تهديدات سُلمت باليد

بالنسبة إلى فاتو بنسودا، المحامية الغامبية المرموقة التي انتخبت المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية في عام 2012، فإن انضمام فلسطين إلى المحكمة كان بداية مرحلة مختلفة في تاريخ المحكمة، إذ صدر قرارا بالغ الأهمية يتعلق بالولاية القضائية على فلسطين. بموجب نظام روما الأساسي، المعاهدة التي أنشأت المحكمة، لا تستطيع المحكمة الجنائية الدولية ممارسة اختصاصها القضائي إلا على الجرائم التي تقع داخل الدول الأعضاء أو التي يرتكبها مواطنون من تلك الدول.

إسرائيل، مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين، ليست عضوا في المحكمة، وبعد قبول فلسطين كعضو في المحكمة الجنائية الدولية، أصبحت أي اتهامات بجرائم حرب – يرتكبها أشخاص من أي جنسية – في الأراضي الفلسطينية المحتلة تقع الآن ضمن اختصاص بنسودا.

في 16 يناير/كانون الثاني 2015، في غضون أسابيع من انضمام فلسطين، فتحت بنسودا فحصًا أوليًا لما أطلق عليه في القانون القانوني للمحكمة “الوضع في فلسطين”، وفي الشهر التالي، ظهر رجلان تمكنا من الحصول على العنوان الخاص للمدعي العام في منزلها في لاهاي.

وقالت مصادر مطلعة على الحادث إن الرجال رفضوا التعريف عن أنفسهم عند وصولهم، لكنهم قالوا إنهم أرادوا تسليم رسالة إلى بنسودا نيابة عن امرأة ألمانية مجهولة تريد شكرها، وحسبما قيل، كان المظروف يحتوي على مئات الدولارات نقدا ومذكرة تحمل رقم هاتف إسرائيلي.

وقالت مصادر مطلعة على مراجعة المحكمة الجنائية الدولية للواقعة إنه في حين ظلت هوية الرجال مجهولة، تمامًا مثل تحديد دوافعهم بشكل كامل، فقد خلص التدقيق إلى أن إسرائيل من المرجح أن ترسل إشارة إلى المدعية العامة بأنها تعرف مكان إقامتها، وقد أبلغت المحكمة الجنائية الدولية السلطات الهولندية بالحادثة وفرضت إجراءات أمنية إضافية، وقامت بتركيب كاميرات المراقبة عند منزل بنسودا.

كان التحقيق الأولي الذي أجرته المحكمة الجنائية الدولية في الأراضي الفلسطينية واحدًا من العديد من عمليات تقصي الحقائق التي كانت المحكمة تجريها في ذلك الوقت، كبداية لتحقيق كامل محتمل، وتضمنت القضايا التي كانت في فترة ولاية بنسودا أيضًا تسع تحقيقات كاملة، بما في ذلك الأحداث في جمهورية الكونغو الديمقراطية وكينيا ومنطقة دارفور في السودان.

يعتقد المسؤولون في مكتب المدعي العام أن المحكمة كانت عرضة لنشاط التجسس، وأدخلوا تدابير مراقبة مضادة لحماية تحقيقاتهم السرية، أما في إسرائيل، قام مجلس الأمن القومي التابع لرئيس الوزراء بالاستعداد للرد على ذلك عبر مشاركة وكالات الاستخبارات التابعة له، وكان لنتنياهو وبعض الجنرالات ورؤساء المخابرات الذين أذنوا بالعملية مصلحة شخصية في نتائجها.

على عكس محكمة العدل الدولية، وهي هيئة تابعة للأمم المتحدة تتعامل مع المسؤولية القانونية للدول القومية، فإن المحكمة الجنائية الدولية هي محكمة جنائية تحاكم الأفراد، وتستهدف أولئك الذين يعتبرون الأكثر مسؤولية عن الفظائع.

وقالت مصادر إسرائيلية متعددة إن قيادة الجيش الإسرائيلي أرادت أن تنضم المخابرات العسكرية إلى الجهود، التي تقودها وكالات استخبارات أخرى، لضمان حماية كبار الضباط من الاتهامات. في سياق ذلك قال أحد المصادر: “قيل لنا إن كبار الضباط يخشون قبول مناصب في الضفة الغربية لأنهم يخشون الملاحقة القضائية في لاهاي”.

كما قال اثنان من مسؤولي المخابرات المشاركين في الحصول على تقارير متعلقة بعمل المحكمة الجنائية الدولية إن مكتب رئيس الوزراء أبدى اهتماما كبيرا بعملهم. وقال أحدهم إن مكتب نتنياهو سيرسل “تعليمات” فيما يتعلق بمراقبة مسؤولي المحكمة، فيما وصف آخر رئيس الوزراء بأنه “مهووس” بعمليات التجسس التي تركز على أنشطة المحكمة الجنائية الدولية.

للاطلاع على النص الأصلي من المصدر اضغط هنا