تغيير حجم الخط ع ع ع

إبراهيم سمعان

بعد الأزمة التي نشبت بينهما خلال الفترة الماضية وكادت تنسف العلاقات الدبلوماسية، بسبب قرار الحكومة الإسبانية وقف تصدير قنابل ليزر للسعودية على خلفية جرائمها في اليمن، وتراجعها فيما بعد، كشفت صحيفة “لاتريبين” أن الملك السابق خوان كارلوس كلمة السر وراء ها التراجع.

 

وقالت الصحيفة الفرنسية إن كارلوس هو من جنب الحكومة الاشتراكية الجديدة أزمة كبيرة كانت على وشك الوقوع بين السعودية وإسبانيا، وبالتالي أنقذ عقدًا عسكريًا ضخمًا وقعته مدريد مع الرياض، وكذلك وزير دفاع بلاده من الاستقالة.

 

وأضافت “إنها قصة مدهشة حيث العلاقات بين الدولتين وحدها يمكن أن تولد من جديد، لقد وصلت إسبانيا إلى حافة أزمة دبلوماسية قاسية وعميقة مع السعودية، مثل الأزمة المستمر القائمة حاليا بين الرياض وأوتاوا”.

وأشارت إلى أنه من خلال التراجع، تمكنت مدريد من إنقاذ ما اعتبرته أولوية، واحد من أكبر عقود الأسلحة الموقعة في يوليو بين إسبانيا والسعودية (1.8 مليار يورو) مقابل بيع خمسة طرادات أفانتي 2200.

وأوضحت أنه من المتوقع أن يولد هذا العقد بين 6000 و 7000 وظيفة على وجه الخصوص في الأندلس، معقل الاشتراكيين حيث من المقرر إجراء الانتخابات الإقليمية في الأشهر المقبلة، وبالمناسبة، أنقذت العائلة المالكة وزيرة الدفاع، مارجريتا روبلز، أول الأشخاص الذين طلبت الرياض استقالتهم.

 

بدايات الأزمة

بدأت الحكاية في 16 أغسطس ببيان من وزارة الدفاع الإسبانية تعلن فيه أن خطط بيع الأسلحة والعقود الحالية مع المملكة السعودية سيتم فحصها بدقة أكبر بكثير، هذا البيان لم يهتم به أحد في إسبانيا ، لكن على النقيض في السعودية، المملكة بالفعل في حرب، فقد قطعت العلاقات الدبلوماسية مع كندا بعد تغريدة من وزيرة الخارجية  كريستينا فريلاند، التي طلبت من السلطات السعودية “احترام حقوق الناس الذين يدافعون عن الحرية”.

بعد غضبه من البيان الذي أصدرته وزارة الدفاع الإسبانية، دعا ولي العهد محمد بن سلمان، الذي لا يقبل انتقاد سياسته الداخلية والخارجية، سفيره في مدريد، وطلب من منصور بن خالد الفرحان آل سعود أن ينقل رسالة مفادها أنه لن يتسامح مع انتقاد سياسته من الحكومة الاشتراكية الاسبانية الجديدة، التي وصلت إلى السلطة نهاية مايو.

 

يوم 3 سبتمبر إذاعة “كندا إس أي أر” يكشف عن عقد متواضع بقيمة (9.2 مليون يورو) وهو 400 قنبلة موجهة بالليزر القديمة، تم إلغاؤه. وتقول الحكومة الإسبانية إنها سترد إلى السعودية 9.2 مليون يورو، وبعد بضع ساعات ، تؤكد وزارة الدفاع هذه المعلومات.

 

لماذا هذا القرار؟ تعتقد وزارة الدفاع الإسبانية أن هذه القنابل يمكن أن تستخدم في اليمن، خاصة وأن الولايات المتحدة تقدم للسعوديين هذا النوع من القنابل بالقطارة. وهذا يدفع السعودية إلى البحث عن مخزون من القنابل القديمة لعدة أشهر في أوروبا لتجديد مخزوناتها وقصف اليمن.

 

وقد أكدت وزيرة الدفاع الإسبانية لعدة صحافيين مخاوفها، وبالتالي رغبتها في إلغاء العقد الذي تعتبره غير أخلاقي، إذ يسمح قانون يعود لعام 2007 بإلغاء عقود الأسلحة إذا كانت هناك ما يشير إلى أن الأسلحة سيتم استخدامها “لأغراض القمع الداخلي” أو “انتهاك حقوق الإنسان”.

 

يتم اتخاذ القرار من قبل الوزير في سياق دولي مضطرب، ففي أغسطس، قتلت غارة لقوات التحالف العربي بقيادة السعودية 51 شخصاً، من بينهم 40 طفلاً في ضحيان، محافظة صعدة، موطن المتمردين الحوثيين في شمال اليمن، هذه المذبحة أثارت موجة من الغضب الدولي، إذ دعا مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إلى إجراء تحقيق “موثوق به وشفاف”.

 

رد فعل وحشي من الرياض

في اليوم التالي ، 4 سبتمبر ، استدعى محمد بن سلمان سفيره في مدريد، لنقل رسالة إلى الحكومة الاشتراكية بأن هذا القرار لإلغاء هذا العقد هو عدم احترام من إسبانيا تجاه المملكة وهجوم شخصي على سياسته، وبالنسية لصناعة الأسلحة الإسبانية، الأمر مقلق، فالرياض هو خامس مشتري للأسلحة من مدريد.

