تغيير حجم الخط ع ع ع

يوسف الدموكي

كاتب و شاعر مصري

حديثُ القمَر ..

 

السلامُ عليكِ سيدتي، أرجو أن أجدَ عندكَ مرفأ بوحٍ وميناءَ روحٍ يقدر على أن يحتويَ سفني المحمّلة بالكثير من حاوياتِ الهمومِ الثقيلة. أكتبُ إليكِ وأنا في غرفةٍ فقيرةِ المنافذ ومغلقةِ النوافذ، الجوّ باردٌ جدًّا هنا، لكن هذا البرود لم يمنعني من أنْ أحترمَ قدسية الكتابةِ إليك؛ فمن الإجحافِ أن أتكلم عن واسعٍ وأنا في مكانٍ مخنوقٍ، وأن أذكرَ الجمالَ الملوّن وأنا بين حوائطَ مصمَتة باهتة، وأن أسبحَ في عينيٍكِ وأنا حبيسُ كرسيٍّ ومكتب.

حسنًا.. خرجتُ لأكتبَ إليكِ أو أحكي عنك. أنا الآنَ بحالٍ أفضل، أجلسُ على رصيفٍ وعيني في السماء والقمر يزيّن صحنها فلا تظهر النجومُ في حضرته كما في حضرةِ الماءِ يبطل التيمم. أراه كأنّه أزاح السحابَ بضيائه عنوةً ليطلّ عليَّ ويقول: بُحْ.. أنا أسمعُك، ولم يختلطْ عليَّ صوتُ القمرِ وصوتُك، سمعتُه يقول: بح.. أنا، وفجأةً سمعتُ نبرة صوتِك في “أسمعُك”.. كنتِ تتنكرين في هيئةِ القمر وتقلّدين صوتَه، حتى إذا دنا الكلامُ من فعلٍ خاتمتُه ضميرٌ أنا المقصود به، لان صوتُك وفُضحَ مكركِ البريء.

الجوّ باردٌ جدًّا، وملابسي خفيفة، ولما بدَوتِ لخاطري لم أنتبه إلا لِأنْ آخذ قلمي وأوراقي وأخرجَ كما أنا إلى الهواء. هذه الحالةُ التي أعيشها خارجي.. هي بالضبط ما أحياهُ بداخلي الآن. القلبُ صاعقٌ جدًّا والمشاعرُ رياحُها هوجاء، وأنا لمْ آخذ معي في رحلتي إليكِ ما يقيني من الصواعق ولا الرياح، ولم أنتبه من أول نظرةٍ غير أن آخذ وَجدي ووجودي وأحجَّ إلى عينيْك متلحّفًا بأخف ما يمكن، عاريًا من كل متاع، طائفًا بطيفك، ومقبّلًا روحَك البيضاء التي لا مفسّر لقدسيّتها.

أشكو إليكِ نفسَك التي ملأتْ عليَّ روحي فشملَتني، حتى ملأتْ أخمص القدم وخصلة الشعر وقرنية العين وفصوص الدماغ، ليس من بابِ التغزّل في جمالِ الشعورِ الذي وهبنا الله إياه، وإنما بحقٍّ هذه المرة، كنقاش جدّي تمامًا عن مشكلة التدهور المناخي وانصهار جليد القطبين، كالحديث عن صواريخِ كوريا الشمالية، وعن انفصال كردستان. يا حضرة الدولة المجيدة التي لا يسكنها غيري ولا يحكمها غيرُك.

أما بعدُ.. فإن فلسفةَ المتعقّلين ترهقني من حينٍ إلى آخر، ولومَ اللائمين أنّ الحبَّ جميلٌ وأنني بريءٌ والزمان غدّار ولكنني أراهنُ في كلّ مرةٍ أنَّ صدق القلبِ يستوجبُ بذل العقلِ ما تضحي به النفس في سبيل نيْل الروح. فإنّ مما لا يسعُ المحبّ جهله أن الحبَّ برهانُه التضحية، وكلُّ مُحِبٍ مجرّدُ معجَبٍ حتى يُختبَر، فإن ثبتَ؛ ثبت حبّه.. وإن جزعَ ذهبَ إعجابُه. لا أدري كيفَ الآنَ أفصلُ بين فصوص المخ وشُغافِ القلبِ اللذَيْن امتزجا في إناءٍ واحدٍ هو روحُك، فقط كلّ ما أستطيعُ الجزمَ به أنَّ اليقينَ في اللقيا ثمنُه الصبرُ على ما قبلَها، ولذا آمنَ العقلُ بما اعتنقه القلبُ وصدّق به.

إنني برغمِ البُعدِ أراكِ في كل شيء، في الوجوه المبتسمة وصوت العصافير ورائحة الأمطار وفي ضيّ القمر. بمناسبةِ القمر.. شُكرًا لديمومةِ وجودِك الذي يلخّصُ الحبَّ في رؤيتك لي وإبصارك بي وإدراكك إيايَ؛ لتقولي أنّ المُحبَّ ليس بمن رأى محبوبَه قمرًا ناصعًا كما يراه الناسُ جميعُهم من بعيد، وإنما المُحبُّ من كانت عيناهُ مكبّرتان.. تريانِ نتوءات القمرِ أكثر من استواءاتِه، وتبصران جانبَه المظلمَ أكثر من بياضه، وتصبران على ما تُبصران، وتؤمنانِ بالجمالِ القليلِ وتكفرانِ بكلِّ قبيحٍ وإن كثر.

لا أعلمُ لمَ خرجَ الكلامُ هذه المرةُ مبعثَرًا بلا دفّة تقوده ولا وجهة هو ذاهبٌ إليها، ربما لأنّني أحاول أن أجلسَ في اعتدالٍ وأحادثكِ في تعقّل وأناقشكِ بجدية. كمَن يقرأ كتابًا في حفلٍ لفيروز، أو يسمع النشرةَ في حضرةِ الشيخ إمام، أو يحاول فهم الحبّ الذي وقع فيه أو ارتقى به -والمحب لا يفهم والفاهم لا يحب-.

والجنونُ الذي لم أعرفه إلا في حضرتِك ليس له أن يوضَع جانبًا، وليذهب الاعتدالُ والتعقلُ والجديةُ إلى حيثما أرادوا، بعيدًا عن وادِينا.

سيّدتي.. إنّ خلاصة الكلامِ أنّ لي قلبًا أحبَّ وعقلًا تفكّر وروحًا أشرقَت وجسمًا يأملُ في أن يأذن الله للوجودِ كما أذن للوجدان، وأنّ في حضرتِك وحدَك اجتمع القلبُ والعقلُ إلى قرار روحيٍّ واحد وهو حسنُ المقام. فشكرًا لسعة صدرك بنقاشاتي وتصارع أفكاري بعد منتصف الليل وكل ليلة، وشكرًا لساحتك الورديةِ التي تتآلف فيها الأضدادُ وتأتلف لديها المختلفات، وشكرًا لأنّك أنت.. الشمس التي وهبتني رأس مالِها الضوء، وأخفت بضيائها عليّ نتوءات سطحي، وتقاسمتْ معي اليوم فوهبَتني نصفَه الأجمل، وتبتسمُ لي كلما شكوتُ لها من سوئي رغم الحُسن الذي يراهُ الناس، ولا تجيبُ شكوايَ إلا بـ “يا قمر”.

 

الآراء الواردة في التدوينة تعبر فقط عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر “العدسة“.