حين تقدمت قوات الحوثيين على الساحل الغربي لليمن وازدادت المخاطر المحيطة بمضيق باب المندب، لم يجد محمد بن سلمان أمامه سوى الهاتف. اتصل بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب مرتين وطلب منه أن يأمر بشن ضربات عسكرية أمريكية لوقف تقدم الحوثيين، لكن ترامب رفض التدخل واكتفى بعرض المعلومات الاستخباراتية والمساعدة في تحديد الأهداف.

يعيد هذا المشهد تلخيص السياسة الأمنية التي اتبعها ولي العهد السعودي منذ صعوده إلى السلطة: إنفاق ضخم على السلاح الأمريكي، وخضوع سياسي لواشنطن، واعتماد مستمر على وجودها العسكري، ثم اكتشاف عند كل مواجهة خطيرة أن الولايات المتحدة لا ترى نفسها ملزمة بخوض الحرب دفاعاً عن المملكة.

وبعد أكثر من أحد عشر عاماً على إطلاق الحرب السعودية في اليمن، عاد محمد بن سلمان إلى النقطة التي بدأ منها. لم يهزم الحوثيين، ولم يؤسس دولة يمنية قادرة على حماية حدود المملكة، ولم يحول مئات المليارات التي أنفقها على التسليح إلى استقلال عسكري، بل أصبح يحتاج إلى موافقة رئيس أمريكي قبل أن يتمكن من مواجهة القوة التي وعد بالقضاء عليها خلال أسابيع.

 

ترامب تجاهل الاتصالات

جاء طلب محمد بن سلمان بعد أن حقق الحوثيون تقدماً واسعاً على ساحل البحر الأحمر واقتربوا من إحكام سيطرتهم على مناطق استراتيجية تطل على باب المندب، أحد أهم ممرات التجارة والطاقة في العالم. وتزامن ذلك مع تصاعد الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على الأراضي السعودية وتهديد المدن والمنشآت النفطية والملاحة المرتبطة بالمملكة.

وبحسب تقارير صحفية أعقبت التصعيد، طلب ولي العهد من ترامب تدخلاً عسكرياً أمريكياً مباشراً، لكنه لم يحصل سوى على وعد بتقديم معلومات استخباراتية ومساعدة فنية في تحديد الأهداف. كما التقى قائد القيادة المركزية الأمريكية، الأدميرال براد كوبر، في جدة لبحث التطورات الإقليمية، في مشهد يؤكد أن الرياض ما زالت تلجأ إلى واشنطن كلما عجزت منظومتها العسكرية عن التعامل مع تهديد جدي. رويترز

رفض ترامب لم يكن مفاجئاً، فقد توصلت واشنطن إلى تفاهم مع الحوثيين بوساطة عُمانية يقضي بوقف استهداف السفن الأمريكية مقابل وقف الضربات الجوية الأمريكية. ووفق ما نقلته «أسوشيتد برس»، أكد مسؤول حوثي أن جماعته لا تريد مهاجمة السفن الأمريكية، لكنها ستستمر في مواجهة السعودية وتحذر الدول الأخرى من الانضمام إليها.

تتعامل واشنطن هنا وفق مصالحها الخاصة وبمنتهى الوضوح. طالما أن الحوثيين لا يهاجمون السفن الأمريكية، فلا ترى إدارة ترامب سبباً لإعادة الجيش الأمريكي إلى الحرب من أجل حماية محمد بن سلمان من نتائج حرب بدأها بنفسه وفشل في حسمها.

أما النظام السعودي، الذي قدّم تحالفه مع ترامب باعتباره ضمانة لأمن المملكة، فقد اكتشف مرة أخرى أنه اشترى السلاح والعلاقات والصور والوعود، لكنه لم يشتر التزاماً أمريكياً بالدفاع عنه.

 

التاريخ يعيد نفسه منذ هجمات أرامكو

سبق لمحمد بن سلمان أن تلقى الدرس نفسه في سبتمبر 2019، عندما تعرضت منشأتا بقيق وخريص التابعتان لأرامكو لهجمات ضخمة عطلت مؤقتاً نحو نصف إنتاج النفط السعودي، بما يعادل قرابة خمسة في المئة من الإمدادات العالمية.

