من النفط لتقليل الاعتماد على النفط الروسي، وهي خطة أميركية لخنق روسيا اقتصاديا.

 

وضمن أهداف قمة النقب التي تحدثت عنها صحيفة نيويورك تايمز في 27 مارس نقلا عن مسؤولين أميركيين “مناقشة النقص العالمي في القمح بسبب حرب أوكرانيا والذي قد يسبب أزمة في الشرق الأوسط المعتمد بشدة على استيراده”.

 

وكان من الغريب مشاركة رئيس وزراء العراق مصطفى الكاظمي في قمة العقبة التي تدور حول نفس أهداف الحلف الإسرائيلي العربي ضد إيران، في ضوء تأكيد وزير خارجية بلاده فؤاد حسين أن الاتفاق النووي الإيراني يصب في مصلحة بغداد.

 

وأكد حسين في مقابلة مع صحيفة “المونيتور” الأميركية في 25 مارس دعم بلاده للاتفاق النووي الإيراني وأكد لعبها دورا في المساعدة بتسهيل الحوار وتهدئة الصراع بين واشنطن وطهران.