في فضيحة دولية جديدة تكشف عن مدى تغلغل أذرع التجسس والتلاعب الرقمي الصهيوني في عواصم الغرب، أعلن رئيس وكالة “فيجينوم”الفرنسية -المعنية بمكافحة المعلومات المضللة والتدخل الأجنبي- عن رصد تورط شركة “بلاك كور” الإسرائيلية الغامضة في عمليات تدخل رقمي ممنهجة طالت الانتخابات المحلية والدولية؛ وجاء هذا الإعلان المدوّي ليكشف أن نشاط الشركة لم يقتصر على تخريب الانتخابات البلدية الفرنسية الأخيرة، بل امتد كأخطبوط تلاعب استهدف إسقاط وتهديد المرشحين أصحاب المواقف السياسية الداعمة للقضية الفلسطينية في الولايات المتحدة وبريطانيا، إلى جانب إدارة عمليات مشبوهة في دول إفريقية مثل أنغولا وتوغو.
وصرح مارك أنطوان بريلان، رئيس الوكالة الفرنسية، في مؤتمر صحفي رفيع المستوى عُقد بحضور رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو، بأن التحقيقات التقنية المعمقة قادتهم بشكل قاطع إلى إثبات تورط “بلاك كور” في تنفيذ هجمات سيبرانية وحملات تشويه منظمة عابرة للقارات؛ وأكد بريلان أن أسلوب العمل الذي اتبعته هذه الشركة الإسرائيلية اعتمد على الاغتيال المعنوي للمرشحين والتدخل الرقمي الأجنبي المباشر في ديمقراطيات غربية وإفريقية، مقدماً تقريراً مفصلاً يفضح أنشطة الشركة حول العالم، في حين أوضح رئيس الوزراء سيباستيان ليكورنو أن باريس وجهت طلباً رسمياً لتل أبيب لتقديم توضيحات عاجلة وكشف هوية الجهات التي كلفت هذه الشركة الخاصة بالتدخل، مشيراً بلهجة حادة إلى أن فرنسا لم تكن لتتردد في اتخاذ إجراءات صارمة لو أن مجموعة فرنسية مارست هذا الإرهاب الرقمي ضد الاحتلال.

السلاح السايبير الصهيوني يستهدف “نيويورك” و”أسكتلندا”
وعلى الرغم من محاولات التكتم، فإن تقرير الوكالة الفرنسية والوقائع الميدانية كشفت بوضوح عن هوية المستهدفين من هذا التلاعب الإسرائيلي، حيث ركزت “بلاك كور” نيرانها الإلكترونية في انتخابات مدينة نيويورك البلدية لعام 2025 ضد المرشح زهران ممداني، الذي حقق فوزاً ساحقاً مدعوماً من الشباب اليهود التقدميين، ولكنه أثار رعب الأوساط التقليدية المؤيدة للاحتلال بسبب مواقفه العلنية الشجاعة ودعمه الصريح للحق الفلسطيني؛ وسعت الآلة السيبرانية الصهيونية إلى تشويه صورته واستهدافه لإحباط أي صعود برلماني أو بلدي يهدد السردية الإسرائيلية في عمق الولايات المتحدة.
ولم تتوقف القرصنة الصهيونية عند حدود أمريكا، بل رصدت “فيجينوم” حسابات وهمية ومواقع مضللة تابعة لـ “بلاك كور” تستهدف بشكل مباشر رئيس وزراء أسكتلندا، جون سويني؛ وجاء هذا الاستهداف الانتقامي رداً على التصريحات السياسية القوية التي أطلقها سويني، والتي وصف فيها الأوضاع المأساوية في قطاع غزة بأنها “كارثة إنسانية من صنع الإنسان”، مؤكداً أن ما يجري هناك قد يرقى إلى “إبادة جماعية” مستشهداً بحجم المجازر والدمار الشامل وتصريحات مسؤولي الاحتلال الفاشية؛ وهو ما جعل منه هدفاً مباشراً لشركات التأثير الإسرائيلية التي تسعى لإسكات أي صوت سياسي أوروبي يجرؤ على فضح جرائم الإبادة.
تزييف واغتيال معنوي: تكتيكات الحرب المعلوماتية القذرة
وقبل أن تُسارع الشركة لحذف منصاتها وموقعها الإلكتروني وصفحتها على “لينكد إن” للتغطية على الفضيحة، كانت “بلاك كور” تعرّف نفسها بوقاحة بأنها “مجموعة نخبوية متخصصة في التأثير، والأمن السيبراني، والحرب المعلوماتية الحديثة”، صُممت لتقديم إستراتيجيات هجومية للحكومات والحملات السياسية؛ وكانت السلطات الفرنسية قد رصدت الشهر الماضي قيام هذه الشركة بحملة تشويه شرسة استهدفت ثلاثة مرشحين بارزين من حزب “فرنسا الأبية” ($LFI$) المنتمي لليسار والمؤيد لفلسطين، قبيل الانتخابات البلدية التي جرت في مارس الماضي، من بينهم سيباستيان ديلوغو وفرانسوا بيكيمال وديفيد غيرو.
وتمثلت التكتيكات القذرة التي وظفتها الشركة الإسرائيلية في إنشاء مواقع إلكترونية مضللة بالكامل واستخدام الذكاء الاصطناعي لتوليد صور وحسابات زائفة على منصات التواصل الاجتماعي، بهدف ترويج مزاعم كاذبة بارتكاب سلوكيات إجرامية وجنائية مخلة بالشرف ضد المرشحين، للتأثير على وعي الناخبين ودفعهم لإلغاء التصويت لصالحهم؛ وتكشف هذه الفضيحة الدولية المدوية أن دولة الاحتلال باتت تصدّر مرتزقة السايبير وتطوع التكنولوجيا لتهديد السيادة الوطنية للدول وتزوير إرادة الشعوب، وملاحقة وتصفية كل مرشح أو مسؤول سياسي يرفض الانصياع لإرادتها أو يناصر دماء الأبرياء في غزة.
اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين