تغيير حجم الخط ع ع ع

أسابيع قليلة تفصل بين مغادرة دونالد ترامب للبيت الأبيض بصورة رسمية، بعد أربع سنوات من القرارات المتسرعة والمتهورة منذ اليوم الأول له في منصبه، لاسيما فيما يتعلق بالسياسة الخارجية.

ضمن تلك القرارات، قرار دونالد ترامب بالإذن لقواته البحرية بشن غارة في اليمن، هذه العملية، التي وقع عليها على العَشاء، كانت سيئة التخطيط ومحفوفة بالمخاطر، والنتيجة: مقتل عشرات المدنيين اليمنيين بينهم 10 أطفال، وكذلك مقتل جندي أمريكي.

الآن، بينما يستعد الرئيس ترامب لترك منصبه، يبدو أنه مستعد لارتكاب خطأ آخر -غير محسوب العواقب- في اليمن، إذ تسعى إدارة ترامب هذه المرة إلى تصنيف الحوثيين، وهي جماعة ميليشيا محلية استولت على السلطة في المرتفعات الشمالية للبلاد، كمنظمة إرهابية أجنبية.

وعلى الرغم من جرائم الحوثيون الوحشية، إلا أن القرار بإدراجهم على قوائم الإرهاب قرار خاطئ دون أدنى شك، فهذا التصنيف ستكون له آثار سلبية خطيرة على المدنيين، كما أنه سيقوض محادثات السلام القائمة، بالإضافة إلى خطورته على الأمن القومي الأمريكي، ففي الوقت الذي تقوم فيه الولايات المتحدة بسحب قواتها من العراق وأفغانستان، في محاولة لإنهاء الحروب، يجب ألا تغامر بالخارج بحثًا عن أعداء جدد.

خلال السنوات الست الماضية – في ظل إدارتي كل من أوباما وترامب – كانت الولايات المتحدة متواطئة في حرب المملكة العربية السعودية الوحشية والدموية في اليمن، حيث قامت بتدريب الطيارين السعوديين، وباعت للمملكة أسلحة بالمليارات، كما قامت بإعادة تزويد الطائرات السعودية بالوقود في الجو أثناء رحلات القصف إلى اليمن، مما تسبب في سقوط عدد مفزع من الضحايا المدنيين، ما يجعل الولايات المتحدة شريكاً أساسياً للسعودية في هذه الجرائم.

عندما أعلنت المملكة العربية السعودية عن بدء مشاركتها في الحرب اليمنية، وقامت بشن ما أسمته “عملية عاصفة الحزم”، لم يكن القرار سعودياً، بل كان أمريكياً، صادر من واشنطن العاصمة، خاصة وأن الولايات المتحدة في ذلك المساء قامت بالإعلان عن تشكيل خلية استخبارات مشتركة في الرياض لتباحث أمر الحرب التي قال مسؤولون سعوديون إدارة عنها أنها ستستغرق حوالي ستة أسابيع، ولكن الحقيقة، أنها استغرقت حتى الآن ستة أعوام، ولا أحد يعلم متى وكيف ستنتهي؟

على طول طريق الحرب الدامية، كانت أعداد القتلى تتصاعد بصورة تفوق قدرات منظمات الدولية في الإحصاء. الأمم المتحدة، التي فقدت أي أمل في الحصول على رقم دقيق لضحايا سنوات الحرب الست، تصف ما يحدث في اليمن بأنه “أسوأ أزمة إنسانية في العالم”، الوضع مؤلم للغاية، لكن الأكثر ألماً أن هذه المأساة هي من صنع الإنسان.

