تغيير حجم الخط ع ع ع

قبل أيام قليلة، خرج دونالد ترامب معلناً عن التوصل لاتفاق تطبيع بين المغرب وإسرائيل رغم المطالبات المغربية والعربية المستمرة بعدم الإقدام على هذه الخطوة التي يعتبرونها خيانة عظمى للقضية الفلسطينية، لكن الإدارة المغربية تجاهلت كافة هذه المطالبات مقابل الحصول على الاعتراف الأمريكي بـ “السيادة الكاملة” للمغرب على منطقة الصحراء الغربية المتنازع عليها.
ترامب يعلن تطبيع المغرب وإسرائيل

تشير هذه الاتفاقات المتزامنة ]التطبيع والاعتراف بالسيادة[ إلى أن واشنطن وعدت بالاعتراف بها مقابل تطبيع الرباط لعلاقاتها مع إسرائيل، وفي حالة إقرار الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن بهذا التعهد من خلال إنشاء قنصلية أمريكية في المنطقة المتنازع عليها، سيتسبب ذلك بإشعال التوترات في الداخل المغربي، وكذلك مع جيران المغرب الأفارقة، حيث أنشأت مؤخراً دول أفريقية وشرق أوسطية قنصليات في الصحراء الغربية.

على مدى عقود، والرباط تمارس ضغوط مكثفة من أجل اعتراف أوسع بمطالباتها بالسيادة في الصحراء الغربية، حيث طالب المغرب بالسيطرة على ما يقرب من 80٪ من الأراضي المتنازع عليها، وهي غنية بالفوسفات والأسماك واحتياطيات من النفط والغاز، فيما تسيطر الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية المدعومة من الجزائر وجماعة البوليساريو المسلحة على الأراضي المتبقية.
ردود الفعل على تطبيع العلاقات بين المغرب وإسرائيل | النهار

لا يمكن إنكار أن أبناء المغرب سيرحبون بمزيد من الدعم الخارجي لمطالب بلادهم بالسيادة على الصحراء الغربية، على الرغم من أن مقايضة التطبيع الإسرائيلي للحصول على هذه الأراضي قد تحمل ردود أفعال معادية من قبل الشعب المغربي، الذي يرفض التطبيع ويتمسك بوصفه بأنه خيانة.

بشكل أو بآخر، قد تستفيد المغرب وبالتالي المغاربة من توطيد العلاقات مع إسرائيل، وخصوصاً على الجانب الاقتصادي، ومع ذلك، فإن الشعب المغربي قد يقف أمام هذه الخطوة لأنه من المحتمل أن علاقة جديدة مع إسرائيل إلى تخلي الرباط عن سعيها لإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة.

من ناحية أخرى، فإن دعم الولايات المتحدة لمطالب المغرب في السيطرة على الصحراء الغربية سيزيد من تأجيج الصراع مع الجزائر وجبهة البوليساريو التي تدعمها، خاصة وأن الضم جاء مخالفاً لوعود الأمم المتحدة، التي وعدت على مدى عقود بإجراء استفتاء لتقرير المصير للشعب الصحراوي الذي يعيش في المنطقة المتنازع عليها، لذلك فإن الدعم الأمريكي الصريح للجانب المغربي يجعل من المستبعد إجراء هذا الاستفتاء المؤجل، وهذا بدوره سيضغط على جبهة البوليساريو والجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية وداعميهم الجزائريين لاستخدام الوسائل السياسية والعسكرية لإبطاء مثل هذا الاعتراف الصادم الذي يشبهوننها بالغارات المفاجئة.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الحديث عن إنشاء قنصلية أمريكية، من شأنه أن يزعج الجزائر بشدة، وبالتالي ستنشب أزمة دبلوماسية في الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، كما يمكن أن يدفع إنشاء القنصلية الأمريكية الجزائر إلى توفير المزيد من الأسلحة والدعم المادي لجبهة البوليساريو لمساعدة الجماعة في التصدي للضغوطات المغربية التي تعتبرها زحفاً غير شرعياً.

الصراع بين البوليساريو والسلطات المغربية قد يتصاعد ويصبح صراعاً مسلحاً مرة أخرى، خاصة وأن جبهة البوليساريو أعلنت في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي أنها قررت التوقف عن الالتزام باتفاقية وقف إطلاق النار لعام 1991، ما يعني أن موجة عنف غير عادية على وشك الاندلاع.

على الصعيد الأفريقي، أشارت العديد من الدول الأفريقية بقوة إلى أنها لا تريد للمغرب أن يكسب الصحراء الغربية بدون عملية الاستفتاء التي تجريها الأمم المتحدة، مما يشير إلى قبول ضعيف لجهود الرباط لتنويع علاقاتها في إفريقيا، وسيقوض الخطوات التي اتخذتها الإدارة المغربية قبل سنوات لانعاش اقتصادها، حيث أقام المغرب علاقات تجارية واستثمارات أعمق عبر إفريقيا جنوب الصحراء بعد عودة الرباط عام 2017 إلى الاتحاد الأفريقي بعد عقود من المقاطعة إذ رفضت الدول الأفريقية الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، وقد أدت استراتيجية التنويع هذه إلى تقليل اعتماد المغرب الاقتصادي على أوروبا، التي تظل سوق التصدير الرئيسي.

إن مسار سياسة الرباط الجديد سيتم تحديده بناء على استمرار الدعم الأمريكي من إدارة بايدن القادمة، حيث إن قدرة واشنطن على التأثير في تصرفات أطراف النزاع الآخرين ستكون بمثابة صمام أمان للمغرب ضد رافضي هذا الاعتراف.

فرنسا وإسبانيا كذلك هما الشريكان التجاريان الأوروبيان الأساسيان اللذان من المحتمل أن يظهرا استعدادًا أكبر لقبول استراتيجية المغرب، ومع ذلك، فإن رفض الاتحاد الأوروبي الشامل للاعتراف بالسيادة المغربية، بسبب رغبتهم في إجراء استفتاء الأمم المتحدة المُشار إليه حول مصير شعب الصحراء الغربية، من المرجح أن يستمر في التأثير على التجارة المغربية الشاملة عبر أوروبا.

للاطلاع على النص الأصلي من المصدر اضغط هنا