في حلقة جديدة من مسلسل التنكيل الممنهج وتصفية الحياة السياسية والإعلامية تحت وطأة نظام الرئيس قيس سعيّد، قضت محكمة الاستئناف بتونس، الجمعة، بتأييد الأحكام السجنية الجائرة بحق عدد من أبرز وجوه المعارضة والعمل المدني، وشملت الأحكام المحامي والوزير السابق نور الدين البحيري، والطبيب ورئيس حركة “النهضة” بالإنابة منذر الونيسي، إلى جانب الصحفي زياد الهاني.
ويأتي هذا التصعيد القضائي ليعكس إصرار سلطة قيس سعيّد على تكميم الأفواه، وتحويل أروقة المحاكم إلى أدوات لتصفية الخصوم السياسيين والنشطاء والصحفيين، وسط انتقادات حقوقية دولية واسعة تتهم النظام بالإجهاز الكامل على مكتسبات الثورة التونسية واستقلال القضاء.

أحكام انتقامية ضد قادة المعارضة والنخب الطبية
وقررت محكمة الاستئناف تأييد الحكم الابتدائي الصادر بالسجن لمدة أربعة أعوام بحق كل من القيادي البارز في حركة النهضة ووزير العدل الأسبق نور الدين البحيري، والطبيب الأستاذ المختص في زراعة الكلى منذر الونيسي، وذلك فيما يُعرف بقضية وفاة البرلماني السابق الجيلاني الدبوسي عام 2014.
- نور الدين البحيري: يواجه المحامي والقيادي المعتقل منذ عام 2023 سلسلة من الأحكام الانتقامية المتراكمة التي بلغت في مجموعها 39 عاماً من السجن في ملفات مختلفة، أبرزها تهمة “التآمر على أمن الدولة” التي نال فيها حكماً منفرداً بالسجن 25 عاماً.
- الدكتور منذر الونيسي: الطبيب ورئيس حركة النهضة بالنيابة (الذي عُين خلفاً لراشد الغنوشي المسجون أيضاً)، جرى توقيفه تعسفياً بناءً على تسريبات مجهولة لمكالمة هاتفية أنكر صلتها به، ولم تكن تتضمن سوى آراء وتحليلات اعتيادية للأوضاع السياسية في البلاد، ليتحول رأيه إلى جريمة تستوجب السجن.
تكميم الصحافة وملاحقة الأقلام الحرة
وفي سياق متصل، أيدت المحكمة حكم السجن لمدة عام بحق الصحفي التونسي البارز زياد الهاني، بتهمة فضفاضة وهي “الإساءة للغير عبر الشبكات العمومية للاتصال”، وذلك بعد ملاحقات وتحقيقات متكررة خضع لها الهاني سابقاً بتهمة “الإساءة لشخص رئيس الجمهورية”، في مؤشر واضح على تصفية الهامش المتبقي لحرية الصحافة والتعبير في عهد سعيّد.
وجاء هذا القرار بعد ساعات قليلة من صدور أحكام قضائية قاسية أخرى هزت الأوساط الحقوقية، وأبرزها الحكم بالسجن 25 عاماً في قضيتين منفصلتين بحق رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة سهام بن سدرين، مما يؤكد أن مقصلة الأحكام تطال كل من ارتبط بملفات العدالة الانتقالية أو كشف انتهاكات النظام.
انسداد سياسي وإطباق أمني على الدولة
وتشهد تونس تصاعداً غير مسبوق في الملاحقات والأحكام السجنية التي طالت عشرات المعارضين السياسيين، ورجال الأعمال، والنشطاء، والقضاة، والمحامين بناءً على تهم وصفتها منظمات دولية بأنها “ملفقة ومسيسة”.
وفي المقابل، تواصل سلطة قيس سعيّد تقديم خطابات تبريرية تدعي فيها احترام استقلال القضاء وتطبيق القانون، وهي سردية يرى الشارع التونسي والقوى الحية أنها تتناقض كلياً مع الواقع الميداني الذي تحولت فيه تونس إلى سجن كبير للمعارضين، بعد أن أحكم الرئيس قبضته على مفاصل الدولة والقرار التشريعي والقضائي منذ انقلابه على الدستور في يوليو 2021.
اقرأ أيضًا : إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية: محرقة منظمة للمزارع والمركبات تحت حماية جيش الاحتلال