fbpx
Loading

تركناها فتركتنا

بواسطة: | 2017-12-28T15:34:10+02:00 الخميس - 28 ديسمبر 2017 - 3:07 م|
تغيير حجم الخط ع ع ع

يحيا كل منا في عالم مليء بعوالم أخرى لا يدرك وجودها إلا حين تقع قدماه في واحد منها يوماً، فما أن تكون جزءا من عالم مختلف عن عالمك حتي تندهش وتتسائل أين أنا مما يدور هنا؟! وتعجب لقصر نظرك الذي أوقفك عند حدود عالمك فظننته كل شيء.

هكذا الحال، كثير ما يضعف شعورنا بما لا تراه أعيننا ويظل كل ما هو بعيد عن العين بعيداً عن القلب إلا ما شاء الله من انغراس لهذا البعيد في القلب، فليس معنى أنك لم تكن يوماً موجوداً بجسدك في القدس أنه لا يوجد شيء اسمه القدس، كلا بل توجد بقعة فريدة في هذا العالم اسمها القدس، ربما لن تستطيع أبداً أن تحكي صورها عنها وستعجز عدسات الكاميرات مهما تطورت أن تلملم جنبات حكايتها.

هذا البعد الذي فرضته المسافات قدر الله أن تقربه العقيدة كي لا يورث بعداً في الهوى والميل، فلا تجد بين أقطار الدنيا قاطبة بعد الحرمين مكاناً قربتنا منه العقيدة كما قربتنا من بيت المقدس، فلم يكن كافياً أن تشد رحالك إلى المسجد الحرام والمسجد النبوي بل أتمها رسول الله بالمسجد الأقصى، وكان لأجر الصلاة فيه ميزة عما سواه من المساجد.

ولم يكن كافياً أن يعلم الله أمنية رسوله وحبيبه أن تكون قبلة المسلمين إلى الكعبة، وقد رأى تقلب وجهه في السماء ووعده بأن يوليه قبلة يرضاها، ومع ذلك ظلت القبلة طيلة ثلاث عشرة سنة مدة المرحلة المكية إلى المسجد الأقصى، وحتى بعد الهجرة ظلت أشهراً على هذا الحال إلى أن نزل الأمر بتحويلها إلى الكعبة. يفهم المسلمون إحدى علل هذه الواقعة بعد أن تمر عليها سنون وقرون بأن الله سبق علمه بتكالب الأمم على بيت المقدس وما هي إلا رسالة ربانية بأن نجعل أعيننا مثبتة عليه وألا تسقطه ذاكرتنا يوماً.

كان اليهود يصلون إلى بيت المقدس ولو شاء الله لحول قبلة المسلمين سريعاً مخالفة لهم، لكن ثبتها الله علينا حيناً لنعلم أننا أولى بها من يهود، ولتظل تذكر حتى يومنا هذا بأنها قبلتنا الأولى بل إن من الصحابة من لقى الله ولم يصل إلا صوب الأقصى فكان قبلتهم الأولى والأخيرة.

شاء الله أن تكون واقعة تحويل القبلة فاضحة وكاشفة للمنافقين الذين أبوا أن يحولوا وجهتهم إلى الكعبة، وهكذا تظل القدس فاضحة وكاشفة حتى يومنا هذا لحقيقة من يدَّعون الانتساب لهذه الأمة. لكن هذه المرة تفضح هؤلاء الذين تحولوا عنها خيانة وتفريطاً.

يوم قضى رب العالمين أن يسَّري عن نبيه ويذهب عنه الحزن كان بيت المقدس هو البقعة الوحيدة على وجه البسيطة التي اختارها الله لهذا، وقد كان كافياً جداً أن يعرج به فوق سبع سماوات في رحلة فتحت له فيها أبواب السماء من فوقنا! بَلَغَ فيها من منزلة المكان والقرب من الله ما لم يبلغه جبريل عليه السلام واسطة الوحي بين السماء والأرض. أراد الله أن يقترن ذكر هذه الرحلة الفريدة العجيبة على مر التاريخ بذكر المسجد الأقصى، مراراً وتكراراً يذكرنا الله بقيمة ما نجهله، سبق المعراج المهيب إسراءٌ مبارك ٌفي رحلة مزدوجة.