 

صدرت إسبانيا مواد دفاعية بقيمة 4.35 مليار يورو عام 2017، بما في ذلك 270 مليون إلى المملكة السعودية، وإلغاء هذا العقد الرمزي قد يؤدي إلى انتقام رهيب من ولي العهد، المعروف برعونته وإلغاء العقود الأخرى.

 

الوضع العام مقلق للغاية، فأفانتيا، التي سجلت خسائر في 2017 (303 مليون يورو) في خطر كبير، فمن خلال بناء خمسة طرادات، سيخلق هذا العقد بنية تحتية كبيرة، وتدريب 400 من البحارة السعودية، التي قررت وضع أقصى قدر من الضغط على مدريد. وطلبت استقالة مارجريتا روبلز وإلا فإن العقود الاسبانية في السعودية ستلغى ومنها قطار فائق السرعة بين المدينة المنورة ومكة المكرمة، واتفاق القطع البحرية.

 

ملك إسبانيا يتوسط

بالكاد بعد وصوله إلى السلطة، بيدرو سانشيز، يرفض التضحية بوزيرة دفاعه، لكنه في الوقت نفسه يريد إنقاذ العقود السعودية، معادلة تبدو غير قابلة للتحقيق لأن شروط ولي العهد السعودية مبالغ فيها، ولذلك دعا البيت الملكي الإسباني للوساطة لتخفيف الموقف السعودي.

 

لماذا هذا اللجوء إلى الملك؟ لفهم هذا القرار، يجب أن نعود إلى السنوات التي كان فيها خوان كارلوس ملكاً وأبًا لـ ولي العهد حاكم مكة وملك السعودية في المستقبل، كان الأول يقيم في السعودية بصفة شبه دائمة، يعتمد من وقت لآخر على محمد إياد كيالي، وهو رجل أعمال من أصل سوري، ومترجم للمحادثات بين الرجلين.

 

كيالي كان رجل ذو ثقة من قبل الملكين، وفيما بعد سيكون مهندس ضغط للشركات الإسبانية ضد الفرنسية، حيث فازت الأولى بعدة عقود في الرياض

قرر  بيدرو سانشيز استخدام الوساطة الملكية، لكن فيليي السادس الملك الحالي يعرف السعودية قليلاً، في يناير عام 2017، خلال أول زيارة رسمية له لم يتمكن الملك من إتمام عقد كورفيت الذي كانت تنتظره   أفانتيا لأكثر من عامين.

 

لذلك ترك الأمر لخوان كارلوس ، الذي يلجأ إليه الجميع ، للعب ، خاصة علاقاته الجيدة مع المملكة العربية السعودية. بعد استدعائه في ليلة الخامس والسادس من سبتمبر، جلس مع الملك سلمان، وحصل على حل توافقي تأمله الحكومة الاشتراكية، والذي يسمح للجميع بالخروج من هذه الأزمة دون خسائر.

مارجريتا روبلز لن تستقيل، لكن عليها أن تناقش مع السفير السعودي المسألة بصيغة دبلوماسية لتجنب الاعتذار، وفي 6 سبتمبر، ينقل مسئول في مكتب السفير منصور بن خالد الفرحان آل سعود، محتوى المقابلة لولي العهد الذي سحب إنذاره النهائي.

التراجع عن إلغاء العقد

في أعقاب ذلك، وبالتحديد 7 سبتمبر، أعلنت وزارة الدفاع أن عقد الـ 400 قنبلة لم يعد ملغيا بل تم فحصه بين الجانبين، وهذا ما أكدته وزيرة الدفاع في 10 سبتمبر أمام لجنة الدفاع في مجلس الشيوخ، وقالت إن العقد سيتم دراسته بشكل ثنائي “بهدف الصرامة والعلاقة الجيدة بين البلدين”، وأن النزاع “سيحل بطريقة ودية” وبعد ثلاثة أيام، كانت المراجعة إيجابية.

والقرار هو تسليم هذه القنابل وفقا لعقد يعود إلى عام 2015 والذي لم يكتشف فيه أي مخالفات تبرر عدم تنفيذه، هذا ما أعلنه وزير الخارجية جوزيب بوريل على راديو في 13 نوفمبر، “يجب علينا احترام هذا العقد”.

 

هكذا وضعت الأسرة المالكة الإسبانية نهاية للأزمة الدبلوماسية بين البلدين التي أثارتها مارجريتا روبلز،  كما حافظت على مصالح الصناعة الإسبانية في السعودية، ومن المتوقع أن يصل رئيس أركان البحرية السعودية في شهر أكتوبر لإسبانيا، وسوف يغادر أول مهندسين من شركة أفانتيا لبدء العمل في السعودية.

 

كما ستدخل الاتفاقية مع الشركة السعودية للصناعات العسكرية (SAMI) لتصميم وبناء خمسة طرادات من طراز أفانتي 2200 حيز التنفيذ هذا الخريف ، وسيتم تسليم آخر وحدة بحلول عام 2022.

 

وردا على سؤال حول انتقادات المنظمات غير الحكومية، التي تخشى أن تستخدم هذه الأسلحة في قصف المدنيين، أجاب جوزيب بوريل بأن القنابل إنها أسلحة ذات “دقة خارقة بأقل من متر … ولا تتسبب في أضرار جانبية”.