اتهمت واشنطن إيران بالمسؤولية عن الهجمات، وارتفعت داخل الرياض أصوات تتوقع رداً أمريكياً مباشراً على طهران، خصوصاً أن ترامب كان قد جعل من العداء لإيران ركناً أساسياً في سياسته الإقليمية. لكن الرئيس الأمريكي رفض مهاجمتها، وقال بوضوح إنه لم يَعِد السعودية بالدفاع عنها، وإن على الطرفين الجلوس والتوصل إلى ترتيب.

كان ذلك التصريح إهانة مباشرة لكل الخطاب الذي روّج له النظام السعودي عن التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة. فالمملكة قدمت لواشنطن عقود تسليح واستثمارات ومكاسب اقتصادية هائلة، ثم سمع ولي عهدها من ترامب أن حماية السعودية ليست وعداً أمريكياً، وأن أي تحرك محتمل يحتاج إلى اتفاق جديد وثمن جديد.

مرت سبع سنوات، ولم يتعلم محمد بن سلمان شيئاً. عاد إلى ترامب طالباً ضربة أمريكية ضد الحوثيين، وكأن رفض 2019 لم يقع، وكأن الرئيس الأمريكي لم يعلن صراحة أن علاقة واشنطن بالرياض تخضع للحسابات والمصالح ولا تتضمن التزاماً تلقائياً بحماية المملكة.

هذا الإصرار على انتظار المنقذ الأمريكي ليس مجرد سوء تقدير عابر، بل دليل على عجز النظام عن بناء سياسة أمنية مستقلة، رغم الأموال الهائلة التي وضعها تحت تصرف شركات السلاح الأمريكية والغربية.

 

مليارات السلاح لم تصنع قوة مستقلة

أنفقت السعودية لعقود مبالغ ضخمة على الطائرات والصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي والأسلحة المتطورة، وظلت من أكبر المنفقين العسكريين ومستوردي السلاح في العالم. وتشير تقديرات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام إلى أن إنفاقها العسكري بلغ نحو 80 مليار دولار في 2024، ووضعها بين أكبر سبع دول إنفاقاً على الدفاع عالمياً، كما كانت ثاني أكبر مستورد للأسلحة خلال الفترة من 2019 إلى 2023.

وفي 2025 أعلنت واشنطن حزمة دفاعية جديدة مع الرياض بقيمة تصل إلى 142 مليار دولار، ثم وافقت وزارة الخارجية الأمريكية في سبتمبر 2026 على صفقة محتملة قيمتها 24.3 مليار دولار لبيع السعودية 48 مقاتلة من طراز «إف-35» ومحركات ومعدات مرتبطة بها. رويترز

لكن امتلاك السلاح لا يساوي امتلاك القوة. فقد اشترت السعودية أحدث المعدات، بينما بقي تشغيل جزء أساسي منها وصيانته وتسليحه وتحديثه مرتبطاً بالشركات والخبراء والقرار السياسي الأمريكي. وعندما احتاج محمد بن سلمان إلى استخدام القوة لوقف تقدم الحوثيين، لم يكن السؤال عن عدد الطائرات التي تملكها المملكة، بل عن استعداد ترامب لإرسال الجيش الأمريكي.

تكشف هذه التبعية أن صفقات السلاح لم تُصمم أساساً لبناء قدرة سعودية مستقلة، بل لإبقاء المملكة زبوناً دائماً للصناعة العسكرية الأمريكية. تدفع الرياض ثمن الطائرات، ثم تدفع ثمن الصيانة والذخائر والتدريب، وتحتاج في النهاية إلى المعلومات والاستطلاع وتحديد الأهداف والموافقة السياسية القادمة من واشنطن.

وبذلك تحولت القوة العسكرية السعودية إلى ترسانة باهظة الثمن لا تمنح النظام الثقة اللازمة لخوض حربه من دون استدعاء الأمريكيين.

