fbpx
Loading

تصعيد الرئيس التونسي من الإجراءات الصدامية.. هل يتراجع؟

بواسطة: | 2021-04-25T18:09:42+02:00 الأحد - 25 أبريل 2021 - 6:09 م|
تغيير حجم الخط ع ع ع

 

يتساءل بعض التونسيين عما إذا كانت بلادهم في خضم انقلاب دستوري هادئ.

 

يأتي ذلك في ضوء سلسلة من التحركات الصدامية المتصاعدة التي قام بها الرئيس التونسي، قيس سعيد، خلال الأشهر الأخيرة، مما دفع بعض المراقبين إلى التحذير من أن سعيد قد يمهد الطريق لمزيد من الإجراءات للقضاء على خصومه وتعزيز سلطاته الرئاسية، معتمدًا في ذلك على تفسيراته الشخصية لدستور البلاد بعد الربيع العربي.

 

يعد سعيد شخصية غير عادية في السياسة التونسية المعاصرة.  حيث إن سعيد، كان يعمل أستاذًا في القانون الدستوري، ولم يكن معروفًا في الأوساط السياسية بأي حال من الأحوال، فضلًا عن أنه تمكن من حصد نحو 70٪ من أصوات التونسيين في انتخابات 2018 دون دعم منظمة كبيرة أو حزب سياسي كبير.

 

إنه ، بحكم التعريف، شعبوي، لكن ليس شعبويًا كـ دونالد ترامب أو فيكتور أوربان، حيث إن سجله نظيف، فقد ركض على منصة متعهداً بمحاربة الفساد، وقد بدت نواياه حتى الآن خيرية.  كما أنه يبذل جهودًا ليُظهر نفسه على أنه رجل عادي غير متأثر من الناس.

 

قبل صعوده على متن طائرته إلى القاهرة لحضور اجتماع مؤخرًا مع قائد الانقلاب المصري ،عبد الفتاح السيسي، توقف سعيد في مقهى على جانب الطريق لتناول القهوة في فنجان ورقي مع بعض السكان المحليين.  

وفي كانون الثاني/ يناير الماضي، بينما كانت تعصف بالبلاد مظاهرات يومية احتجاجًا على معدلات البطالة والإحباطات الاقتصادية التي تفاقمت بسبب الوباء، ظهر الرئيس دون سابق إنذار وسط الطريق الرئيسي بالمدينة لاستقبال المؤيدين والمارة.

 

لكن منذ بداية العام الجاري، شهدت تونس وجهًا جديدًا لسعيد.  ففي الأشهر الأخيرة، أظهر نفسه عنيدًا، ومتحيزًا في بعض الأحيان، ومفتقدًا إلى الحنكة السياسية، كما أظهر عدم استعداده للتفاوض أو التسوية مع خصومه.

 

 ومع ذلك، يشعر بعض التونسيين -رغم احتمالية قلة عددهم- أن هذا هو بالضبط ما تحتاجه البلاد، فسعيد دائمًا ما يشير إلى الاستقطاب السياسي المكثف الذي ترسخ في تونس خلال العام الماضي، ويرى أن الحل في السياسات التي يتخذها.

 

في حفل أقيم للاحتفال بالذكرى الخامسة والستين لتأسيس قوات الأمن التونسية، يوم الأحد، أرسل سعيد رسالة واضحة، إن لم تكن تهديدية، إلى رئيس الوزراء هشام المشيشي، وهو شخصية برز مؤخرًا، على الرغم من كونه حليفًا لسعيد، على أنه الخصم السياسي للرئيس.

 

وقال سعيد في خطابه الذي حضره كل من المشيشي ورئيس البرلمان وزعيم حركة النهضة، راشد الغنوشي، إن “الرئيس هو القائد الأعلى للقوات المسلحة العسكرية والمدنية. فليكن هذا الأمر واضحا لكل التونسيين”. 

 

وهنا اعتبر سعيد أنه لا فرق أو تمييز بين قوات الجيش الخارجية، وقوات الأمن الداخلية، حيث اعتبر كليهما جزءًا من القوات المسلحة، الذي اعتبر نفسه قائدًا عليها بشكل عام.

 

إن إشارة سعيد الصريحة لسلطته على قوات الأمن الداخلي في البلاد، بدلاً من الجيش فقط، وضعت العديد من المراقبين والسياسيين في تونس في حالة تأهب قصوى.

 

يحدد الدستور التونسي لعام 2014 بعناية الفصل بين السلطات داخل السلطة التنفيذية.  وهي تمنح الرئيس حاليًا صلاحيات في الشؤون الدبلوماسية والدفاعية، بينما من الناحية النظرية تخضع وزارة الداخلية التونسية وقوات الأمن الداخلي لسيطرة رئيس الوزراء.

 

قد يبدو هذا الجدل الأخير تقنيًا دستوريًا خفيًا للبعض، لكنه يتبع نمطًا من الخطاب الراديكالي المتزايد من جانب الرئيس للمطالبة بالسيطرة في نزاع سياسي أدى إلى شل البرلمان وإخراج الحكم المتماسك للبلاد عن مساره لعدة أشهر.  .

 

 

“انقلاب ناعم”

 

 في يناير/ كانون الثاني الماضي، رفض سعيد أداء اليمين لأربعة وزراء اختارهم المشيشي في تعديل وزاري، قائلاً إن الأفراد المعنيين لديهم شبهات تضارب في المصالح.  

