في تصعيد خطير وغير مسبوق، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تنفيذ ضربات جوية استهدفت ثلاث منشآت نووية إيرانية “كبيرة”، في ما وصفه بأنه رد عسكري “رائع” يهدف إلى تدمير قدرة طهران على تخصيب اليورانيوم.

وبحسب تصريحاته، فإن المنشآت المستهدفة هي فوردو ونطنز وأصفهان، وهي من الأعمدة الأساسية للبنية النووية الإيرانية. وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه المنطقة توترات حادة، وسط تلميحات أمريكية-إسرائيلية إلى “ضرورة الحسم العسكري” ضد ما تعتبره واشنطن وتل أبيب “التهديد النووي الإيراني”.

تصريحات ترامب لم تكتف بالإعلان عن الضربات، بل حملت تهديدًا مبطنًا بشن عمليات عسكرية أشد إذا لم “تصنع إيران السلام”.

في المقابل، أكدت وسائل إعلام إيرانية تعرض المنشآت للقصف، مع التلميح إلى أنها كانت “مفرغة” وخالية من المواد المشعة. بينما تتوالى التصريحات، يقف العالم على شفا مواجهة إقليمية قد تمتد نيرانها إلى أبعد مما يتخيل الجميع.

أبعاد الاعتداء وملامح التنسيق الأمريكي الإسرائيلي

الضربات الجوية التي نُفذت ضد منشآت نووية في فوردو ونطنز وأصفهان ليست مجرد رد عسكري عابر، بل تمثل في مضمونها إعلانًا واضحًا بأن واشنطن قد نقلت معركتها مع إيران من الضغط السياسي والاقتصادي إلى الخيار العسكري المباشر.

ترامب تحدث عن نجاح “كامل” للعملية، مشيرًا إلى استخدام قنابل خارقة للتحصينات بوزن 30 ألف رطل، في ما يُعتبر سابقة خطيرة تنذر بتحول قواعد الاشتباك في المنطقة.

وتزامن الإعلان مع تسريبات من شبكة “فوكس نيوز” و”نيويورك تايمز” تؤكد أن المسؤولين في الكونغرس تم إطلاعهم مسبقًا، مما يعكس أن القرار كان مدروسًا ومخططًا له مسبقًا، وربما بموافقة إسرائيلية ضمنية أو حتى شراكة استخباراتية. 

تصريح ترامب بأن “إسرائيل اليوم أكثر أمانًا” ليس مجرد رأي شخصي بل اعتراف ضمني بالتنسيق الإسرائيلي الأمريكي في هذا العدوان، خاصة أن المواقع المستهدفة تُعد من صميم المشروع النووي الإيراني الذي تعتبره تل أبيب تهديدًا وجوديًا لها منذ سنوات.

الرد الإيراني الصامت ومخاوف من المواجهة المفتوحة

في الوقت الذي التزمت فيه القيادة الإيرانية الصمت الحذر ولم تصدر تصريحات رسمية غاضبة على غرار ما هو معتاد، اكتفت وسائل الإعلام الإيرانية بالتأكيد على أن المواقع المستهدفة “خالية من المواد المشعة”، وأن “الإخلاء قد تم سابقًا”، في محاولة واضحة لامتصاص الصدمة وطمأنة الرأي العام.

لكن هذا الصمت لا يعني بالضرورة قبولًا بالأمر الواقع، بل ربما يشير إلى نية إيران بالرد بطريقة مدروسة أو عبر أذرعها الإقليمية مثل حزب الله أو مليشيات الحشد الشعبي في العراق، أو الحوثيين في اليمن. 

وفي حال حصل الرد الإيراني، فإننا قد نشهد موجة جديدة من التصعيد، قد تشمل قصف قواعد أمريكية في الخليج، أو هجمات على مصالح إسرائيلية، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات الحرب الإقليمية الشاملة، خصوصًا مع تزايد الاحتكاك العسكري في البحر الأحمر والعراق وسوريا.

الضربة الأمريكية، وإن كانت “ناجحة” عسكريًا حسب الرواية الأمريكية، إلا أنها تمثل مقامرة استراتيجية غير محسوبة، فإيران تمتلك قدرة على الرد وإن كانت غير متماثلة، وأي رد قوي سيحرج الولايات المتحدة، وقد يدفعها إلى دوامة لا نهاية لها من التصعيد.

دلالات وتبعات العدوان.. من الردع إلى الانفجار الإقليمي

ما جرى لا يمكن فصله عن المشهد الأوسع في الشرق الأوسط: إسرائيل تواجه مأزقًا وجوديًا في غزة، الولايات المتحدة تواجه تراجعًا في نفوذها، وإيران تحاول توسيع مجالها الاستراتيجي في العراق ولبنان وسوريا.

وفي هذا السياق، يبدو أن العدوان الأخير لم يكن مجرد ضربة بل محاولة لإعادة رسم قواعد اللعبة بالقوة، وتوجيه رسالة بأن البرنامج النووي الإيراني بات هدفًا مشروعًا، بالإضافة إلى أن انهزام طهران أمام الغطرسة الإسرائيلية سيليه تمدد صهيوني في المنطقة وقد يطال دولا مجاورة كمصر والأردن.

لكن الرهان على “صناعة السلام بالقصف” يضع الإدارة الأمريكية، سواء الحالية أو القادمة، في مواجهة مع منطق التاريخ.

فالقصف لم ينهِ البرنامج النووي العراقي في التسعينيات، ولم يُسقط النظام السوري، ولن يؤدي إلى إخضاع إيران. بل على العكس، فإن الهجوم سيزيد من دعم الشعب الإيراني لبرنامجه النووي باعتباره “مشروعًا سياديًا”، وسيفتح شهية المتشددين للرد العسكري.

علاوة على ذلك، فإن العدوان الأمريكي يضرب الشرعية الدولية في مقتل. لم يتم الرجوع إلى مجلس الأمن، ولم يُقدم أي دليل على أن المنشآت المستهدفة تشكل خطرًا وشيكًا. وهذا يذكر بمقدمات غزو العراق عام 2003، والذي تأسس أيضًا على معلومات استخباراتية مضللة عن أسلحة دمار شامل لم تُعثر عليها لاحقًا.

وفي ظل غياب موقف حازم من أوروبا أو الأمم المتحدة، فإن الرسالة إلى العالم واضحة: من يمتلك القوة يفرض القانون، ومن لا يملكها عليه أن يتحمل القصف، حتى لو كانت منشآته النووية تحت رقابة وكالة الطاقة الذرية.

هل بدأ العد التنازلي لحرب إقليمية؟

الضربات التي أعلن عنها ترامب ضد المنشآت النووية الإيرانية تمثل أخطر تصعيد منذ سنوات، وقد تؤدي إلى تدحرج الأوضاع نحو حرب واسعة النطاق في الخليج والشرق الأوسط. 

هذا العدوان لم يكن فقط عسكريًا، بل هو بمثابة إعلان سياسي بأن الولايات المتحدة، بالشراكة مع إسرائيل، اختارت طريق القوة بدلًا من الحوار.

في الأيام المقبلة، سيكون السؤال المحوري: كيف سترد إيران؟ وهل سيتم احتواء الموقف، أم أننا أمام بداية لعقد جديد من الحروب التي تبدأ من منشأة فوردو، وقد لا تنتهي إلا في مضيق هرمز أو على حدود فلسطين المحتلة؟

اقرأ أيضًا : إيران تعتقل 22 “عميلاً” لإسرائيل في قم وتوسع حملتها ضد الاختراقات الأمنية