 

حرب وعد بحسمها فتحولت إلى تهديد دائم

قاد محمد بن سلمان التدخل العسكري في اليمن في مارس 2015 عندما كان وزيراً للدفاع، وقدمت العملية باعتبارها حملة سريعة لإعادة حكومة عبد ربه منصور هادي ومنع الحوثيين من تثبيت سيطرتهم على البلاد.

لكن «عاصفة الحزم» لم تحسم شيئاً. قتل القصف آلاف المدنيين، ودُمرت البنية التحتية، وانتشرت المجاعة والأمراض، وانقسم المعسكر الذي دعمته السعودية، بينما ازداد الحوثيون قوة وتسليحاً وخبرة وقدرة على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

بعد أكثر من عقد، لم تعد الجماعة محصورة في صعدة أو صنعاء، بل أصبحت قوة عسكرية تهدد الرياض والمنشآت النفطية والممرات البحرية، وتفرض معادلاتها على السعودية والولايات المتحدة معاً.

كانت الحرب التي أطلقها محمد بن سلمان بهدف حماية المملكة من الحوثيين أحد الأسباب التي ساعدتهم على تحويل أنفسهم إلى قوة إقليمية. فقد منحتهم سنوات القصف والحصار ذريعة سياسية للتعبئة، ورسخت صورتهم بين قطاعات يمنية باعتبارهم الطرف الذي يقاوم التدخل الخارجي، وأتاحت لهم تطوير خبرتهم العسكرية بدعم إيراني متزايد.

أما الحكومة اليمنية التي أنفقت السعودية المليارات لدعمها، فقد بقيت ضعيفة ومنقسمة وعاجزة عن السيطرة على الأرض. وزادت الإمارات الوضع سوءاً بدعمها قوى انفصالية تنازع الحكومة سلطتها في الجنوب، فتحول التحالف الذي قادته الرياض إلى مجموعة من المصالح المتصارعة، بينما حافظ الحوثيون على قيادة مركزية وقوة عسكرية أكثر تماسكاً.

وحين اندلع التصعيد الجديد، وجد ولي العهد نفسه أمام النتيجة النهائية لسياسته: خصم أقوى مما كان عليه في 2015، وحلفاء يمنيون متنازعون، وحدود ومنشآت معرضة للهجوم، وإدارة أمريكية ترفض إنقاذه.

 

ترامب لا يرى حليفاً بل زبوناً

أقام محمد بن سلمان علاقته بترامب على معادلة واضحة: تمنح السعودية الولايات المتحدة صفقات السلاح والاستثمارات والمكاسب الاقتصادية، ويحصل ولي العهد في المقابل على الحماية السياسية والأمنية.

ساعد ترامب النظام السعودي على تجاوز تداعيات مقتل جمال خاشقجي، ودافع عن أهمية الصفقات والاستثمارات السعودية، وأظهر استعداده لمنح محمد بن سلمان شرعية دولية كان في أمسّ الحاجة إليها. لكن هذه العلاقة لم تكن يوماً تحالفاً متكافئاً، بل علاقة بين رئيس أمريكي ينظر إلى المملكة بوصفها مصدراً للأموال، وحاكم سعودي يعتقد أنه يستطيع شراء الأمن كما يشتري الطائرات.

عندما تتفق الحماية مع مصالح واشنطن، تقدمها الولايات المتحدة. وعندما تصبح كلفتها أعلى من فائدتها، تتراجع بلا تردد. ولذلك يستطيع ترامب الترحيب بصفقة عسكرية بقيمة عشرات المليارات، ثم يرفض استخدام القوات الأمريكية لحماية مشتري السلاح من عدو لا ترغب واشنطن في قتاله.

يبدو النظام السعودي في هذه المعادلة كمن يدفع ثمن مظلة لا تُفتح عندما يهطل المطر. وكلما فشلت، يشتري مظلة أكبر ويعيد الرهان على البائع نفسه.

 

القواعد الأمريكية تحولت إلى مصدر للخطر

لم يعد الاعتماد على الولايات المتحدة عديم الجدوى فحسب، بل أصبح في بعض الحالات سبباً مباشراً للخطر. فقد أظهرت الحرب مع إيران أن القواعد الأمريكية المنتشرة في دول الخليج لم تمنع اندلاع الحرب أو تردع طهران، بل تحولت إلى أهداف للصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية.