وفي الأسبوع الماضي فقط، في خطوة أثارت قلق الكثيرين، أوقف سعيد جهود البرلمان للمضي قدمًا في إنشاء المحكمة الدستورية التونسية، وهي عنصر أساسي في الثورة التونسية وآمالها في ديمقراطية مرنة لم يتم إنشاؤها بعد. حيث تم تعيين المحكمة لتكون الأولى من نوعها في العالم العربي.

 

ومع ذلك، قال سعيد إن المهلة المحددة لإنشائها قد انقضت وإن الحكومة تباطأت.  

رأى البعض في ذلك علامة على أن سعيد شعر بالتهديد من تحرك الغنوشي، لأن مثل هذه المحكمة يمكن أن تكون الطريقة الوحيدة لتحييد سعيد، وأن سعيد قاوم هذه الخطوة من أجل حرمان البرلمان من المزيد من السلطة.  

ومع ذلك ، منذ عام 2014، قام البرلمان بمحاولات متكررة لتعيين محكمة دستورية، وتعاني العملية منذ فترة طويلة من المشاكل والخلافات.

 

واتهم زعيم حزب أمل التونسي، أحمد نجيب الشابي، الأسبوع الماضي، الرئيس بتنفيذ “انقلاب ناعم”، فيما كتبت الإيكونوميست المغاربية أن الخطاب كان علامة على “شهية سعيد التي لا يمكن السيطرة عليها للسلطة”.

 

كما كتب أستاذ القانون الدستوري، ربيع الخريفي، أن هذه الخطوة قد تعني أن “قرارات مؤلمة وأيامًا صعبة على وشك الحدوث، قد تبدأ بسلسلة من الاعتقالات بين النواب”، في إشارة إلى تعليق لسعيد الذي قال فيه مخاطبًا السياسيين إنه لا يمكن التمسك بالحصانة.

 

 وكتب الخريفي أن “المهم من هذا الخطاب أنه أبلغ جميع التشكيلات الأمنية أن القرارات والتعليمات تصدر من قبله وحده، وهو يقصد ذلك ويدعوهم إلى عدم الاستماع إلى رئيس الوزراء”.

 

لكن الآراء الأخرى، والأكثر رجوحًا، تقول إن ميزان القوى السياسي في البلاد لن يمنحه إمكانية إحداث أي انقلاب، وأن هذه مجرد حرب كلامية ومشكلة ثقة.

 

ما دفع سعيد إلى سلوكه الأخير هو صراعه -الذي طال أمده- مع الغنوشي والنهضة، ومؤخراً المشيشي.  بدأ الخلاف بين الجانبين في وقت مبكر من عام 2019 وتفاقم مع فشل حكومة إلياس الفخفاخ في عام 2020، التي استقالت بعد أن سحب حزب النهضة دعمها.

 

يرى بعض المراقبين أن أياً كان ما يفعله قيس سعيد، فهو لا يأتي من نص أو مؤامرة معدة سلفًا، بل يتطور مع تغير الوضع. وذلك لأن عدم ثقته في الأحزاب السياسية آخذة في الازدياد بمرور الوقت، ولكن موقفه لم يكن بهذه الراديكالية منذ البداية، حسب وجهة نظرهم.

 

أحد التقارير التحليلية أشارت إلى أن جزءًا من الأزمة هو أن سعيد ليس سياسيًا تقليديًا.  فتعليقاته ليس لها درجة ثانية أو ثالثة، وهو يتفاعل مع الأحداث بشكل فاضح واضح صريح. في حين أن الأطراف الأخرى جميعها تتمتع بقدر ما من السياسة، لذا فإنها قادرة على القيام بالكثير من المناورات السياسية السرية، وبإمكانهم التحدث بخطاب مزدوج. 

 

وما يُرى من مؤشرات تشير إلى أن الرئيس لا ينتوي التراجع عن مواقفه، حيث إنه قلق من محاولات احتوائه وتحجيم سلطاته وصلاحياته، ولذا سيحاول دائمًا المقاومة والمناورة بما يملكه من أدوات دستورية، أو حتى بما يظن أنه يمتلكه حسب تفسيراته الشخصية للدستور.

 

 

 

استمرار الشعبية..

 

على الرغم من افتقاره التام للخبرة السياسية ودعم حزب من ورائه، إلا أن شعبية سعيد بين الناخبين هي التي تبقيه واقفاً على قدميه.  ويقول محللون إن استمرار شعبيته عائدٌ إلى معارضة سعيد الثابتة لحركة النهضة والنخبة السياسية.

 

وقدرت استطلاعات الرأي الأخيرة نسبة التأييد له عند حوالي 50 في المائة – متقدمًا على قادة الأحزاب الآخرين بنسبة ليست بالقليلة.

 

 يعتقد العديد من أنصار سعيد أن النظام البرلماني ضعيف ويودون رؤية عودة النظام الرئاسي ، قائلين إن حكومة قوية وموحدة هي ما تحتاجه تونس وهي تواجه أزمة اقتصادية غير مسبوقة.

 

 لكن من ناحية أخرى، يحذر بعض من صوتوا وناضلوا لصالح سعيد في عام 2019 ولكنهم يأسفون الآن لهذا القرار، من أن تونس بحاجة إلى مزيد من الوقت للانتقال الديمقراطي، وأن مثل هذه الإصلاحات قد تخاطر بالعودة إلى الديكتاتورية.

 

اقرأ أيضًا: الأزمة السياسية التونسية.. بين الأسباب والحلول


اترك تعليق