مثل السعوديين، فإن أيدي الحوثيون ملطخة بالدماء في اليمن، لقد أخفوا المعارضين، وعذبوا المعتقلين، واستخدموا العنف الجنسي كسلاح للترهيب وفرض السيطرة، كما أن الحوثيين مدعومون من إيران، التي شحنت مكونات صواريخ الجماعة في انتهاك لعقوبات الأمم المتحدة، وفي الشهر الماضي فقط، أرسلت سفيراً إلى الأراضي التي يسيطر عليها الحوثيون، معترفة فعلياً بالجماعة كدولة رسمية

إن علاقات الحوثيين بإيران هي التي تقف وراء مسعى إدارة ترامب لتصنيف الجماعة على أنها منظمة إرهابية أجنبية، إذ يعتقد الرئيس ترامب ووزير الخارجية مايك بومبيو – بتشجيع قوي من ولي العهد محمد بن سلمان والمسؤولين في السعودية – أن النهج المتشدد من قبل الولايات المتحدة سيجبر الحوثيين على التنازل أو الاستسلام، وهو نهج يؤكد الخبراء أنه لن ينجح.

إن تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية أجنبية سيمنع أعضائها من السفر إلى الولايات المتحدة ويجمد الأصول المالية للجماعة وأعضائها، ومن الجدير بالذكر أن ثلاثة من كبار قادة الحوثيين، بمن فيهم زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، يخضعون بالفعل لعقوبات الأمم المتحدة

ولكن وبحسب نتائج لجنة الأمم المتحدة التي راقبت تنفيذ وآثار هذه العقوبات، وُجد أن قيادة الحوثيين إلى حد كبير لا تسافر إلى الخارج وليس لدى الجماعة أصول دولية لتجميدها.

في الواقع، كانت عقوبات الأمم المتحدة، التي استهدفت الحوثيين والرئيس السابق علي عبد الله صالح، في طريقة غير مباشرة في تعزيز قوى الحوثيين، حيث أضعفت العقوبات صالح، الذي كان لديه بالفعل أصول دولية للتجميد، وحرمانه من الأموال التي كان بحاجة إليها، وقوضته في النهاية حتى أصبح فريسة للحوثيين وسهلت لهم فرض سيطرتهم في الشمال.

من خلال مراقبة الأوضاع في اليمن، لوحظ أن العقوبات الدولية المفروضة تضر بالأشخاص الخطأ، على سبيل المثال، إن أُدرج الحوثيون على قائمة الإرهابيين، سيؤدي ذلك فعلياً إلى قطع المساعدات الإنسانية عن حوالي 16 مليون شخص يعيشون تحت سيطرة الحوثيون، ويعتمد الكثير منهم على المساعدات الخارجية للبقاء على قيد الحياة، لذلك، وفي حال اعتماد هذا التصنيف رسمياً، ستكون الولايات المتحدة مسؤولة بشكل مباشر عن الأضرار والكوارث الإنسانية التي ستحدث للملايين.

الحوثيون هم جماعة تمرد داخلية وليسوا منظمة إرهابية عالمية، لذلك لا ينبغي لأحد – ولا سيما وزير الخارجية الأمريكي- أن يخلط بين الأمرين، وعليه أن يأخذ السعودية كمثال كي لا يقع في ذات الخطأ الذي وقعت فيه.

خاضت المملكة العربية السعودية حربًا في اليمن في أوائل عام 2015 لأنها كانت تخشى أن يكون الحوثيون وكيلًا لإيران، لم يكونوا كذلك، لكن بعد ما يقرب من ست سنوات من الحرب، أصبح الحوثيون وإيران أقرب من أي وقت مضى وتبادلوا السفراء والأسلحة.

لم يستهدف الحوثيون الأمريكيين في أي هجمات إرهابية، لكن هذا قد يتغير بعد تصنيف الولايات المتحدة، بالفعل هذا الأسبوع، سحبت الأمم المتحدة ومنظمات إغاثة أخرى أكثر من 12 عاملاً أمريكياً من الأراضي التي يسيطر عليها الحوثيون، لتتحول الولايات المتحدة من الخصم إلى عدو.

بعد ما يقرب من عقدين من مكافحة الإرهاب في جميع أنحاء العالم، يجب على الولايات المتحدة أن تتطلع إلى تضييق نطاق الجماعات التي تستهدفها وتحاربها، وليس إعطاء فرص لخلق منظمات أخرى جديدة.

اليمن ليس بحاجة إلى تصنيف إرهابي آخر، إنها بحاجة إلى حلول دبلوماسية، لم تستطع إدارة ترامب توفيرها.

للاطلاع على النص الأصلي من المصدر اضغط هنا