بدأت الولايات المتحدة الحرب رغم اعتراض عدد من دول الخليج، ثم استخدمت إيران وجود القواعد الأمريكية داخل هذه الدول مبرراً وممراً للرد. وتعرضت منشآت عسكرية في السعودية والكويت وغيرها لأضرار واسعة، بينها تدمير طائرة استطلاع أمريكية من طراز «إي-3 سنتري» تبلغ قيمتها نحو 270 مليون دولار داخل قاعدة الأمير سلطان الجوية.

وأقر القائد السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ديفيد بترايوس بأن عدداً من القواعد الأمريكية في المنطقة لم يعد قابلاً للاستمرار بصورته الحالية بسبب تعرضه للهجمات وحجم الأضرار.

المفارقة أن المنشآت التي قيل للخليجيين إنها ستردع إيران جعلت أراضيهم جزءاً من ساحة المواجهة الأمريكية الإيرانية. لم تحمهم القواعد من الحرب، بل ساعدت على نقلها إلى داخل بلدانهم.

وإذا كانت الولايات المتحدة لم تستطع حماية قواعدها ومعداتها وجنودها من الضربات، فمن العبث تصور أنها ستضمن أمن دول الخليج بأكملها.

 

وفاة “المنقذ الأمريكي”

لا يعني تراجع الدور العسكري الأمريكي أن واشنطن ستنسحب من المنطقة أو تفقد نفوذها فجأة، لكنها لم تعد مستعدة أو قادرة على لعب دور الضامن الذي يتدخل لإنقاذ كل حليف عند تعرضه للخطر.

تواجه الولايات المتحدة استنزافاً عسكرياً ومالياً متزايداً. فقد بلغت كلفة حربها مع إيران أكثر من 38 مليار دولار خلال ستة أشهر، مع توقع زيادة بنحو ثلاثة مليارات دولار شهرياً، بينما استُهلك جزء كبير من مخزون الصواريخ بعيدة المدى والذخائر الدقيقة. رويترز

كما يتزايد داخل الولايات المتحدة رفض إنفاق الموارد والأموال على حروب الشرق الأوسط، وهو ما يجعل أي رئيس أمريكي أكثر حذراً في إرسال القوات لحماية أنظمة تستطيع شراء السلاح لكنها لا تستطيع حماية نفسها.

انتهت بذلك الفكرة التي حكمت سياسات الخليج لعقود: أن واشنطن قد تتردد أو تساوم، لكنها ستتدخل في اللحظة الأخيرة إذا أصبح الخطر كبيراً. أثبتت هجمات أرامكو والحرب الإيرانية والتصعيد اليمني أن حجم الخطر لا يضمن التدخل، وأن الولايات المتحدة تختار معاركها وفق مصالحها لا وفق توقعات حلفائها.

 

أمن المنطقة لا يمكن أن يبقى رهينة واشنطن

يقدم المقال الأصلي تصوراً بديلاً يقوم على إنشاء منظومة أمنية إقليمية شاملة، تتولى فيها دول المنطقة المسؤولية الرئيسية عن أمنها، بدلاً من تقسيم الشرق الأوسط إلى معسكر تقوده واشنطن ضد معسكر آخر.

ويستند المقترح إلى مشروع «نظام أفضل» التابع لمعهد كوينسي، الذي يدعو إلى إنشاء مؤسسة دائمة تشارك فيها الدول العربية وإيران وتركيا والعراق وباكستان، وتعمل على إدارة الصراعات بدلاً من محاولة إلغاء الخصوم أو عزلهم.

وتشمل مهامها إنشاء قنوات اتصال خلال الأزمات، ومنع الاحتكاك العسكري، والوساطة في النزاعات، وضبط التسلح، وبناء الثقة، والتعاون في ملفات المياه والمناخ والاقتصاد. وتظل الولايات المتحدة شريكاً خارجياً، لكنها لا تبقى الضامن العسكري الدائم ولا الطرف الذي يقرر وحده متى تبدأ الحرب ومتى تنتهي.