والعجيب أن مبتدأ رحلة النبي قبل عروجه كان من المسجد الأقصى، ثم لم يعد من معراجه إلى البيت الحرام، بل عاد إلى الأقصى ثانية ليس عابراً وإنما مصلياً بأنبياء الله فيه. ترى لم مرتين؟! ولم مبتدأ الرحلة ونهايتها؟!.

بل عندما أختار الله من شطريّ الرحلة ما يسمي به سورة في كتابه العظيم كانت من نصيب الإسراء وليس المعراج، مع ما للمعراج من عظمة التحدث مع الله وفرض الصلاة فيه!. ولم يكن ما ذكره الله عن المعراج واضحاً وضوح ما تلاه علينا في القرآن عن الإسراء.

بكل ما سبق يسعى الإسلام أن يصيغ قلوباً تهفو إلى الأقصى دون أن تراه، وما تفريط البعض فيه وما غفلة الأكثر عنه إلا بخلل أصاب عقيدتنا، فتعلقنا بالقدس قبل أن يكون دفاعاً عن حق تاريخي أو إنساني فهو استمساك بعقيدة ما فرط فيها إلا هالك.

تَسَلَّم خليفة المسلمين عمر بن الخطاب مفتاحها ودخلها بنفسه، ودخلها صلاح الدين يوماً محرراً ليس لكونه فلسطينياً وإنما مسلماً خالصاً، ولن يكون لبيت المقدس خلاص إلا بأن يحمل هم قضيته أهل الإسلام أجمعون وليس أهل فلسطين فقط.

لا زالت كلمات تلك الأنشودة التي كنا نغنيها صغاراً عن القدس تتردد على مسامعي (يا قدس يا حبيبتي .. يا أملي يا دنيتي .. فلتصبري يا قدسنا .. غداً ترين بأسنا)، عاش جيلنا وأجيال سبقتنا سنواتٍ طوال ونحن تملؤنا الحماسة للقدس حتى وإن كان جل ما نفعله هو أن نغني لها أو نتظاهر من أجلها.

لكن أتأمل الحال الآن بعد سنوات طويلة مضت ونحن نرى بأم أعيننا ما أذهلنا قراءته في كتب التاريخ، واتساءل عن ذلك البأس الذي وعدنا به القدس في أغانينا وطالبناها بالصبر لأجله؟. أوَفينا مجهول يجهز منبر الأقصى من الآن تأهباً لساعة فتحه كما فعل صلاح الدين؟ أم أننا لم نعد حتى في ذات المربع بل عدنا إلى الخلف وتركنا القدس حتى تركتنا وآلت لغيرنا، وصارت وسط بلدان المسلمين كحال حمزة أسد الله يوم استشهد في المدينة فقال عنه رسول الله وهو يسمع نحيب أهل المدينة على شهدائهم (لكنّ حمزة لا بواكي له).

أما عزاؤنا ففي جولات التاريخ نجده، وفي موعود الله نقره، ودولة الظلم ساعة ودولة العدل إلى قيام الساعة. ولابد لهذه الأمة من استفاقة، فهذه أمة تمرض لكنها أبداً يوماً ما ماتت.

الآراء الواردة في التدوينة تعبر فقط عن رأي صاحبها، ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر ” العدسة

عن الكاتب

خليدة أبو زيد
خليدة سناء ابوزيد .. مدوِنة مصرية دارسة و مهتمة بالمجال التربوي .. عملت بالتدريس وإعداد البرامج التلفزيونية .. ام لثلاثة أبناء

يوجد تعليق واحد

  1. هبة الجمعة، 29 ديسمبر، 2017 at 8:51 م - Reply

    جميلة المعاني بقدر الألم

اترك تعليق