تغيير حجم الخط ع ع ع

 

قبل أيام قليلة، انتهى شهر رمضان وانتهى معه عرض مسلسل الاختيار، الملحمة التاريخية التي يتباهى بها النظام المصري منذ ثلاث مواسم، ويعتمد عليه بصورة كبيرة في ترسيخ قواعده وتلميع صورته وسرد أهم الأحداث التاريخية التي عاصرتها البلاد على مدار السنوات التسع الماضية -لكن من وجهة نظر النظام.

في الحلقة ما قبل الأخيرة، دخل ياسر جلال -الذي يلعب دور عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع آنذاك- إلى غرفة مليئة بالقادة الدينيين والسياسيين، وقال لهم بجدية واضحة “يجب أن نتخذ قراراً مصيرياً…. البلد بحاجة إلى مثل هذا القرار”، وكان التاريخ 3 يوليو/تموز 2013، وفي غضون ساعات من هذا الاجتماع، ظهر النخبة على شاشة التلفزيون خلف السيسي أثناء إلقائه الخطاب الذي أعلن فيه أن تجربة مصر القصيرة مع الديمقراطية قد انتهت.

لم تكن أحداث المسلسل غامضة بالنسبة للمشاهدين، كانوا يعلمون النهاية منذ الحلقة الأولى، وحين حلت الحلقات الأخيرة، لم تكن الوقائع مفاجئة بالنسبة للجمهور الذي عايش هذه الأحداث بنفسه، الفرق أنه اطلع على ما حدث خلف الكواليس -برواية النظام- وبجودة عالية خصصت لها الدولة ميزانية عالية.

في العادة، تستغل شركات الإنتاج شهر رمضان للمنافسة الدرامية التي يُنفق عليها ملايين الجنيهات، وبطبيعة الحال، كان مسلسل الاختيار في موسمه الثالث من أضخم المسلسلات ميزانية، إذ لم تُنفق الأموال على جودة المنتج فقط، بل على الدعاية على مواقع التواصل الاجتماعي التي صاحبت المسلسل طوال أيام عرضه.

هذا الموسم من سلسلة مسلسل الاختيار هو الثالث، ويسلط الضوء هذا العام على “أخطر 96 ساعة في تاريخ مصر الحديث” -كما يطلق عليه رواد العمل- حيث نقل الاحتجاجات الجماهيرية عام 2012، والانقلاب اللاحق في صيف 2013 الذي أطاح بمحمد مرسي، عضو جماعة الإخوان المسلمين، وأصبح الرجل الأول والوحيد الذي فاز في انتخابات نزيهة في مصر.

من الناحية الفنية، لعب ياسر جلال دوره بدقة خارقة، تمكن بصورة مفاجئة من تقليد السيسي في حركاته وابتساماته وطريقة تلويح يديه، كذلك نبرة صوته لا يمكن تمييزها عن النبرة الحقيقية لصوت السيسي، الذي أصبح رئيساً للجمهورية منذ عام 2014.
لم يكن من السهل على متابعي المسلسل اختيار الفريق الذي يؤيدون، حيث ركز المسلسل على إظهار السيسي بأنه الشخص المتواضع والتقي، المحب لأسرته والبار بوالدته… قبل ساعات من إعلانه الانقلاب على محمد مرسي، ذهب خصيصاً لزيارة والدته والتحدث إليها حول الأمر.
في المقابل، أظهر المسلسل محمد مرسي وجماعته بصورة الأشخاص الماكرين الذين يدبرون المكائد للإيقاع بالبلاد وتدميرها، وبالطبع كانت اللقطات التي يظهرون فيها تصاحبها موسيقى شريرة تنذر بالسوء.

من ناحيتهم، وصف المنتجون المسلسل بأنه رائع، ليس فقط من الناحية الفنية، ولكن على أنه “توثيق للتاريخ” للأجيال القادمة، بالطبع كان الأمر سيكون جديرًا بالثناء – إذا كانوا جادين في ذلك، لكن الواقع الذي عايشه المشاهدون بأنفسهم يقول عكس ذلك، فما بدا وكأنه احتجاج ليوم واحد ضد مرسي، تحول بسرعة مذهلة إلى انقلاب دموي سحق بعده كل أشكال المعارضة.

بحسب محللين، يهدف المسلسل إلى نقل المشاهدين إلى داخل الحرم الداخلي للدولة الأمنية المصرية، خاصة وأن هذه الأجهزة ساهمت بشكل مباشر في إنتاج العمل، ليس فقط مادياً، ولكن بتقديم تسجيلات واقعية لمسؤولي الإخوان المسلمين والتي أن تم التقاطها في السر ولم يتم بثها من قبل.

تصور المقاطع جماعة الإخوان المسلمين على أنهم عنيدون وغير أكفاء لقيادة مثل هذه المناصب، وهي حقيقة يعترف بها العديد من مؤيدي مرسي في السابق، لكن المسلسل يلقي القليل من الضوء على كيفية تآمر الدولة العميقة على الانقلاب على الديمقراطية، بصورة أو بأخرى، فإن هذا المسلسل تجسيد حي لمقولة: التاريخ يكتبه المنتصرون.

جمال عبد الناصر وأنور السادات، الرئيسان الثاني والثالث بعد الثورة، كلاهما خُلد في السينما، لكن ظهورهم جاء بعد وفاتهم بوقت طويل، لكن تجسيد شخصية السيسي وهو في أوج قوته لم يكن بالأمر الذي تم الإشادة به من النقاد: لقد فرض تعديلات دستورية في عام 2019، والتي وسعت من صلاحياته، وضمنت أنه سيحكم حتى عام 2030، لقد كان العمل جهداً دعائياً فخماً لحشد المصريين وراء السيسي في الوقت الذي يشعر فيه الكثيرون بخيبة أمل، ومع ذلك، لا يبدو أن المسلسل نجح في تحقيق هدفه، خاصة وأن إحصائيات المشاهدة لم يتم الإعلان عنها، ما يعني أن المسلسل أخفق في جذب الجماهير.

بعد ست سنوات من إبرامها صفقة بقيمة 12 مليار دولار مع صندوق النقد الدولي، عادت مصر للحصول على قرض آخر، خشية أن يضر ارتفاع أسعار المواد الغذائية والطاقة بميزانيتها، كذلك ارتفع معدل الفقر منذ أن تولى السيسي منصبه.
من ناحية أخرى، لم يتم حل المشاكل المتوطنة – التعليم والرعاية الصحية الرديئة، والفوضى الحضرية، وتفشي عدم المساواة والفساد.
يقول أنصار الرئيس إنه أنقذ مصر من “نفق مظلم” للحكم الإسلامي، لكن بالرغم من ذلك البلاد لم تخرج البلاد إلى المرتفعات المضاءة بنور الشمس بعد.

للاطلاع على النص الأصلي من المصدر اضغط هنا