هذا التصور لا يخلو من الصعوبات. فدول المنطقة تحمل بينها صراعات عميقة، وبعض أنظمتها استخدم التدخل الخارجي لحماية حكمه أو تصفية خصومه، كما أن غياب الثقة يجعل بناء مؤسسات أمنية مشتركة عملية طويلة ومعقدة.

لكن استمرار النموذج الحالي أكثر خطورة. فقد أدى تقسيم المنطقة إلى محاور متصارعة إلى سباقات تسلح وحروب بالوكالة وقواعد أجنبية وتدخلات عسكرية، من دون أن يمنح أي دولة أمناً حقيقياً.

 

لا أمن مع استمرار احتلال فلسطين

يربط المقترح بين الأمن الخليجي والقضية الفلسطينية، ويرفض دمج إسرائيل في أي منظومة إقليمية بينما يستمر احتلالها للأراضي الفلسطينية. ويقترح أن يبقى باب الانضمام مفتوحاً أمامها بشرط إنهاء الاحتلال وقبول إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967.

تختلف هذه الفكرة عن اتفاقيات أبراهام التي منحت إسرائيل التطبيع والاندماج الاقتصادي من دون أن تدفع ثمناً سياسياً أو تنهي الاحتلال. فقد حولت تلك الاتفاقيات العلاقات العربية إلى مكافأة مجانية لإسرائيل، بينما استمر الاستيطان والحصار والقتل والتهجير.

أما النظام الأمني المقترح فيربط اندماج إسرائيل بحقوق الفلسطينيين، ويجعل إنهاء الاحتلال شرطاً للحصول على مكان داخل البنية الإقليمية الجديدة.

لا يمكن إنشاء أمن دائم في الخليج مع تجاهل فلسطين، لأن الاحتلال والحروب الإسرائيلية سيظلان مصدراً للغضب والتصعيد وعدم الاستقرار، وسيستمر استخدامهما لتبرير التسلح والصراعات الإقليمية.

 

محمد بن سلمان يدفع ثمن سياسته

لا يمثل رفض ترامب مجرد خيبة شخصية لولي العهد، بل نتيجة مباشرة لاختياراته. فقد راهن على القوة العسكرية في اليمن، ثم راهن على شراء الحماية الأمريكية، ثم راهن على علاقة خاصة مع ترامب، وفشل كل رهان في إنتاج أمن مستدام للمملكة.

دمّر اليمن من دون أن يهزم الحوثيين، واشترى الأسلحة من دون أن يبني استقلالاً عسكرياً، وقدم الأموال والاستثمارات لواشنطن من دون أن يحصل على تعهد بالدفاع عنه، ثم عاد بعد أحد عشر عاماً يطلب من رئيس أمريكي أن ينهي له الحرب التي عجز عن حسمها.

الولايات المتحدة لم تخدع محمد بن سلمان؛ فقد أخبره ترامب منذ 2019 بوضوح أنه لم يعده بحماية السعودية. لكن ولي العهد اختار تجاهل الحقيقة، لأنه بنى شرعيته الخارجية وسياسته الأمنية على الاعتقاد بأن المال يستطيع شراء كل شيء، بما في ذلك الجيوش والولاءات والحماية.

أثبتت الأحداث أن واشنطن تبيع السلاح، لكنها لا تبيع ضماناً باستخدامه نيابة عن المشتري، وأن النظام الذي لا يستطيع حماية بلاده إلا باتصال هاتفي برئيس دولة أجنبية لا يملك قوة مستقلة مهما ازدحمت قواعده بالطائرات والصواريخ.

مات وهم «المنقذ الأمريكي»، لكن الخطر الحقيقي أن يواصل محمد بن سلمان التصرف كما لو كان حياً. فكل رهان جديد على واشنطن يعني المزيد من الأموال السعودية، والمزيد من التبعية، والمزيد من الحروب التي تدفع شعوب المنطقة ثمنها، بينما يحتفظ الرئيس الأمريكي دائماً بحق رفض المكالمة.