حاول المستشار الدبلوماسي للرئيس الإماراتي، أنور قرقاش، تصدير الأزمات البنيوية والأمنية التي تعيشها بلاده للخارج، موجهاً سهام اتهاماته نحو طهران؛ حيث زعم في منشور له عبر منصة “إكس” أن دول الخليج، واليمن، ولبنان، والعراق “تدفع ثمن الطموح الإيراني الإقليمي المتضخم”، مدعياً أنه لا يمكن لأي دولة أن تؤدي دوراً إقليمياً على حساب أمن واستقرار وازدهار المنطقة.
هذه التصريحات قوبلت باستهجان واسع من الأوساط التحليلية التي اعتبرتها محاولة مفضوحة للهروب إلى الأمام والتغطية على الحقيقة المرة؛ فالواقع الميداني والضربات الجوية التي تهز العمق الإماراتي تثبت أن أبوظبي لا تدفع ثمن طموحات الآخرين، بل تحصد وتدفع اليوم ثمن خيارها الانتحاري بالتطبيع والتحالف العسكري العضوي مع الاحتلال الإسرائيلي، والذي حول المنشآت الحيوية للدولة إلى أهداف مشروعة في آتون المواجهة الإقليمية.
وجاءت تدوينة قرقاش متزامنة مع تصاعد التوترات العسكرية الناتجة عن تداعيات الحرب الأمريكية-الإسرائيلية الأخيرة ضد طهران، والتي انطلقت في 28 فبراير/ شباط الماضي؛ حيث تحولت العواصم الخليجية الحاضنة للقواعد الأمريكية والداعمة للاحتلال إلى مسارح للرد الردعي الإيراني.
وزعم قرقاش أن “المراجعة مطلوبة وحتمية على أسس تقوم على احترام السيادة وحسن الجوار”، متناسياً أن بلاده هي من خرقت معايير حسن الجوار والسيادة العربية عبر زرع الميليشيات المرتزقة في اليمن وليبيا والسودان، وفتح حدودها وموانئها أمام وفود وضباط الاستخبارات الإسرائيلية لبناء ممرات تجارية وقواعد تجسس متقدمة على مشارف مياه الخليج.

أضغاث أحلام وخريطة هرمز التي بعثرت أوهام الأمان الإماراتي
لم تكن تصريحات قرقاش الأخيرة سوى امتداد لحالة من الذعر والهستيريا الدبلوماسية التي تسيطر على أروقة الحكم في أبوظبي عقب تجريدها من مصدات الأمان الزائفة؛ ففي شهر مايو/ أيار الماضي، خرج قرقاش ليهاجم طهران مدعياً أن “النظام الإيراني يحاول تكريس واقع جديد ولد من هزيمة عسكرية”، ومصفاً المحاولات الإيرانية للتحكم بمضيق هرمز أو التعدي على المياه البحرية الإماراتية بأنها “أضغاث أحلام”.
لكن هذه العنجهية اللفظية تحطمت سريعاً أمام الإجراءات الميدانية الصارمة، عقب نشر هيئة تنظيمية إيرانية لخريطة جديدة ومحدثة لمضيق هرمز، حددت فيها مناطق شاسعة خاضعة لـ “الإشراف والسيطرة” المطلقة للقوات المسلحة الإيرانية، بما يشمل أجزاء واسعة من المياه التي تدعي الإمارات وسلطنة عمان السيادة عليها.
هذا الواقع الجيوسياسي الجديد وضع أبوظبي أمام حجمها الطبيعي، وأثبت أن التفوق العسكري في الخليج لا يُشترى بعقود التسليح الغربية ولا بالاستقواء ببطاريات “القبة الحديدية” الإسرائيلية المستوردة؛ فالإغلاق الجزئي للمضيق والتحكم الإيراني بممرات الملاحة كشف الهشاشة القاتلة للاقتصاد الإماراتي القائم على ريع النفط وسياحة الخدمات، وتسبب في شل قدرة خط أنابيب الفجيرة البديل عن استيعاب الحصص التصديرية، مما وضع الدولة في مأزق مالي وتجاري خانق يثبت أن التطبيع لم يجلب لأبوظبي حماية، بل جلب لها حصاراً وانكشافاً استراتيجياً غير مسبوق.
الفاتورة الباهظة: التطبيع كعبء أمني واستنزاف للصناديق السيادية
تؤكد القراءات السياسية العميقة أن الإمارات تعيش اليوم ارتدادات خطيئتها التاريخية؛ فبينما كان حكام أبوظبي يظنون أن “اتفاقيات أبراهام” ستمنحهم نفوذاً دولياً وحصانة من التقلبات الإقليمية، تحول الكيان الصهيوني إلى أكبر عبء أمني واقتصادي على كاهل الدولة.
إن هروب الرساميل الأجنبية من دبي، وتراجع العوائد السياحية، وارتفاع النفقات العسكرية الموجهة لترميم البنية التحتية المتضررة من القصف، يمثل الكلفة الحقيقية لسياسة الارتماء في المحور الصهيوني-الأمريكي.
وفي المحصلة، فإن تباكي أنور قرقاش على السيادة وحسن الجوار يسقط أمام شواهد الميدان الدامية؛ إن الإمارات العربية المتحدة لا تدفع ثمن طموح إيران، بل تدفع ثمن غطرستها وتواطؤها، وثمن تحويل أراضيها ومياهها إلى منصات لخدمة المشاريع التوسعية للاحتلال الإسرائيلي. وبدلاً من إلقاء اللوم على العواصم الأخرى، فإن القيادة الإماراتية مطالبة بإجراء “المراجعة الحتمية” الحقيقية لذاتها، والوعي بأن الخروج من مستنقع النزيف المالي والأمني الحالي يتطلب فك الارتباط الفوري مع الاحتلال، والعودة إلى الحضن العربي والإقليمي، قبل أن تتبخر أصول الصناديق السيادية وتتحول الأبراج الزجاجية إلى ركام بفعل مغامرات سياسية متهورة يديرها حكام أبوظبي بالوكالة.
اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين